منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المولد النبوي مشاهد ومقاصد

0
اشترك في النشرة البريدية

إن العديد من الأخبار نتمنى سماعها، ونشتاق إلى مدارستها، ونتلذذ بمذاكرتها: حتى إذا قضت النفس منها وطرها: أصابها السآمة والملل، إلا حديثا عن المصطفى النبي المجتبى صلى الله عليه وسلم، فلا يزيد سماع أخباره ومدارستها وتكرارها: إلا شدة التعلق به صلى الله عليه وسلم: لأنها سيرة خالدة، سيرة ربانية، سيرة الكمال البشري، سيرة القدوة الكاملة، سيرة موصلة إلى أبواب الجنة الثمانية {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]

هذه السيرة المبجلة: كانت بدايتها: ميلاد المصطفى صلى الله عليه وسلم، ذاك الميلاد الذي كان بداية النور، وبداية تجديد الحياة، وبداية رجوع الإنسانية إلى مسارها.

وُلد الهدى فالكائناتُ ضياءُ
وفم الزمان تبسّمٌ وثناءُ
الروح والملأُ الملائك حولَه
للدين والدنيا له بشراءُ
والعرش يزهو، والحظيرة تزدهي
والمنتهى والسّدرة العصماءُ
وحديقة الفرقان ضاحكة الربا
بالترجمان شَذيّة غنّاءُ
والوحي يقطر سلسلاً من سلسلٍ
واللّوح والقلم البديع رواءُ

إن البداية الصحيحة لتاريخ البشرية المستقيم: إنما أضاءت من ميلاد هذا النبي الكريم، الذي اختاره الله أن يكون خاتم الأنبياء والمرسلين،{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40]

ولهذا: لا يليق بالإنسان المسلم أن لا يعرف: تلكم البداية: المشعة نورا وحياة لميلاد النبي صلى الله عليه وسلم وطفولته الأولى:

ولهذا جاءت هذه الكلمة التي بين يدك لعلها تعيد لنا التعلق الحقيقي بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإن كانت قاصرة على ميلادته، لكنها تريد أن تكون لنا جميعا دفعة نحو المدارسة الفعلية للسيرة النبوية:

وقبل عرض مشهد الولادة يجب أن نقدم بين يديه أربعة أمور:

أولا: نجاة أهل مكة وخاصة البيت الحرام من محاولة أبرهة الأشرم: هدم البيت، وهذه المعجزة التي نجى الله بها بيته، إنما كانت إرهاصا لميلاد حامل لواء النبوة الخاتمة صلى الله عليه وسلم.

ثانيا: نجاة عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم من محاولة عبد المطلب ذبحة وفاء لنذره الذي نذره أيام تجديد حفر بئز زمزم، (إن أعطني الله عشرا من الولد لأذبحن أحدهم) فكان الضحية عبد الله، لولا لطف الله الذي يعلم أن هذا الأب يحمل في صلبه نطفة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ثالثا: تزوج عبد الله بن عبد المطلب بآمنة بنت وهب، وكانت إمرأة عظيمة، طاهرة، شاعرة، وكانت تلقب بزهرة قريش، وكان الزواج موافقا لما أقره الإسلام من الحياة الزوجية.

رابعا: فارق عبد الله الحياة والنبي صلى الله عليه وسلم جنيين في بطن أمه، لم يخرج بعد للحياة، وكانت وفاته في إحدى رحلاته التجارية بيثرب، والتي سوف يصبح اسمها المدينة النبوية بعد جهرة النبي الكريم إليها.

بعد هذه المقدمات الأربع نلج إلى مشاهد الولادة:

المشهد الأول: يقول ابن هشام رحمه الله: إن آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تحدث: أنها أُتيت – يعني في المنام- حين حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، ثم سميه  محمدا، ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى، من أرض الشام.

المشهد الثاني: ولد صلى الله عليه وسلم بشعب بني هاشم، وكانت قابلة أمه الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف، وكانت ولادته عند طلوع الفجر.

المشهد الثالث: قال محمد بن إسحاق: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم الإثنين، عام الفيل، لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، وتحديد اليوم ثابت في صحيح مسلم عن أبي قتادة الأنصاري: أن أعرابيا سأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن صوم يوم الإثنين، فقال: «ذاك اليوم الذي ولدت فيه، وأنزل علي فيه»

المشهد الرابع: قال ابن إسحاق: فلما وضعته أمه صلى الله عليه وسلم، أرسلت إلى جده عبد المطلب: أنه قد ولد لك غلام، فأته فانظر إليه، فأتاه فنظر إليه، وحدثته بما رأت حين حملت به، وما قيل لها فيه، وما أمرت به أن تسميه، فدخل به الكعبة، فقام يدعو الله، ويشكر له ما أعطاه، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها.

المشهد الخامس: ختنه عبد المطلب يوم سابع مولده على عادة العرب، وعق عنه وأقام مأدبة، ويحسن التنبيه هنا أن بعض الكتابات تدعي ولادته صلى الله عليه وسلم مختونا بناء على رواية للعباس لا تصح سندا ومتنا يقول عنها ابن عبد البر: ليس إسناد حديث العباس هذا بالقائم.

هذه جمل من مشاهد ولادته صلى الله عليه وسلم، توقف المسلم على أسبوع ولادة هذه النسمة المباركة، وخروجها إلى النور بإذن الله لتكون هي نورا للبشرية جميعا.

وهذه المشاهد تستوجب علينا جميعا أن نقف معها وقفات تكون مقاصدا لنا في الاطلاع على مشاهد الولادة.

المقصد الأول: الحديث عن المولد النبوي ليس حديثا عن ولادة عظيم من العظماء وإنما هي حديث عن ولادة البشرية المستقيمة، عن ولادة أمة جديدة سوف يكتب الله لها أن تغير مسار التاريخ: وهذا يعني أن الأمة الإسلامية التي يعيش العديد من اتبعها في ذيل البشرية: لن تكون لهم ولادة جديدة إلى إذا عادوا إلى نور الهداية: مشرع الحياة: سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

المقصد الثاني: إن الاحتفال الحقيقي بميلاد المصطفى صلى الله عليه وسلم إنما يكون ببعث سيرته ونشرها بين الناس، وإن يكون يوم ولادته لنا جميعا: بداية جديدة في رجعونا وحث غير على الرجوع إلى بداية الحياة الإنسانية الكاملة.

المقصد الثالث: أن استحضار مشاهد الولادة النبوية: وغيرها من مشاهد السيرة يولد لدى الإنسان شعور بالتعلق مما يولد المحبة ويوجب الفرح والإنشراح عند سماع أو مدارسة هذه المشاهد: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } [يونس: 58]

المقصد الرابع: أن الحديث عن السيرة النبوية وخاصة مشهد الولادة ذي الطابع البشري، يحمي هذه السيرة أن تتسرب إلها الخرفات والأساطير، كما وقع مع للمسيحيين مع نبي الله عيسى عليه السلام، حيث أخرجوه من البشرية والنبوة إلى الربوبة والألوهية المستحق للعبادة… لكن ولله الحمد لم يقع ذلك في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم: وذلك راجع إلى الاحتفاء بهذه السيرة وعدم تغيبها عن الناس.

المقصد الخامس: أن حفظ الوجود البشري لن يكون إلا بالثبات على قانون الزواج في علاقة الرجل مع المرأة، وهو التشريع الوحيد الذي يضمن وجود الإنسان، ويحفظ كرامته، ويحقق بقاءه، ولهذا يجب على عقلاء الناس حماية البشرية من دعوات تنقنين العلاقات غير الشرعية، وكذا حمايتها من الشذوذ الذي يهدد هذا الإنساني على وجه الأرض.

هذه إشارة خاطفة لميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، تروم التذكير، بميلاد نور البشرية ومصباحها، الذي بركة يعيشها المسلم في حياتها فإنما مصدرها: هذا النور الذي حمل لنا ذلك النور مع عند العزيز الغفور سبحانه وتعالى، والذي غير مسار البشرية… وهي أشد ما تكون حاجة إليه اليوم في زمن أظلمت الأرواح، وتاهت الإنسانية عن الطريق: فهي بحاجة إلى هذا النور { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35]

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.