منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

السياسة اللغوية بالقطاعات الحيوية في المغرب -التعليم أنموذجا-

لحسن عيا

0

السياسة اللغوية بالقطاعات الحيوية في المغرب -التعليم أنموذجا-

بقلم: لحسن عيا

مقدمة

تدبر المسألة اللغوية بالمغرب سياسات الجمع والتعدد، لا سياسة واحدة، إنها سياسات مختلفة بل متناقضة أحيانا، وخاضعة للأيديولوجيات أحيانا أخرى، حسب طبيعة المتدخلين في المسألة وتعارض خلفياتهم. ولأن اللغة من الأنظمة المركزية المستعملة عند الإنسان، فبها يبدأ النشاط الإنساني، وبها يحيا ويستمر في المكان والزمن، ويقرأ ويفهم الحاضر ويخطط ويبني المستقبل.

ولما كان الشأن السياسي في كل حضارة عملا منظما يستحضر خلفيات الماضي وتاريخه لفهم الحاضر وبناء المستقبل، كان لابد من العودة إلى اللغة التي تختزل تجارب مختلف الأجيال وتتداخل فيها جهود الحاضر والماضي. هنا تكمن علاقة اللغة بالسياسة، فلا وجود لفعل سياسي خارج عن إطار اللغة، ولا وجود للغة خارج إطار السياسية، فإذا اتفقت السياسة مع اللغة ودعمتها ارتقت اللغة ونجحت السياسة، وإذا تعارضت المواقف السياسة مع اللغة اتخذت اللغة طريقها إلى الاندثار، وبدأت السياسة تفقد هيبتها التي تنتهي بانتهاء اللغة التي تمدها بالقوة والحركة، إنها علاقة تأثير وتأثر بين اللغة والسياسة، إذ لا وجود للتفكير في اللغة في معزل عن الخلفية السياسية، ولا وجود لنظرية لسانية خارج خلفية سياسية لسانية وعقدية. كما أنه لا وجود لفعل سياسي لم يتخذ لغة معينة سلاحا ومعينا لا ينضب، منه يستمد تصوراته ويبني أنساقه وعوالمه.[1]

سنحاول خلال هذا المقال الحديث عن بعض المشاريع الإصلاحية الكبرى لمنظومة التعليم في المغرب. انطلاقا من تعيين اللجنة الملكية لإصلاح التعليم مرورا بالميثاق الوطني للتربية والتكوين 1999، والمخطط الاستعجالي 2019-2012، والرؤية الاستراتيجية 2015-2030، فالقانون الإطار 51.17، وسنحاول تقديم نقد يرصد مواطن اختلالات تلك المشاريع.

المبحث الأول: مشاريع إصلاحية كبرى لإصلاح منظومة التعليم في المغرب

انخرط المغرب في جملة من الإصلاحات استهدفت نظام التربية والتعليم من خلال محطات عديدة، وبذل جهود كثيرة من أجل الإصلاح وإعادة الإصلاح، إلا أن التقارير الدولية والوطنية حول الوضع التعليمي والتربوي المغربي، مازالت تنذر بالوضع السلبي وتصنف المغرب في رتب متأخرة في هذا المجال، مما يؤكد أن جملة من الإشكالات والتحديات مازالت تعيق مسار الإصلاح وتعطل فاعلية هذا القطاع الحيوي، وأن الإجراءات والتدابير المتخذة مازالت بحاجة إلى مزيد مراجعة وتقويم، وإشراك كل الفاعلين والمتدخلين. بعيدا عن الحسابات السياسية والأيديولوجيات الضيقة؛ حتى يتم استيعاب واحتواء جميع التحديات في شموليتها، ويتم التوصل إلى البرامج والحلول التي تتناسب مع خصوصية المغرب والمغاربة.

أولا: محطات بارزة لإصلاح قطاع التعليم

 إن الفهم الصحيح لمشكل التعليم ببلادنا يتطلب تعرية جذوره والكشف عن طبيعة هيكله وحقيقة المضامين التي يحملها، على حد تعبير الجابري،([2]) وهذا الأمر يتطلب بسطا لأهم المحطات الإصلاحية التي خضع لها الحقل التربوي والتعليمي بالمغرب، بسطا تحليليا نقديا. ولا يحتاج المتتبع للشأن التربوي والتعليمي بالمغرب لجهد كبير وبحث طويل، ليكتشف أن تاريخ هذا القطاع هو تاريخ الإصلاحات وإعادة الإصلاح وإصلاح الإصلاح بشكل مستمر، فمنذ استقلال المغرب إلى حد الآن، توالت على المنظومة التربوية المغربية مجموعة إصلاحات ومناظرات و لجن عديدة؛ لا يتسع المقام للتفصيل في مجموعها ([3])، لذلك سنقتصر في هذا المحور على إيراد ما يفي بالغرض ويحقق المراد و المقصود من البحث، وهو الاكتفاء بعرض الإصلاحات الكبرى التي وصفت بأنها مشاريع، والتي كانت أصلا لغيرها من الإصلاحات التي وصفت بالجزئية أو كانت امتدادا للأولى. وسأبدأ مباشرة بمرحلة ما بعد الاستقلال.

1.اللجنة الرسمية لإصلاح التعليم 1957

بعد حصول المغرب على استقلاله تم تعيين اللجنة الرسمية لإصلاح التعليم سنهة 1957، ما يعني أن هات جاءت في سياق التحديات الناتجة عن مرحلة ما بعد الاستقلال، وما أفرزه المحتل من مشاكل. ومن بين أهم تلك التحديات؛ نجد الطلبات المتزايدة للعرض التعليمي من طرف المجتمع المغربي آنذاك، والذي كان محروما من تعليم وطني خلال مدة الاستعمار، فكانت الدولة أمام تحدي الاستجابة لهذا المطلب، فتم تعيين هذه اللجنة التي انتهت إلى الإقرار الرسمي لمبادئ أربع لإصلاح النظام التربوي والتعليمي الذي تركه الاستعمار. تمثلت تلك المبادئ في: تعميم التعليم وتوحيده وتعريبه ومغربة الأطر. وقدمت اللجنة تقريرا عاما عن أعمالها أوصى بالتوحيد والاستمرار في مغربة الأطر ضمن مدارس تكوينية خاصة بذلك، ولقد كانت تلك المبادئ الأربع هي المهيمنة على الأدبيات التربوية حتى سنة 1999 وكل ما تلا هذا الإصلاح وجاء بعده، لا يخرج عن كونه معالجات جزئية لا ترقى إلى درجة تسمى معها مشاريع، وذلك إلى حدود سنة 1999 ومجيء لجنة التربية والتكوين التي اشتغلت على الميثاق الوطني كما سنرى فيما بعد.

2.الميثاق الوطني للتربية والتكوين

 في أواخر التسعينات من القرن الماضي، بدأ التفكير في إصلاح التعليم المغربي والخروج من الأزمات المتراكمة التي عجزت الإصلاحات السابقة عن تجاوزها. فتكونت لجنة خاصة لهذا الغرض سميت باللجنة الخاصة لإصلاح نظام التربية والتكوين، “بقرار ملكي سام، تضمنه خطاب العرش الذي ألقاه الملك الحسن الثاني، في الثالث من مارس 1999” ([4]). وكانت باكورة أعمال تلك اللجنة؛ هي إنتاج ما سمي بالكتاب الأبيض وبعده الميثاق الوطني للتربية والتكوين. ذلك الميثاق الذي اعتبر “دعامة أساسية لإصلاح نظام التربية والتكوين باعتباره أولى الأولويات الوطنية بعد قضية الوحدة الترابية. ([5]) “وتم عرض المشروع الإصلاحي آنذاك، ثم الشروع في تطبيقه مبدئياً على شكل مخطط عشري ما بين سنتي 2000 و2010. لقد جاء المشروع أو الميثاق الوطني للتربية والتكوين في سياق حملة عارمة انطلقت على مدى العقد الأخير من القرن الماضي، ركزت على أزمة النظام التعليمي. وقد كان من بين أهم الأسباب التي دعت إلى هذا الإصلاح أساسا:

  • تراكم المشاكل وتأجيل الإصلاحات؛ لغياب رؤية واضحة ومتكاِملة للمشروع المجتمعي المتوَّخى تحقيقه.
  • غياب الاستمرارية في تنفيذ الإستراتيجيات، صعود الغضب والسخط الشعبي إِزاء الوضعية المزرية للتعليم، وغياب الجهوية وسيادة المركزية.
  • التقرير الذي صدر عن وضعية التعليم من البنك الدولي سنة 1995.

ومن أهم المرتكزات التي قام عليها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، نجد:

  • مبادئ العقيدة الإسلامية وقيمها.
  • التشبع بالثوابت والمقدسات الوطنية، والحفاظ على التراث وتجديده.
  • الوفاء للأصالة، والتطلُّع للمعاصرة، والرقي بالبلاد والإسهام في تطويره. ([6])

ومن أهم الغايات الكبرى للميثاق الوطنِي للتربية والتكوين: جعل المتعلم في قلب الاهتمام والتفكير التربوي، والنهوض بنظاِم التربية والتكوين بوظائفه تجاه الأفراد والمجتمع، والوصول إلى مدرسة مغربية ناجحة، وجامعة ناجحة. ([7]) هذا خلاصة ما قام عليه الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والذي مازال إلى حدود الساعة، يعتبر أهم وثيقة مرجعية لنظام التربية والتكوين بالملكة المغربية كما سبقت الإشارة.

3.المخطط الاستعجالي 2009/2012

يعتبر المخطط أو البرنامج الاستعجالي خطة إنقاذ للنسق التربوي التعليمي المغربي من الأزمات العديدة التي يتخبط فيها. والأسباب الخاصة التي كانت وراء وضع المخطط الاستعجالي الوطني في مجال التربية والتعليم؛ هي فشل الإصلاحات التعليمية السابقة، وكساد النظريات التربوية على مستوى التنظير والتطبيق؛ إما بسبب كونها شعارات سياسية جوفاء وفضفاضة، وإما لكونها نظريات جاهزة يحاول المسؤولون استنباتها في تربة مغايرة للتربة التي ظهرت فيها. ومن بين هذه النظريات والشعارات: مبدأ تعميم التمدرس، والدعوة إلى مجانية المدرسة، وتوحيد المدرسة المغربية، والحث على تطبيق نظرية الأهداف، والأخذ بالنظرية التداولية، والإشادة بنظرية الجودة، والدعوة إلى تمثل نظرية الشراكة، واستلهام نظرية مشروع المؤسسة، واستنبات نظرية الكفايات، وتمثل نظرية الإدماج… بالإضافة إلى فشل وزارة التربية الوطنية في تطبيق بنود الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والتي أصبحت مقرراته منسية ومطروحة عرض الحائط على الرغم من طموحها الكبير.

ويستند البرنامج الاستعجالي في جوهره على مبدأين أساسين:

  • المبدأ الأول يكمن في التخطيط المبرمج الذي يتسم بالتدقيق، والتركيز، والانتقاء، والفاعلية، والإجرائية، والبراجماتية، وقابلية التنفيذ.
  • المبدأ الثاني يتضح جليا في التنفيذ الفوري للبرنامج، والتسريع في تطبيقه، وترجمته ميدانيا وواقعيا، بدون تريث ولا إبطاء ولا تأخير، ولو تحقق ذلك التطبيق عبر فترات متعاقبة ([8]).

وقد انطلق العمل في تنفيذ هذا البرنامج، بشكل استعجالي متدرج عبر سنوات دراسية متوالية. ويمكن اعتبار هذا المخطط الاستعجالي أيضا بمثابة ميثاق وطني ثان للتربية والتكوين، يعتمد في قراراته ومبادئه على نتائج تقرير المجلس الأعلى للتعليم لسنة 2008م.

الرؤية الاستراتيجية 2015/2030

تأتي هذه الرؤية المستقبلية للوزارة الوصية على القطاع، بعد انقضاء فترة البرنامج الاستعجالي 2009-2012 الذي اعتبر آنذاك نفسا جديدا للإصلاح وامتدادا لسيرورة الإصلاح التي ابتدأت مع انطلاق الميثاق الوطني للتربية والتكوين، لكنه لم ينجح في ذلك كما سنرى في المحور اللاحق.

وتعتبر الخطابان الملكيان 20 غشت 2012 و20 غشت 2013 المخصصة لإصلاح منظومة التربية والتكوين، الأساس المرجعي لهذا المشروع التربوي الجديد، والتي شخص فيها الملك محمد السادس واقع التربية والتكوين ببلادنا، حيث أشار إلى ” أن ما يحز في النفس أن الوضع الحالي للتعليم أصبح أكثر سوءا، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أزيد من عشرين سنة”. ولتجاوز هذه الوضعية أكد “أن الوضع الراهن لقطاع التربية والتكوين يقتضي إجراء وقفة موضوعية مع الذات، لتقييم المنجزات، وتحديد مكامن الضعف والاختلالات”. فقد مر على هذه الإصلاحات وإعادة الإصلاحات المتعاقبة على قطاع التعليم والتربية والتكوين زهاء 65 سنة وما يزال التعليم لم يرق إلى مستوى انتظارات الشعب المغربي وإلى طموحاته كمجتمع مستقل يتمتع بحريته ويواكب التحضر العصري. المخطط الاستعجالي أكد فشل الميثاق الوطني للتربية والتكوين وهذا بدوره قد أكد فشل الإصلاحات السابقة التي عكست نتائج سلبية على مستوى درجات التطور والتنمية والتي أدت بالمغرب إلى احتلال الرتب الأخيرة، على مقياس الهرم الترتيبي العالمي. وتستند الرؤية الاستراتيجية، على مبادئ الثوابت الدستورية للأمة المغربية، المتمثلة في الدين الإسلامي، والوحدة الوطنية، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي؛ والهوية المغربية الموحدة، المتعددة المكونات والغنية الروافد والمنفتحة على العالم، المبنية على الاعتدال والتسامح وترسيخ القيم وتقوية الانتماء والحوار بين الثقافات والحضارات؛ ومبادئ حقوق الإنسان… كما تهدف كذلك إلى إرساء وترسيخ مدرسة جديدة تقوم على الإنصاف وتكافؤ الفرص، وأسس ناظمة، وغايات مثلى للتربية والتكوين والجودة للجميع، والارتقاء الفردي والمجتمعي، باعتبارها جميعا أو البحث على امتداد الخمس عشرة سنة ضمن هذا المنظور، فالتغير المنشود للمدرسة المغربية يستهدف: -الانتقال بالتربية والتكوين من منطق التلقين والشحن إلى منطق التعلم وتنمية الحس النقدي، وبناء المشروع الشخصي، واكتساب اللغات والمعارف والكفايات، والقيم والتكنولوجيات الرقمية… وجاء في الإستراتيجية كذلك أنه “من شأن هذه المدرسة الجديدة أن تحقق الغايات الإستراتيجية الآتية:

  • تكوين مواطن نافع لنفسه ولمجتمعه.
  • الاستجابة لمتطلبات المشروع المجتمعي والمواطن الديمقراطي والتنموي.
  • الإسهام في انخراط البلد في اقتصاد ومجتمع المعرفة، وتعزيز موقعها في مصاف البلدان الصاعدة.
  • الانتقال بالمغرب من مجتمع مستهلك للمعرفة فحسب، إلى مجتمع لنشرها وإنتاجها، ولا سيما عبر تطوير البحث العلمي والابتكار، والتمكن من التكنولوجيات الرقمية وتشجيع النبوغ والتفوق ([9]).

القانون الإطار 51.17

ديباجة وستون مادة يتكون منها مشروع القانون الإطار 51.17 لإصلاح التعليم بالمغرب، تؤكد معظم هذه المواد أن القطاع أولوية وطنية ملحة، وأن الدولة تضمن مجانية التعليم الإلزامي بالإضافة إلى نقاط أخرى عليها إجماع الفرقاء.

بيد أن الأمر يختلف تماما عندما يتعلق الأمر بالمادتين 31-32 اللتين فتحتا الباب على مصراعيه لتدريس المواد العلمية باللغة الأجنبية بدلا من العربية. هذه الجزئية حول لغة التدريس أوقفت المشروع أشهرا في المؤسسة التشريعية، قبل أن تصادق عليه لجنة التعليم في مجلس النواب حيث دعمته أحزاب التحالف الحكومي، وبيمنا ساند المشروع حزب الأصالة المعارض امتنع حزب الاستقلال. في حين لم يمر التصديق على المشروع بردا وسلاما على حزب العدالة والتنمية الذي نال القسط الأكبر من الانتقاد بسبب موقفه.

وبينما يعدد مؤيدو مشروع القانون الإطار محاسنه وكيف أنه سيشكل نقلة نوعية في قطاع التعليم بالمغرب، يرى فيه معارضوه وسيلة لتكريس اللغة الفرنسية على حساب اللغة العربية، وتراجعا خطيرا عن سياسة تعريب التعليم التي بدأها المغرب سنة 1977 وتراجع عنها في سنة 2019 بعدما أقرت المؤسسة التشريعية وبأغلبية ساحقة تدريس العلوم باللغة الأجنبية عوض اللغة العربية في تجربة سيحاكم التاريخ مدى نجاحها أو فشلها.

  • الشأن اللغوي في مشروع القانون الإطار 51.17

إن الـمتتبع للنقاش المحتدم حول إشكالية السياسة اللغوية وتردي الكفايات اللغوية لدى كثير من الـمتمدرسين بمختلف أسلاك التعليم العمومي، وصعوبة الحسم التي لا تزال قائمة في ما يتعَلق بتدريس اللغات ولغات التدريس، رغم أن دستور المملكة قد حَسَم في مسألة اللغة، ونص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، إضافة إلى اللغة الأمازيغية المطلوب تعزيزها والدفع بإدماجها دستور2011 يلمس ذلكم التضارب وسوء الاستقرار اللغوي في منظومة التربية والتكوين، وتطالِعه محاولات الالتفاف والاستبدال التي تقوم بها بعض الجهات في الدولة والمُجتمع على السواء، والخلط الـمتعمد بين التدريس بِلغة موحدة وجامعة على غرار ما نعرفه عن مجتمعات غربية وعربية عديدة،([10]) وبين حاجتنا إلى الانفتاح العقلاني على اللغات العالمية، هذه التجاذبات والتقاطبات تجعلنا نشك في دعاوى تعريب التعليم.([11]) وعدم الثقة في تكرارية الإجراءات والتدابير المتخذة في مجال التعريب عموما وتعريب التعليم العمومي على وجه الخُصوص، والاعتراض على مضامين بنود ومواد القانون الإطار الجديد، وبالأخص المادتين 31-32 لِـمسها بقضية اللغة.([12]) والعامل اللغوي الذي يجسد لدى المجتمع اللغوي أهم عوامل الشعور الفردي والجماعي بالانتماء والامتلاء الـهوي والوطني، والولاء لحضارة معينة ولمجتمع ُمحدد.

  • محتويات المادتين 31-32 المتعلقتين بالشأن اللغوي

يمكن تقسيم أو تصنيف مضامين المادتين إلى “مبادئ عامة” و”حزمة إجراءات”، فضلا عن “الجهاز المفاهيمي” و”البنية اللغوية” الـمعتمدة؛ ثم الشروع في مناقشة المضامين في كليتها، واستِخلاص بعض النتائج والتأثيرات القريبة-البعيدة التي لا شك سيحدثها المشروع، وفي المتن منه إشكالية لغات التدريس وتدريس اللغات في منظومات التعليم الأساس والعالي.

سنتوقف أولا مع أهم المفاهيم التي استأثرت باهتمامنا في المادتين 31-32 من القانون الإطار وهي “الهندسة اللغوية L’ingénierie linguistiques” ([13])، و”السياسة اللغوية” ([14]) و”الدور الوظيفي للغات” ([15]) و”التعددية اللغوية” ([16]) و”التناوب اللغوي” ([17]) و”الخيارات اللغوية” ([18])، وإن كانت في مجملها لا تعدو الطابع الإنشائي الـمبهم، ويكتنفها الغموض والتمييع والفوضى المفاهيمية وغياب الدقة.

يبدو أن مفهوم “السياسة اللغوية” أجدر في هذا المقام بالفحص والتدقيق والتعليق، لما ينطوي عليه من “عقلية معينة” و”نزعة أو رؤية للدولة” و”اختيارات حاكمة” و”وموجهات في النّظر والممارسة” و”أهداف استراتيجية،” ولارتباطه بصناعة القرار اللغوي في البلاد، خاصة وأن المتخصصين وأصحاب النَّظر العلمي في الموضوع يعتبرون أن هذا المفهوم والمفاهيم التي ذكرنا أعلاه؛ يتجاوز أو تتجاوز كونها مجرد مصطلحات أو مفاهيم على حد ما نصفها به في هذه الورقة؛ بل إن الهندسة اللغوية، وبالأخص السياسة اللغوية علمان وفروع من علوم قائمة بذاتها، و”سياسة” ضمن سياسات عمومية تضطلع فيها الدولة إزاء أهم قضايا المجتمع والوطن بدور أساس وحاسم.

  • المادتان 31-32: ملاحظات من خلال المبادئ والتدابير

ننطلق من استقراء نتائج أو خلاصات الواقع المعيش للمسألة اللغوية في التعليم المغربي التي تفيد أن السياسات اللغوية الـمتبعة منذ سنوات، وبالأخص خلال عشرية تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين بكونها غير ديمقراطية، ولا منصفة لموقع اللغة الوطنية، وتعاني من غياب صناعة القرار اللغوي وذلك بالتأرجح بين إرضاء هذا الطرف أو ذاك، بما يخل في العمق بالتحكم في التوازنات اللغوية.

  • توصيف المادتان 31-32

يرى الـمشرع أن الهندسة اللغوية التي ستعتمد في المناهج والبرامج والتكوينات تقوم على ستة مبادئ:

  • إعطاء الأولية للدور الوظيفي للغات المعتمدة في المدرسة، الهادف إلى ترسيخ الهوية الوطنية، وتمكين المتعلم من اكتساب المعارف والكفايات، وتحقيق انفتاحه على محيطه المحلي والكوني، وضمان اندماجه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والقيمي.
  • تمكين المتعلم من إتقان اللغتين الرسميتين واللغات الأجنبية، لا سيما في التخصصات العلمية والتقنية، مع مراعاة مبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص.
  • اعتماد اللغة العربية لغة رئيسة للتدريس، وتطوير وضع اللغة العربية والأمازيغية في المدرسة ضمن إطار عمل وطني واضح ومتناغم مع أحكام الدستور، باعتبارها لغة رسمية للدولة، ورصيدا مـشتركا لجميع المغاربة بدون استِثناء.
  • إرساء تعددية لغوية بِكيفية تدريجية ومتوازنة، تهدف إلى جعل المتعلم الحاصل على الباكالوريا متمكنا من اللغة العربية، قادرا على التواصل بالأمازيغية، ومتقنا للغتين أجنبيتين على الأقل.
  • إعمال مبدأ التناوب اللغوي من خلال تدريس بعض المضامين والـمجزوءات في بعض المواد بِمواد أو لغات أجنبية.
  • العمل على تمكين المتعلمين من اللغات في سن مبكرة، من أجل تملكهم الوظيفي لهذه اللغات طيلة مسارهم الدراسي، وذلك خلال أجل أقصاه ست سنوات ابتداء من تاريخ دخول هذا القانون-الإطار حيز التنفيذ”([19])

ثانيا: في نقد المشاريع الإصلاحية

لما كانت قضية التعليم قضية حياة أو موت ([20]) كما أشار لذلك المفكر المغربي علال الفاسي، كان لابد أن تأخذ حقها من الاهتمام والعناية، ما تستحقه من طرف مختلف الفاعلين والمتدخلين، ذلك ما لم يحصل مع التجارب الإصلاحية السابقة، حيث إن المتأمل لما أوردته سابقا؛ يلاحظ بكل يسر أن حجم تلك الإصلاحات؛ لا يوازيه حجم النتائج المحصلة، مما يجعل سؤال لماذا وما السبب؟ يطرح باستمرار. ومساهمة منا في البحث عن العلل والأسباب المعرِقلة لمسار الحل التربوي والتعليمي ببلادنا، نشير إلى ما يلي:

1.اللجنة الوطنية الرسمية لإصلاح التعليم

فكونها لم تقدر على إبداع نظام تربوي تعليمي يناسب المغرب والمغاربة آنذاك لم تنجح فيما أنشئت من أجله عموما. لأنها افتقدت للرؤية الموحدة، والتخطيط المحكم ([21]) من جهة، ومن جهة ثانية، كانت تلك المبادئ الأربع التي وضعتها “تعبيرا أو تنظيرا لواقع فرض نفسه، فترك أمر تطبيقها لتموجات الحاضر والمستقبل، الشيء الذي أدى إلى فسح المجال للارتجال والتخبط والتراجع وغير ذلك من المظاهر التي سادت تعليمنا منذ الاستقلال إلى اليوم”. ([22])، والذي زاد خطورة النتائج التي انتهت إليها هذه اللجنة، أنها كانت أصلا لما بعدها، ولم تخرج كل الإصلاحات التي شهدتها منظومتنا التربوية والتعليمية عما وضعته تلك اللجنة من اقتراحات، والتي كانت محكومة في عمومها بالتوفيق والتوافق بين الفئات المدبرة لشؤون المغرب والمغاربة آنذاك. ومما زاد من تعميق هوة الإشكال بعد استقلال المغرب، أن القيادة السياسية والحكومات المتعاقبة كانت تعمل دائما “على توصيف وتسطير برامج وخطط إصلاحية عملية، مجردة عن الرؤى الفكرية الملائمة لاحتضانها” ([23])، فكان دائما الفرق واسعا والبون شاسعا، بين ما ينظر له، وبين ما يتم تنزيله على أرض الواقع، وكان المنطق الحاكم سواء عند تلك اللجنة أو عند من بعدها هو منطق الحلول الإطفائية والاستعجالية كما سنرى.

2.الميثاق الوطني للتربية والتكوين

فالنقد موجه له، فيم لم يتحقق فيه من مجالات متعددة منها المجال الأول الذي راهن على جودة التعليم الابتدائي والإعدادي وربطه بالمحيط الاقتصادي… فقد جاء في المادة 25: “خلال العشرية الوطنية للتربية والتكوين سيحظى التعليم الأولي والابتدائي والإعدادي بالأولوية القصوى…”، وجاء في المادة 266: “يصبح التعليم إلزاميا ابتداء من تمام السنة السادسة من العمر إلى تمام الخامسة عشرة منه”. وقد نجح الميثاق فعلا في الاحتفاظ بالتلميذ في المدرسة حتى سن الخامسة عشرة لكن بأي ثمن؟ كان ذلك على حساب الجودة والمردودية التربوية؛ فقد فشل شعار “مدرسة النجاح”، الذي رفعه المسؤولون بالوزارة، في تكوين التلميذ المتشبع بالقيم والمعارف التي تؤهله للاندماج في الحياة العملية، فإذا بالابتدائي والإعدادي يرسل إلى الثانوي أفواجا من التلاميذ غير متمكنين من أساسيات القراءة والكتابة والحساب، وإذا بالثانوي يرسل أفواجا كبيرة إلى الجامعة لا تتوفر فيها أدنى شروط الدارسة الجامعية. ناهيك عن “إتقان” اللغة الفرنسية الذي جعله الميثاق هدفا من أهدافه الكبرى في المادة 117 بشهادة عدد كبير من مدرسي الفرنسية في الإعدادي والثانوي فإن غالبية التلاميذ الذين يحصلون على الشهادة الابتدائية لا يحسنون كتابة جملة بسيطة بالفرنسية من المفروض أن يكتبها تلميذ في السنة الثانية ابتدائي. كما أن شعار “دعه يمر، دعه ينتقل” ولد سلوكا غير تربوي لدى التلاميذ وأولياء أمورهم يتمثل في “الحق في النجاح” مهما يكن مستوى التلميذ، ولم يعد متقبلا لديهم أن يرسب تلميذ قبل سن 15حتى ولو كان لا يحسن كتابة اسمه بالفرنسية ولا يتقن كتابة جملة سليمة باللغة العربية، وتم تشجيع هذا السلوك بالسماح للتلاميذ الذين حصلوا على معدلات متدنية بالانتقال إلى القسم الأعلى، باسم الخارطة المدرسية وتفعيلا لمدرسة النجاح ([24]).

3.المخطط الاستعجالي 2009-2012

الظاهر من اسمه ابتداء، أن السبب وراء مجيئه هو مجرد ردود أفعال دفع إليها الوضع المزري، الذي وصل إليه الحقل التعليمي آنذاك، لكنها ردود أفعال كانت مفتقدة لحسن التخطيط والحكامة في التدبير فإذا كانت التربية والتعليم يتنافيان مع الاستعجال ويحتاجان إلى الامتداد لمدة أطول حتى يمكن أن نحقق التراكم التربوي والتعليمي المتواصل، فإن الغالب على المخطط الاستعجالي، هو العكس، لذلك فلا غرابة أن نجده قد وقع في جملة أخطاء؛ ترتبط من جهة أولى بعدم استهداف مشاريعه بشكل خاص وأكبر، للمناطق التي تعرف مؤشرات تعليمية منخفضة. ومن جهة ثانية بمحاولة تطبيق هذا البرنامج دون توفير وتكوين قبلي للموارد البشرية الكافية. ومن جهة ثالثة باعتماد مقاربة “مركزية” في إعداد مشاريع البرنامج الاستعجالي. ومن جهة رابعة باعتماد خلاصات جزئية، وتجاهل توصيات أخرى بخصوص المجالات التي يجب أن تهتم بها الوزارة الوصية.

4.الرؤية الاستراتيجية 2015-2030

جاءت الرؤية الاستراتيجية حاملة لشعار “مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء”، وبنت هذا الشعار على ثمان رافعات هي:

  • التحقيق الفعلي لمبدأ المساواة في ولوج التربية والتكوين دون أي تمييز.
  • إلزامية التعليم الأولي وتعميمه.
  • استهداف تعميم وتنمية التمدرس بالأوساط القروية وشبه الحضرية والمناطق ذات الخصاص، بتخويلها تمييزا إيجابيا.
  • تأمين الحق في ولوج التربية والتكوين للأشخاص في وضعية إعاقة أو في وضعيات خاصة.
  • تمكين المتعلمة والمتعلم من استدامة التعلم وبناء المشروع الشخصي والاندماج.
  • تمكين مؤسسات التربية والتكوين من التأطير اللازم، ومن التجهيزات والبنيات، والدعم لضمان الإنصاف والتعميم التام.
  • تحقيق مدرسة ذات جدوى وجاذبية.
  • التعليم الخاص شريك للتعليم العمومي في التعميم وتحقيق الإنصاف.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه أمام هذه الاستراتيجية وما قامت عليه من رافعات ومفاهيم كبيرة لا يسمح المقام بتشريحها، هو هل تمتلك الوزارة الوصية الآليات والأدوات والوسائل الكافية لقيادة هذا التغيير الإستراتيجي لمنظومة التربية والتكوين المقاربات والمنهجيات، الموارد البشرية والمالية والمادية، التشريعات والقوانين والمساطر؟ وهل للدولة الشيء الكافي من الإرادة السياسية، لقيادة هذا التغيير ودعمه، ذلك ما لا أملك جوابا مباشرا عنه، ولكني لا أتردد في اعتبار هذا الإصلاح، مجرد رؤية حالمة انطلاقا من كونها أنجزت بشكل أحادي مركزي فوقي، يسهل التكهن معه بالفشل المسبق لهذا الإصلاح، لا سيما إذا استندنا إلى الإصلاحات والتجارب السابقة، التي رفعت كذلك شعارات بارقة بمفاهيم جذابة لكن لم تستطع النفاذ إلى الواقع، وإحداث التغيير اللازم فيه، فالإصلاح يقتضي أولا فهم الواقع التعليمي وتشخيصه بناء على اتصال مباشر مع العاملين في الميدان، و التواصل والتحاور معهم، بحيث يكون تشخيص مشكلات الواقع التعليمي مبنيا على مشاركة ديمقراطية للمجتمع المدرسي… مع تبني السياسة الجهوية… فالإصلاح ليس مجرد تعليمات، إنما هو انخراط واعي عقلاني ووجداني يتطلب إشراك الناس في القرارات والإستراتيجيات والسياسات بحيث يصبح الإصلاح جزءا من تاريخية الذات التي تقاوم من أجل إنجاحه([25]).

يلخص لنا هذه المعاني ما جاء في كلام محمد عابد الجابري: “إن تعليمنا، مثله مثل مرافق حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، قد ظل أمام غياب أي تخطيط محكم هادف، خاضعا لتأثير مؤشرين رئيسيين: تطوره الداخلي العشوائي، من جهة، ونوعية العلاقات السائدة بين الفئات المتصارعة داخل -النخبة المسيرة- من جهة أخرى.” ([26]) ولعل استمرارية فشل الإصلاحات التي حيرت الخبراء والباحثين والمهتمين ومازالت… ولعل حراسة هذا الفشل إن صحت العبارة، كل ذلك مرده جملة إلى كون “القيادة السياسية لم تكن ترغب في إصلاح تربوي حقيقي ومؤثر في بنية المجتمع المغربي، لذلك فقد كانت هذه القيادة، تنظر إلى التعليم من زاوية خدمته الآلة الاقتصادية فقط، ولتلبية حاجات محددة في الإدارة والخدمات، وتخاف منه لارتباطه بثقافة المجتمع وتأثيره على حركة المجتمع.” ([27])، تلك النظرة التي نأمل أن تتغير فعليا إلى اعتبار التربية والتعليم رافعة التنمية وقاطرة تقدم المجتمع.

5.القانون الإطار 51.17

أولا: ملاحظات حول المبادئ السابقة

تستدعي المبادئ السابقة في نظرنا جملة من الملاحظات على مستوى الشكل والمضمون ومرامي السياسة اللغوية للدولة، ونوردها على الشكل التالي:

  • مسألة ترتيب المبادئ؛ مسألة حاكمة، إذ نرى أن المبدأ الثالث يجب أن يتصدر ترتيب المبادئ؛ لارتباطه بلغة التدريس، وتنصيصه على اعتمادها لغة أساسية للتدريس، وإن كانت ألفاظ: «الاعتماد» و«الإتقان» و«التطوير» و«التمكين» و«التملك الوظيفي» أثناء الحديث عن اللغة الوطنية لا تعدو شعارات فضفاضة لا تستحضر التشريع اللغوي المطلوب، والتنصيص الواضح على طبيعة حضور العربية في التدريس ووظيفيتها، وكيفيات جعلها لغة قائدة للسان والكتابة والبحث العلمي والتكوين والإنتاج والابتكار مستقبلا، واعتمادها – حقا – في خدمة وصيانة السلم اللغوي بالمغرب ([28])، وما تعليقنا على هذا الجانب نقصد التراتبية إلا لما للتراتبية من اعتبار كونها مقدمة لتنفيذ المساواة اللغوية.
  • غياب التنصيص على الطرق والوسائل والأدوات التي نعتبرها ضرورية لتهيئة اللغة العربية في التخصصات العلمية والتقنية، لتـنافِس حضور اللغات الأجنبية فيها، ولنُعدَّ تعليمنا الأساس والجامعي ليصير التدريس فيه وإنتاج البحث العلمي باللغة الوطنية الرسمية ([29]) لأنه لا توجد أمة تبدع وتنتج وتتقدم خارج لغتها الأم([30]) وإن كانت لغة انغلاقية، فكيف بالعربية ذات الامتداد الجغرافي والحضور الحضاري والعمق التاريخي والمؤهلات الذاتية التي تحملها كلغة متميزة ومعتمدة دوليا في عدة أجهزة ومؤسسات أممية.
  • ضعف اتخاذ القرار الحاسم بإقرار اللغة العربية لغة وطنية للتدريس في مختلف الأسلاك والمستويات، فالوضع الصحيح والمنطق السليم يقتضيان جعل العربية لغة للتعليم في كل القطر المغربي([31])، ودعمها سياسيا، ورفع الضيم اللغوي النازل بها منذ الاستقلال. كما يهرب النص من حسم إشكال التعريب في التعليم العالي وتغيب عنه الإرادة السياسية والسيادية للدولة، فمبدأ التعريب – كان ولا يزال – شرطا واقفا لقيام “مدرسة وطنية مغربية موحدة، أي كَشرط من شروط تحقيق التوحيد”([32]) ناهيك عن أنه شرط لتحقيق وترسيخ هويتنا الوطنية التي أشارت إليها المادة 31 من القانون الذي بين أيدينا. و”تعريب التعليم لا يتأتى ولا يمكن أن يتحقق بسلوك الطريق الصاعد وحده: الابتدائي، ثم الثانوي ثم العالي. بل لابد أن تشمل عملية التعريب – في آن واحد-هذه المراحل مجتمعة، لأن كلا منها يتوقف على الآخر فيمده بالمعلمين أو الأساتذة، وإما بالتلاميذ أو الطلبة. ([33])
  • ندرة تحديد المناطق الحيوية لاستعمال اللغة العربية واللغات الأجنبية، كما أن اللغات الأجنبية تأتي في نفس المكانة مع اللغتين الرسميتين في المبدأ رقم 2 بحيث ينص على وجوب تمكين المتعلم من إتقان اللغتين الرسميتين واللغات الأجنبية([34])، فعلى من تعود هذه المفردة “اللغات”؟؛ على الفرنسية التي تدعم بكل الإمكانيات، أم على الإنجليزية أم الإسبانية؟ وهل قدر الأمازيغية في التعليم ألا تبرح مكانها وتوفى حقها الدستوري؛ إذ يكفي أن يشير القانون إلى ألفاظ فضفاضة في حقها من قبيل: “تطوير وضعها” و”التواصل بها”. وكيف يستقيم أن يسمو النص الدستوري باللغة العربية في حين ينزلها القانون الإطار في نفس الدرجة من حيث جعل الـمتعلمين متقنين “لها واللغات الأخرى”؟
  • السعي لإرساء تعددية لغوية دون إيضاح لوظيفية هذه التعددية، فالتجارب الدولية في المجال تظهر أن الهدف من وراء اعتماد بعض أو كثير من الدول مبدأ “التعدد اللغوي” يكون إما: سعيا للاندماج في مجتمع المعلومات والاتصال وبعالم الاقتصاد، وإما لوجود التنوع والتفرد اللغوي والثقافي، على حد ما أوضح اللساني المغربي عبد القادر الفهري، والحال أن واقع الأمر بالمغرب يكشف عن أن هنالك “تعددات لغوية،” هدفها التشويش على وضع اللغة العربية، والمراكمة في الأرصدة اللغوية التي اكتسبتها في مختلف القطاعات، وإحداث فجوات لسانية لدى المتعلمين والطلاب، ويبدو أن التعدد الذي دعا له الميثاق الوطني، والمخططات السابقة عليه، والمشروع الذي بين أيدينا قد ترتبت عنه أكلاف متفاوتة الحدة والخطورة، وقد ينتج مستقبلا تشققا هوياتيا وتمزقا مجتمعيا؛ ما لم تضع السياسة اللغوية الحكيمة للدولة – والمطلوب فيها أن تكون سليمة وحكيمة- اللغة العربية الرسمية في مركز الثقل من التعدد اللغوي الذي تسعى لإقراره، وقد تقره مرات أخرى كذلك.
  • الوقوع في أخطاء علمية فادحة عندما يذهب المشروع إلى ادعاء وجوب العمل على تمكين المتعلمين من اللغات الأجنبية في سن مبكرة،([35]) المبدأ رقم6 وكأننا لا نرتضي لبلدنا غير تلاميذ وطلبة خارقين لغويا، يتقنون ثلاث لغات وأربع، في حين تشير بحوث علم النفس التربوي واللسانيات النّفسية والاقتصاد اللغوي وتجارب الأمم الحاضرة أن الأطفال والتلاميذ يكونون أكثر عرضة لتشققات لسنِية واضطِرابات لغوية ونفسية إذا ما علموا قسرا لغات متعددة، كما يؤكد ذلك الدكتور علي القاسمي. ويذهب الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري إلى أنه لا يستقيم تعليم الأطفال لغة ثانية غير لغتهم الوطنية المشَتركة قبل سن الثانية عشر، أو التاسعة على الأقل، بل يتوجب العمل على توفير بيئة طبيعية لتعليم اللغة الأم والحرص على الانغماس الـمبكر للمتعلمين في اللغة الوطنية.

أما الإجراءات أو التدابير التي نصت عليها المادة 32 من القانون، باعتباره مخططات عمل وتنفيذ، فهي ستة تدابير:

  • “مواصلة المجهودات الرامية إلى تهيئة اللغة الأمازيغية لسنيا وبيداغوجيا في أفق تعميمها تدريجيا على مستوى التعليم المدرسي.
  • مراجعة مناهج وبرامج تدريس اللغات الأجنبية طبقا للمقاربات والطرائق التعليمية الجديدة.
  • تنويع الخيارات اللغوية في المسالك والتخصصات والتكوينات والبحث على صعيد التعليم العالي، وفتح مسارات لمتابعة الدراسة باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية في إطار استقلالية الجامعات، وحاجاتها في مجال التكوين والبحث، حسب الإمكانات المتاحة.
  • إدراج وحدة دراسية تلقن باللغة العربية في المسالك المدرَّسة باللغات الأجنبية في التعليم العالي.
  • إدراج التكوين باللغة الإنجليزية في تخصصات وشعب التكوين المهني، إلى جانب اللغات المعتمدة في التكوين.
  • تمكين أطر التدريس والتكوين والبحث من اكتساب كفايات لغوية متعددة، مع تقيدهم باستعمال اللغة المقررة في التدريس دون غيرها من الاستعمالات اللغوية” ([36])

تعليقا على ما سبق، نكتفي هنا بإيراد أربع ملاحظات هي كالآتي:

  • يتعلق الأمر بماهية وطبيعة «التهيئة» التي تتحدث عنها المادة لصالح اللغة الأمازيغية التدبير رقم 2، إذ يغيب التنصيص على ضرورة توفير الطرق والآليات وكل ما من شأنه أن يجعل الأمازيغية مدرجة في أسلاك التدريس، وتـنميتها لتشكل إلى جانب اللغة العربية ازدواجية رابحة ومنْتِجة، لاشتراكهما في البيئة الحاضنة، والموقع من الوثيقة الدستورية، والخبرة التاريخية.
  • تتعلق بخيارات المراجعة الشاملة لبرامج ومناهج اللغات الأجنبية التدبير رقم 3 بحيث لا يزال الإشكال القائم اليوم مرتبطا بتحديد وظيفية اللغات الأخرى، هل هي للانفتاح، أم للتحصيل الدراسي، أم للارتقاء الوظيفي، أم لغرض آخر؟ وعليه؛ فإنه يَلزم أن تتضمن عملية مراجعة البرامج والمناهج بما يكرس مزيدا من السمو للغات الأجنبية في البلاد- وإن كان المعنى هنا ينصرف إلى اللغة الفرنسية في المقام الأول لما لها من حضور مدعوم من التيار الفرنكفوني والفرنكفونيين المغاربة، رغم أنها ليست في حقيقة الواقع اللغة الأكثر انتشارا كما يزعم البعض وتسوق له بعض القوانين.
  • استمرار إشكال الحسم في تعريب التعليم العالي، دون ما تجاوز قطعي وسليم للوضع الـملتبِس لحضور اللغات في جميع المستويات بما فيها التعليم الجامعي، إذ يحمل الإجراء رقم4 تناقضا حادا مع مبدأ تعريب التعليم العالي، بدعوته إلى تنويع الخيارات اللغوية في المسالك والتكوينات والبحث العلمي على مستوى التعليم العالي.
  • يدعي التدبير رقم5 حضور «لغات» في التكوين المهني؛ في حين أن حقيقة الواقع اللغوي بتخصصات وشعب التكوين يؤكد أن التكوين يتم بلغة واحدة هي الفرنسية الكتب والشرح، والمجزوءات تتم بالفرنسية..، وتحضر الإنجليزية كمادة مستقلة تدريس الإنجليزية كلغة.. ولا تشرح الدروس والمواد والدلائل التعليمية بلغات متعددة كما يذهب إلى ذلك القانون الإطار.
  • يتواصل منطق الغموض واللف ضدا على اللغة الصريحة والتعبير الواضح، إذ يحض التدبير رقم 5 أطر التدريس بمختلف المستويات على التقيد باستعمال “اللغة المقررة في التدريس دون غيرها من الاستعمالات اللغوية،” دون أن يحدد بدقة: أي لغة يقصد؟ العربية أم الفرنسية أم الإنجليزية؟

صفوة القول؛ إن المبادئ والتدابير التي تدعو إليها المادتان 31-31 من القانون-الإطار يجب أن تحدد وتبين لنا بِدقة الأصول لا الفروع، ويجب أن تكون خادمة للأصول حماية وتأهيلا وتطويرا، عبر تشريعات لغوية نافِذة، تحفظ الخريطة اللغوية في البلاد من حدوث تنافس لغوي غير متوازن، ظاهره التعدد، وحقيقته تصدر الفرنسية واستدامة حضورها. ينبغي للقانون أن ينْسج مع الهوية والأصالة، وأن لا ينص على بنود ومواد تميع وضع العربية وتضر بها وتضعفها، وأن تتسق مقدمات ما يدعو إليه بـمخرجات ما نصبو إليه جميعا في منظومتنا التعليمية، وأن يحدد الوسائل والطرق الكفيلة – عمليا- باحترام التوازنات اللغوية، وتجريم “الكراهية اللغوية” والخروقات التي تطول اللغة الرسمية في التعليم الأساس والجامعي ومعاهد التكوين المهني وخارجها، والتقدم في اتجاه الحسم النهائي في مسألة الاختيار اللغوي للتعليم في المغرب، في مراعاة ناضجة للخصوصيات الثقافية والحضارية والحاجات التواصلية والعلمية للمجتمع والوطن.

ثانيا: القانون الإطار والنكوص اللغوي

اخترنا التوقف عند ملامح الوضعية اللغوية في هذا القانون لأنه الترجمة الفعلية والقانونية والتطبيقية للرؤية الاستراتيجية، 2030/2015 ([37]) هذا ما تؤكد الوثيقة نفسها فقد جاء في الديباجة أن هذا القانون يأتي “تفعيلا لتوصية الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2030-2015التي أقرها جلالة الملك محمد السادس نصره الله والداعية إلى تحويل اختياراتها ال كبرى إلى قانون- إطار يجسد تعاقدا وطنيا يلزم الجميع، ويلتزم الجميع بتفعيل مقتضياته” ([38]).

ويرسم القانون الإطار خريطة طريق للمنظومة التعليمية في السنوات القادمة كي تسهم بدورها المنوط بها في إقامة مشروع مجتمعي هادف. لذلك نجده يتوخى تحقيق جملة من الأهداف التي تمس المنظومة من مرحلة التعليم الأولى حتى التعليم العالي. وليس هذا المقام المناسب لبسط القول في تلك التوجهات والغايات وتقويمها مادام هدف البحث هو مساءلة الجانب اللغوي. وقد تعرض هذا القانون لهذا الجانب من خلال تنصيصيه على اعتماد التعددية والتناوب اللغوي.

خاتمة:

يتوقف ترتيب المشهد اللغوي في المغرب على دعامتين، تتمثل الدعامة الأولى في “السياسة اللغوية”، باعتبارها حركة واعية رامية إلى تحديد الاختيارات اللغوية وانتقائها وإقرارها، والتحكم في مسار الوضع اللغوي وضبط إيقاعه وفق رؤية الدولة ومقتضياتها، وأشهر هذه الإجراءات وأقواها سن المواد الدستورية والتشريعية المتعلقة بالحالة اللغوية للمجتمع. وهذا التدخل السياسي يأتي مراعيا منزلة اللغات المتعايشة على الأرض الواحدة وعلاقتها ببعضها وانتشارها ووظائفها؛ ومراعيا المعطيات الكمية المتعلقة بعدد اللغات ومتكلميها؛ لذلك تختلف أنواع التدخل السياسي في الشأن اللغوي طبقا للمعطيات اللغوية وغير اللغوية في المجتمع، ويأتي هذا التدخل في صور مختلفة، لعل أبرزها عالميا: سياسة إعلاء اللغة الرسمية، تليها سياسة عدم التدخل في سياسة الثنائية اللغوية، وتحتل سياسة التدويل المرتبة الأخيرة في الممارسة عالميا، إذ تقتصر هذه الأخيرة على اللغات الاستعمارية التي هيمنت على عدد من الدول ولا تزال آثار هذه الهيمنة إلى يومنا.

وتتمثل الدعامة الثانية في “التخطيط اللغوي” الذي يستهدي بمخرجات الدعامة الأولى، فالتخطيط لا يبدأ من فراغ، وإنما يستهدي بالسياسة اللغوية التي تسيره وتحدد استراتيجياته وإجراءاته وما يترتب عليه من رسم للسياسة اللغوية وتنفيذها؛ لإحداث تغيير في بنية اللغة ومنزلتها، أو في طريقة تعليمها، وهو مجال يهتم بجميع قضايا اللغة في علاقتها بالمجتمع؛ لأجل ذلك يمكن أن يقال إن السياسة اللغوية والتخطيط اللغوي يجب أن يقعا ـ بحكم طبيعة موضوعهما ـ في صلب الاهتمامات العلمية لِلّسانيات التطبيقية والاجتماعية، وإن كانا من الناحية الإجرائية يمثلان وجها أساسيا من أوجه “السياسة العامة” للدولة.


مراجع الدراسة:

  1. أثر السياسة في اللغة: العربية أنموذجا، مراجعات، مصفى العادل، دورية نماء لعلوم الوحي والدراسات الانسانية، العددان 8-9، 2020، ص: 271.
  2. أضواء على مشكلة التعليم بالمغرب، محمد عابد الجابري ص 27.
  3. إشكاليات التربية بالمغرب، مقاربة سوسيو ثقافية، محمد أمزيان دار القلم للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 2003م، ص: 1.
  4. المخطط الاستعجالي، وزارة التربية الوطنية والتعليم العلي وتكوين الأطر والبحث العلمي، دجنبر 2007 ص: 3.
  5. الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ص: 7.
  6. التقرير التركيبي لتقديم المخطط الاستعجالي،2012-2009 وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، المملكة المغربية.
  7. من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء رؤية استراتيجية للإصلاح، 2015-2030، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المملكة المغربية، ص 5-6.
  8. مشروع القانون الإطار رقم 51.17 المادة: 31 ص: 19
  9. النقد الذاتي، علال الفاسي، ص 3.
  10. معيقات الإصلاح التربوي، الزبير مهداد، مجلة علوم التربية، العدد 46 مارس،2011، ص: 73
  11. “ما تحقق وما فشل من الميثاق الوطني للتربية والتكوين” لعز الدين التامري، جريدة هبة بريس الإلكترونية، نشر بتاريخ 7 شتنبر 2013.
  12. استراتيجية اصلاح التعليم، محمد بوعزة مجلة علوم التربية، العدد، 42يناير 2010م، ص: 42-44-46.
  13. السلم اللغوي بالمغرب من تعبير الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري.
  14. مواقف إضاءات وشهادات، قضية التعليم في مسار متعدد الأوجه، محمد عابد الجابري، 2003 الدار البيضاء، الطبعة الأولى، دار النشر المغربية أديما، توزيع سبريس، ص: 13
  15. القانون الإطار رقم 51/17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، ص: 2

[1] أثر السياسة في اللغة: العربية أنموذجا، مراجعات، مصفى العادل، دورية نماء لعلوم الوحي والدراسات الانسانية، العددان 8-9، 2020، ص: 271.

[2]() أضواء على مشكلة التعليم بالمغرب، محمد عابد الجابري ص 27.

[3]() نستحضر هنا جملة من الإجراءات والتدابير الإصلاحية المتخذة من بينها: اللجنة الملكية لإصلاح التعليم سنة 1958. وإحداث المجلس الأعلى للتعليم سنة. 1959ومناظرة المعمورة سنة.1964 وانعقاد مناظرة إفران الأولى سنة 1970. ثم مناظرة إفران الثانية سنة. 1980ثم اللجنة الوطنية للتعليم سنة 1994.

[4]() إشكاليات التربية بالمغرب، مقاربة سوسيو ثقافية، محمد أمزيان دار القلم للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 2003م، ص: 1.

[5]() المخطط الاستعجالي، وزارة التربية الوطنية والتعليم العلي وتكوين الأطر والبحث العلمي، دجنبر 2007 ص: 3.

[6]() الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ص: 7.

[7]() الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ص: 7

[8]() ينظر الصفحات الأولى من التقرير التركيبي لتقديم المخطط الاستعجالي،2012-2009 وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، المملكة المغربية.

[9]() من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء رؤية استراتيجية للإصلاح، 2015-2030، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المملكة المغربية، ص 5-6.

[10]() البرازيل، الصين، إسبانيا، تركيا، اليونان.

[11]() التي تكمل عامها الستين منذ تم َ إقرارها من طرف اللجنة الملكية لإصلاح التعليم سنة 1957م.

[12]() واللغة “هي الوعاء الذي تنصهر فيه الهوية ووحدة الوطن والمواطنة، ففي هذا الوعاء وبه تتحقق المشاعر ووحدة الفكر ووحدة الذاكرة ووحدة التطلعات.. فاللغة جزء من الكيان، من كياننا كمغاربة..” انظر: الجابري محمد عابد: “مواقف، إضاءات وشهادات، العدد 14 ” قضية التعليم في مسار متعدد الأوجه، الطبعة الأولى أبريل 2003م، دار النشر المغربية أديما، توزيع سبريس، ص: 91 ومن هنا أهمية انشغالنا بهذه المسألة البالغة الحساسية ضمن مشروع القانون الإطار الجديد، وتخصيص هذه الورقة البحثية لإشكالية لغة التدريس وتدريس اللغات وارتباطها بالهوية.

[13]() انظر الصفحة 21 من مشروع القانون – الإطار رقم 51.17 في نسخته العربية، ومصطلح “الهندسة اللغوية” يعد من أوائل المصطلحات التي ظهرت في الدراسات اللغوية الاجتماعية، والهندسة اللغوية فرع من فروع اللغويات التطبيقية.

[14]() نفسه، ص:21

[15]() نفسه، ص: 22، ومن وظائف اللغة؛ نذكر: التعبيرية – المرجعية – السياسية الوطنية-الشعرية، ويضيف الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري بعدين أو وظيفتين للغة: الـلـغو – التواصل

[16]() نفسه، ص:22، يمـيز الدكتور الفاسي الفهري في التعددية اللغوية بين: تـعدد بوتقة، وتعدد فسيفساء.

[17]() يتعلق الأمر بتجربة دولية خلاصتها أن: لغة التدريس الأساس في التعليم يجب أن تكون لغة البلد، مع إمكانية تدريس بعض المضامين أو المجزوءات ضمن المادة التعليمية الواحدة بلغة أخرى، قد تكون هي اللغة الفرنسية أو الإنجليزية. وهي تجربة معتمدة في بعض دول الاتحاد الأوربي. ولكي أوضح أكثر أقول: على سبيل المثال؛ إن أستاذ مادة الفلسفة، يدرس المادة باللغة العربية لكن يمكنه أن يدرس نصا فلسفيا لفيلسوف معين -ليكن رينيه ديكارت مثلا- باللغة الأصلية الت يكتب بها، على اعتبار أن ترجمته إلى العربية قد تفقده الكثير من معانيه.” /مقتَطف من حوار أجراه الصحفي في جريدة أخبار اليوم الأستاذ «إسماعيل حمودي» مع الدكتور «خالد الصمدي» حين كان مستشارا لدى رئيس الحكومة السابق الأستاذ عبد الإله بن كيران لشؤون التربية والتكوين.

[18]() نفسه: ص 23

[19]() انظر: مشروع القانون الإطار رقم 51.17 المادة: 31 ص: 19

[20]() النقد الذاتي، علال الفاسي، ص 3.

[21]() أضواء على مشكلة التعليم بالمغرب، محمد عابد الجابري ص 66 بتصرف.

[22]() المرجع نفسه، ص: 67.

[23]() معيقات الإصلاح التربوي، الزبير مهداد، مجلة علوم التربية، العدد 46 مارس،2011، ص: 73

[24]() انظر مقال بعنوان “ما تحقق وما فشل من الميثاق الوطني للتربية والتكوين” لعز الدين التامري، جريدة هبة بريس الإلكترونية، نشر بتاريخ 7 شتنبر 2013.

[25]() استراتيجية اصلاح التعليم، محمد بوعزة مجلة علوم التربية، العدد، 42يناير 2010م، ص: 42-44-46.

[26]() أضواء على مشكلة التعليم بالمغرب، محمد عابد الجابري ص 7

[27]() معيقات الإصلاح التربوي، الزبير مهداد، مجلة علوم التربية، مرجع سابق، ص 7.

[28]() السلم اللغوي بالمغرب من تعبير الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري.

[29]() كيف ومتى، ووفق أي منطق عملي وتصور نظري، وبإعمال التدرج من عدمه؛ هذا ما يلزم أن تخطط له السياسة اللغوية للحكومة والهيئات الاستشارية ذات الصلة بمسألة التربية والتكوين والتعليم والبحث العلمي في البلاد، بالتشاور مع الخبراء والـمختصين، وبالانفتاح على التجارب الحية لبعض الدول والشعوب التي نجحت في التدريس بلغتها الوطنية، وتتبوأ مراتب متقدمة في العالم.

[30]() يقول الراحل علال الفاسي: “إذا نحن واصلنا التعلم والحياة باللغة التي تربنا عليها؛ نكون متحدي الشخصية وإن تطورت أفكارنا، لأن الأفكار والعقائد مهما أثرت في الإنسان فهي كما يقول شوبنهاور مجرد صباغ خارجي. والذهنية وحدها هي التي تبقى، والذهنية إنما تتكون من الوسط الذي ننشأ فيه، بما يحتوي عليه من لغة، وما تعرب عنه من عقائد وأفكار، فهل يستطيع أبناء قومنا أن يدركوا قيمة المحافظة على لغتهم؟ إنها كل شيء في وجودهم وفي استقلال شخصيتهم. فتعل ّ موا لغتكم وتقمصوا ما تلهمه من حياة سامية، لن تجدوها في الصورة التي تطبعكم بها أية لغة أخرى، وإذا لم تفعلوا؛ فمعنى ذلك أنكم ستصبحون كل شيء إلا أن تكونوا أنتم!” انظر كتابه: من أجل تفاعل لغوي، الصادر عن مؤسسة علال الفاسي، الطبعة الأولى 2016م، ص: 27

[31]() برز هذا المطلب في كتابات وخطابات عدد من رموز الحركة الوطنية المغربية، وعلى رأسهم الأستاذ علال الفاسي والدكتور محمد عابد الجابِري؛ وإن كان واقع حياة هؤلاء الرموز وقادة الحركة الوطنية والأحزاب السياسية المغربية سليلتها؛ وطرق تدريسهم لأبنائهم والوجهات الدراسية التي بعثوهم إليها؛ تناقض دعاواهم ومطالِبهم في هذا الباب.

[32]() مواقف إضاءات وشهادات، قضية التعليم في مسار متعدد الأوجه، محمد عابد الجابري، 2003 الدار البيضاء، الطبعة الأولى، دار النشر المغربية أديما، توزيع سبريس، ص: 13

[33]() يقول المهدي بن بركة في هذا الصدد: “إن كل أنظمة التعليم يجب أن تكون متناسقة.” /انظر: محاضرة بعنوان: “الجامعة المغربية” ألقاها الأستاذ المهدي أمام المشاركين في مناظرة بقرية تيوملين صيف سنة 1957م، وقد تم تفريغها ورقمنتها، ونشرت في مجلة «أمل؛ التاريخ، الثقافة، المجتمع،» الجزء الأول، «نصف قرن على اختطافه بباريس؛ المهدي بن بركة جدلية الفكر والممارسة،» العدد، 45سنة 2015م، ص: 109

[34]() “لقد لاحظ أحد خبراء التعليم؛ اللبناني السيد قيصر نصر أن ثنائية اللغة تكون عند الطفل انحطاطا نفسيا. ويقول مونطي: الواقع أن المجهود الذي يطلبه اللسان الثاني ينقص جدا من استعداد الطفل العقلي الذي كان يجب أن يقصر على دراسة اللسان الأول. ويقول لوريه _ أحد علماء النفس الفرنسيين: إن ّ نمو الطفل العقلي لا يتضاعف، ولكن ينزل إلى النصف، وبما أنه غير قادر على التفرقة بين اللغتين؛ يحفظ الاثنين دون أن يتملى بعبقرية لغته الخاصة” نقله الأستاذ علال الفاسي في كتابه المذكور سالفا، ص: 89

[35]() “فأما القول بأن الفرنسية يمكن أن نتقنها ونتقن معها العربية وننبغ فيهما، وننتج أدبا وعلما وكل ما ينتجه المواطن بلغته الأم؛ فهو هراء لا دليل عليه..لا توجد أمة تستطيع أن تتقن لغتين أو لغات في آن واحد على قدم المساواة، وتنتج بهما على حد سواء، إنني أعرف أن في الإمكان تعلم لغات كثيرة، وأعرف أن هنالك أناسا قد تعلموا أكثر من لغة، وأعرف فضيلة هذه المعرفة، وأثرها على النفس والفكر والعاطفة، ولكنني أعلم أن ذلك لا يتيسر إلا لفئة قليلة ممن أعطوا عبقرية تعلم اللغات، ولا يمكن لجميع الذين يدخلون المدارس أن يكونوا في مستواهم. هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى فإن اللغة الأم ّ ليست هي اللغة التي يتكلمها الإنسان في صغره، فليست هنالك وراثة دموية لغوية، ولكنها تلك التي يميل إليها الإنسان ويتقنها وتظهر فيها عبقريته، ولا يمكن أن يقع ذلك لشخص واحد في لغتين أو أكثر في وقت واحد. ويمكن لمن أراد أن يتتبع ملاحظات الفلاسفة والمربين ليتأكد صحة ما قلناه، وليعلم أنه ليس في مستطاع أجيال بأسرها أن تتخذ لغتين في وقت واحد لغة أما.” علال الفاسي “من أجل تفاعل لغوي،” ص: 106-107

[36]() انظر المادة 32 من مشروع القانون الإطار،51.17 ص: 19

[37]() تشير الرؤية الاستراتيجية في دعامتها التاسعة إلى تجديد تعليم اللغة العربية، وفتح شعب للبحث العلمي المتطور باللغة العربية، وتشجيع الترجمة. ل كن ما يلاحظ أن القانون 51/17 الإطار جاء، في كثير من مواده، بعيدا عن المشاريع الطموحة للرؤية الاستراتيجية.

[38]() القانون الإطار رقم 51/17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، ص: 2

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.