منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تعدد الزوجات: القضية ومخرجاتها (1)

0
اشترك في النشرة البريدية

  المقالة الأولى: هل تعدد الزوجات قضية..؟

    عندما نصف موضوع تعدد الزوجات بأنه قضية فإن أوجب الواجبات قبل خوض غماره إثبات كونه قضية أم لا؟ وحسب المعهود في بعض المتصدين لهذا الموضوع فالمنتظر أن يسارع أحدهم ليؤكد أن الموضوع قضية وأي قضية؟ بينما ينغض الآخر رأسه ويقول: مجرد مبالغات مغرضة والموضوع شخصي بامتياز لا داعي للإطالة به، والواقع أن كلا منهما يستبطن حقائق تجعل طرحه وجيها، فالقائل بأن الموضوع قضية وأي قضية يجد مصاديق دعواه في ما يحيط بالموضوع من اهتمام الوحي به أولا، مما أكسبه هالة من التقديس ليس من السهل التفرقة بين ما هو أرضي في الموضوع وما هو سماوي؟ وثانيا: من اهتمام المجتمع به، فسواء تحدثنا عن المنتفعين من وجود التعدد وهم بعض الرجال المتزوجين فعلا، وبعض النساء الأرامل والمطلقات والعوانس ومن يهمه أمر هؤلاء من الرجال، أو تحدثنا عن ضحايا التعدد وهم بعض النساء المتزوجات وبعض الأطفال الذين تعرضوا للإهمال أو التشريد بسبب التعدد..، أو تحدثنا عن اللغة القيمية للمجتمع في الموضوع والتي تتراوح بين القبول والرفض تبعا لتلك الأهواء فإن كل ذلك يجعل التعدد قضية تحتاج أن تثار كأي قضية مجتمعية تحظى باهتمام الجماهير..

   ولكن هذا لا يقلل من أهمية الرأي القائل بأن الموضوع فيه مبالغة، وأن الموضوع شخصي يتعلق بأطرافه وحسب، ذلك أن مناقشة تعدد الزوجات في مجتمع تتعدد فيه العلاقات غير الشرعية ما هو إلا ترف فكري أو تقليد أعمى، فإن من يهمه المجتمع ينبغي أن يركز على أدواءه التي تنخره بأمراض معدية وعادات سيئة وضياع القيم وترهل الهمم، مضافا كل ذلك لما يخشى في تعدد الزوجات من ضياع الأسر وتشريد الأطفال.. كما أن كثيرا ممن يتناول موضوع تعدد الزوجات لا يعنيه من الموضوع إلا مناهضة الدين ومنافسة الخصوم الإسلاميين والتنفيس عن حقد أيديولوجي    دفين، فتكون إثارة الموضوع تنفيسا عن أحقاد أولئك وتشكيكا في مستندات الهوية الإسلامية وتزلفا لمن لا يرضون عنا حتى نتبع ملتهم.

   أما أنا فأقول بأن الأطروحتين كليهما تؤديان بنا إلى ضرورة أن نكتب ما نحن بصدده، لأن حجج الأطروحتين وما لم نذكره من تلك الحجج كل ذلك يدعونا إلى تناول الموضوع بنفس متوازن يستل الحقيقة من بين رفث الأيديولوجية الغربية ودم الجهل الداخلي بالموضوع.. وهذا ما يجعل الموضوع في نظري قضية تستحق الاهتمام، ولن أكذب على المرأة بأنني سأحررها بدحض جواز التعدد والتشنيع على المعددين، وأنا أشاهدها تتقاذفها أسواق النخاسة عند أقدام المترفين في بلدنا وسائر بلدان العالم، فامرأة رابعة في بيت يأويها مهما اشتدت بها الأحوال المالية والعاطفية في علاقتها بزوجها المعدد خير ألف مرة من سيدة تجد كل من حولها لا يرون فيها سوى وسيلة للتنفيس الجنسي وقتل أوقات الفراغ بالعبث الجارح بمستقبل إنسان رمت به الظروف المالية ودعوات الحداثة الكاذبة بين أحضان الذواقين من أشباه الرجال. كما أنني لن أتزلف لذوي الأذواق المختلفة من الرجال لأكون جديرا بتصفيقاتهم، ولكن سأستنطق القضية كما تروج في المجتمع وأقترح مخارج لتلك الترويجات. 

    لكن القضية لا تتوقف أهميتها عند وجاهة الطرح من الطائفتين المذكورتين، فحتى ونحن نضم مخاوف هؤلاء وهؤلاء ومطالبهم لنتستدل على وجاهة القضية فإن سؤالا جديرا بالطرح لم تجب عنه الأطروحتان، والجواب عنه يضمن كثيرا من الموضوعية في تناول القضية، كما يسهم في تسديد الهدف وتجنب هوامش الموضوع، السؤال هو: من صاحب هذه القضية؟ هل النساء؟ أم الرجال؟ أم المجتمع والدولة؟ فالنساء يعنيهن التعدد باعتباره مشكلا وباعتباره حلا لمشكل، وإن كانت الأساليب التي تعرض بها القضية تغطي الاعتبار الأخير، لأن موضوع التعدد مختطف بقوة الإعلام وأصبحت الأصوات المناهضة للتعدد أكثر صخبا، وهي بطبيعة الحال صادفت هوى في نفوس السيدات اللائي أفلحن في ربط علاقات زوجية مستقرة، وخوفهن أن يميل الزوج لزوجة ثانية تقاسمها الأولى معاشها وعواطف زوجها، فالصخب الأيديولوجي وعاطفة السيدات الطبيعية أعطت للموضوع صفة المشكل الذي يؤرق النساء ويجب حله ليرفع الظلم عن المرأة، لكن الاعتبار الآخر لا يقل أهمية فالتعدد لكثير من النساء حل وليس مشكلا، وهذا الطرف أيضا تتعاضد فيه رغبة الرجال وبعض النساء من شرائح خاصة في المجتمع يرين لأنفسهن الحق في الاستمتاع بدفء الزوجية والأمومة عبر التعدد، مضافا إلى ذلك النص الصريح من القرآن الكريم وصريح السنة النبوية وعمل الصحابة ومن بعدهم، وإذا شئنا المقارنة بين المعسكرين الأول: يضم السيدات المتزوجات وأصحاب الأيديولوجيات النسوية المغربة، والثاني يضم الأرامل والمطلقات والعوانس ناهيك عن العاشقات الائي يسعين لختم العشق بقران حلال، وكثيرا من الرجال الذين يستخفون وراء النصوص الشرعية لقضاء شهوة جامحة، فيمكن القول بأن المعسكر الأول أكثر تنظيما وألحن حجة، وليس ذلك إلا لأنه استند إلى أيديولوجية واضحة تعارض كل أنواع التمييز بين الجنسين وإن كان التمييز وظيفيا، ووهنا تكمن المفارقة حيث إن كثيرا من المتحمسين والمتحمسات لمنع التعدد لا يستطيعون بل لا يؤمنون بالمنطلق القائل بضرورة المساواة في ذلك بين الرجال والنساء، ولذلك علقوا بين الشريعة التي تصرح أن ليس الذكر كالأنثى وتحرم الزنى تحريما مغلظا، وبين تلك الأيديولوجيا التي لا تتردد في التصريح بإطلاق سراح الرجال والنساء في أسواق الأجساد، والمعسكر الأول اليوم يزهو بانتصاره على تعدد الزوجات ونشر الحرية الجنسية المنفلتة.. لكنه في غمرة زهوه ذاك لا يأخذ وقتا كافيا لتأمل المسار ونهاياته، ويقدر حسابات المتدينين والمتدينات الذين هم في حاجة لقضاء رغبات مشروعة في نطاق الشريعة الإسلامية، لا يقرأن تمدد الشريحة الاجتماعية التي تقبل التعدد وتسيغه وتلتف على القوانين للوصول إليه شأن كله حاجة اجتماعية يمنعها القانون، لقد كانوا بالأمس يرون الحجر على المرأة غير ممكن ما دام لها عقل تجد به الطريق كالماء من بين كل الحواجز الوهمية البعيدة عن الواقع، واليوم يقترفون الخطأ نفسه حين لا يعتدلون في الطرح ويرون التعدد جريمة وكفى.. وواضح أن التعدد في مجتمعنا عندما كان مفتوحا على مصراعيه كان قضية النساء، لكنه عندما أغلق في معظم الدول الإسلامية أصبح قضية الرجال، لكنه في كل ذلك يبقى قضية مجتمع ودولة، وما لم يجد المجتع حلا يستحضر القضية بعموميتها وتجردها عن التقاليد البالية والأهواء الغربية فإن القضية ستتقاذفها الأهواء هنا وهناك، والقاعدة القرآنية تقول: “ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن” سورة المؤمنون/72. حينما يستطيع المجتمع أن يقرر مصالحه العليا بغض النظر عما يريده بعض النساء أو بعض الرجال، وبغض النظر عما يراه الغرب حداثة وتقدما وما يرونه تخلفا حينها فقط يمكن أن يكون للقضية مخرجا مناسبا.

المزيد من المشاركات
1 من 47

يتبع بإذن الله

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.