منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التربية في سياق الطواعين؛ إشكالات في أفق فكر فلسفي وشرعي

يونس الخمليشي

اشترك في النشرة البريدية

تنزيل كتاب: “التربية البيئية وسؤالا التنمية والأخلاق

مقدمة:

إن الأخلاق تحضر حتى في أصعب الظروف وأضيق الحالات. إنها الأمر الذي لا ينبغي أن يغيب في أي سياق ما. والطلب عليها يزداد أكثر في نوائب الدهر ولاسيما في زمن الطواعين. وهذا يدل بالصراحة أن الأخلاق تتعالى على مساحة العالم المرئية الضيقة رغم أن الميكروبيولوجيا التي تدرس الخلية والبكتيريا والفيروس تؤكد أن العوالم الذرية هي عوالم طبيعية ذات كائنات خارجية وليست كائنات ذهنية نتخيلها لنبني عليها افتراضات أو حجج لأغراض معرفية أو ميتافيزيقية.

لكن؛ أي إشكالات نستأخذها هنا في سياق الطواعين تدفعنا لقيم وتربية منشودتين؟  

المبحث الأول: إهانةٌ للإنسان، ليس بالبعوضة بل، بما فوقها: دروس وتسجيلات!

المزيد من المشاركات
1 من 10

طرأَ لي أنه يمكن أن يكون تأويل الفيروسات المنتجة للطواعين في دَرْج الآية الآتية في تأويل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا (البقرة: 26)

(١)

ينقل البعوضُ البكتيريا والفيروس على حد سواء. أجّج في تاريخه طواعينَ وأوْباء جحافاً، وساهم في نشرها ونقلها. ربما تُحدَّد ماهيته أثناء انتعاش الطواعين بالكائن الذي يتواصل بالأوباء، ثم تتغير ماهيته حين ارتفاعها.

إن الفيروس Virus بالنسبة إلى البعوضة أصغر مما بالنسبة إلى الإنسان مع البعوضة. (انظر الشكل 1)

أعني أن التفكير القديمَ الذي كان يقدس عظمة الكم من كثرة المال وضخامة عدد الجيش وكثرة عصبة القبيلة وسعة الأبدان عضلاتٍ وأجساداً؛ لم يكُ لتَلفتَ نظرَه بعوضةٌ في عظمتها، لخلوها من موجبات التعظيم المنحسِرة في وسائل الكم.

نفى الله الاستحياءَ عن نفسه في أن يضرب المثلَ ببعوضة تبدو ضعيفة الكمِّ في خِلقتها أو حتى بما هو فوقها في الضعف. ولنأخذ الفيروس الذي هو فوقها كماً وكيفاً مثالاً.

لكن، أين اتسقت أسس هذا التفكير؟

كان المنطق الأرسطي يقسم موضوعاته قسمين؛ ما كان بسيطاً أوْكل إليه النظرَ التجريدي استئناساً؛ إذ العلم هو في المركب الذي هو القسم الثاني. فالمعرفة تنمو إذا (ما) ركبتْ. ويشترَط في هذا التركيب أن يركَّب وفق قوانين بحيث تكون موضوعاتُه ذاتُ حد صحيح لتودَع لها محمولات، فيسمى المركبُ قضيةً. ويشترط لها التواطؤ مع أحكام التناقض والعكوس المضبوطة بها حتى تصلح لأن تودع في أشكال تنتمي لقياسات تكون منتجةً بشروطها.

هذا المركب الذهني هو العلم، فبقدر تركيبه بقدر ظفَره بمسمى العلم الأصيل. ولذا؛ عُني العلمُ بتركيب مواد الجزئيات في بناءات منطقية مركبة وصور حجاجية معقدة وأنماط مفاهيمية تضم لباً مشتركاً مجرداً من عدة جزئيات كاثرة، وقواعد وقوانين مركبة استشفافاً من فروع متنوعة،،وهكذا.

إن الصدق المنطقي هو أن “الأذهان تطابق الأعيان”، والكذب هو “عدم المطابقة بينهما”. ومما يعنيه هذا؛ أن الكائنات العيانية المركبة هي متجذّرة في الوجود من البسيطة، وهي الأوفى لمفهوم الكينونة من البسيطة.

لنصغ العبارة في شكل مقصدي (إسلامي):

لو افترضنا وجود كائنين، أحدهما بسيط والثاني مركب، ووجب ترجيح أحدهما على الآخر لمقصد ما. إنه وبحسب الاعتبار الآنف الذكر وجب تقديم المركب على البسيط:

1- لأن المركب فيه بُسطاء كثر، فوجب تقديم الكم الكثير على الكم القليل، إذ الاعتبار في النظر القديم يستصحب الغلبة الكمية، وهذا ترجيح رياضي.

2-لأن المركب أرسخ في الوجود من البسيط، وهذا ترجيح أنطولوجي.

3-لأن المركب أفضل من البسيط، حيث المعرفة مركبةً راجحة في الأصل على المعرفة البسيطة (لذا، كان الترجيح قديماً بين العلماء للحفاظ والذين يجمعون ويستحضرون أكبر كم من الفوائد والمعلومات)، وهذا ترجيح قيمي.

مع الفيروس، يختل هذا الميزان. إنه كائن بسيط جداً، يحوي أقل التركيب الممكن وهو كونه من DNA أو RNA مغلفة بالبروتين. هذا كل شيء فيه. وبرغم هذه البساطة؛ لهو مجهول تماماً في علم الإنسان.  فبمستوى بساطته؛ بمستوى غياب ماهيته عنا. فلا نعلم طبيعة هذه الكائنات التي نسميها فيروسات. نعم، فيزيائياً هي DNA أو RNA مغلفة بالروتين؛ لكن ما هي ماهيتها الوجودية؛ أهي آليات كيميائية كما تقول تيارت علمية؟ أم كائنات حية كما تقول دراسات فيزيائية نيوتونية، أم هي كائنات حية ولا حية في الآن ذاته كما تقول دراسات تتدَرَّع بالفيزياء الكوانطية؟.

إن تأويل هذا فلسفياً يعني اختلال تطابق الأذهان للأعيان بساطةً وتركيباً المعبر عنها منطقياً: “يلزم من بساطة تصور كائن ما في الذهن أنه بسيط في عِيانه، ويلزم من تركيبه ذهناً تركيبه خارجاً كذلك”.

إذن؛ فشل المنطق الكلاسيكي في الحفاظ على انسجامه مع (لا أسميه ظاهرةً لأنه لا يظهر) ما نطلق عليه الفيروس.

(٢)

لنأخذ الآن نموذجاً آخر للتأويل. ولنفكر فيه وفق منطق الغموض the Logic Of Vagueness فيقال:

1-إن الشيء الذي لم نقدر على تحديد ماهيته أو تحديد مدى حدوده يصح أن نطلق عليه الغامض. لكن هذا النوع من الغموض لهو غامض ليس بتعقيده أو تركيبه الشديد الدقة؛ بل لشدة بساطته هو غامض. إذ؛ شدة الوضوح تغلق، والواضج جداً لهو غامض جداً.

إذن؛ إما أن نكون أغبياء لعجزنا عن إدراك ماهية بسيط أو هو غبي. لنأخذ بالافتراض الثاني والأول معاً، وليكن مسوغ هذا الوصف إليه، لأنه بسيط لم يكشف عن نفسه رغم أنْ قد توفرت له أدوات التعريف بنفسه وهي البساطة في منتهاها. ومسوغ هذا الوصف إلينا، لأننا نجل العظيمَ الكَمِّ، كما وبخ الله غباء الأناسي الذين استهزؤوا من تمثيل الله بالبعوضة أو بما فوقها لأنها عديمة الكم الموجب للاحترام.

2-إذن؛ لنعد ونَقُلْ هذا النوع من الغموض يتصف بالغباء، وهذا هو الحكم المنطقي العام على الغموض، فالحدود الغامضة بين العلوم لا تعطى لها أهمية، والوضوح هو وسيلة الانسجام Consistency. ومن شدة غموضه أن كسرَ المنهجَ الديكارتي الذي سطرَ في تأملاته أن الوضوح والبساطة يسيران معاً، وهما منهجه (الجديد) في التفكير. لكنهما (ياديكارت؟) لم يسيرا معاً في الفيروسات.

3-يشي غموض الفيروس بالتناقض الذي يكشفه في ذاته، فهو:

أ- كائن حي ولا حي في الآن ذاته.

ب-ذكي وغبي؛ ذكي حيث يفتك بأجساد بشرية متطورة جداً (في تركيبها ومناعتها..) ويعصف بالعقول التي عجزت له لقاحاً لدرئه أو دواءً للاستشفاء منه. وغبي حيث بساطته وغموضه وهجومه الأعمى على أي كائن دون تمييز كأنه ذو عصابة على عينيه لا يخاف عقباها.

وفي آثاره:

ج-لاحظْ، كيف غيرَ حياتنا نحن البشرَ. إذ كنا عاملين كلنا، فصارت طبقة واحدة من الأطباء تعمل وحدها وانكب كل العمل عليها، وتفرغنا للانعزال في البيت بقيتنا دون عمل أو وظيفة (قد يشتغل امرؤ في بيته؛ لكنه في القاعدة المهنية عطال). فلما كان العمل موزعاً على الجميع؛ بات العمل خاصاً بأطباءَ فقط.

د-كنا ننتظر غزواً فضائياً من خارج المجرة كم كائن منغمس في الخروج عن كوكبنا ومجرتنا، ففاجأنا أو فجاءنا غزو داخلي من تحت الذرة منغمس متقعقر في الدخول في عالمنا ومجرتنا وحياتنا.

هـ- توصف الكائنات الفضائية التي كنا نتوقع بهجومها علينا أن تكون ذكية جداً، فهوجمنا بكائن غبي جداً.

و-لغوياً يشي اسم الفيروس إذا وبَأَ فصار وباءً بأن يطلق عليه لفظ الوباء. هذا الوباء يشي بالعموم، كما تقول العرب: “وبأ الرجل” إذا تزوج أي تكاثر إذ كان واحداً فصار اثنين، وبعد الاثنين أطفال كاثرة في العادة. إنه قد قدِر على “الباءة” المنصوص عليها حديثاً شريفاً.

هذا العموم قد يكون حسناً جداً أو قبيحاً جداً. فالطاعون إذا وبأَ عم فساده واستحر القتلَ. بينما ألفاظ الوباء في النقيض تفيد الحسن جداً حيث أفضل المنازل هي المباوئ حيث النزول الجميل والاستيطان الحسن، قال تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (الحج: 26) وقال تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (الأعراف: 74). ومن جذر (و ب ء) لغوياً النبوة والنبي. ومعلوم كل العلم ما في الخير العميم وراءها.

(٣)

تسجيلان أخيران:

التسجيل الأول في القيمة البلاغية:

كان غرض المستهزئين بالله من الذين استَفْكَهوا ضربَ الله المثل بالبعوضة هو الإهانة، فأهانهم الله وأخزى عقولهم. وهذا نوع من المشاكلة البلاغية مثل “ويمكرون ويمكر الله”, و”يخادعون الله وهو خادعون”..؛ إلا أنها ليست مشاكلةً في السياق المتصل بين الكلمات والجمل الواحدة؛ بل هي مشاكلة ضاربة في التمدد والجمل العديدة. ولا يوجد اسم لها في باب البديع بلاغياً، لكني أسميها بـ”المشاكلة التأويلية” لما فيها من سعة انتشار المشاكَلات وتوسُّع آفاق النظر فيها بشكل غير ظاهر لغةً.

التسجيل الأخير في القيمة الأخلاقية:

إن قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا (البقرة: 26) لهو درس ثمين جداً في التواضع، حيث رب العزة يأخر العباد بأن يتواضعوا تواضعاً مستَشفاً من كونهم أغبى وأعجز من أن ينالوا مما هو فوق البعوضة التي احتقروها واستصغروا خلقتها وشأنها. ولا أبلغ الآن من صنيع فيروس كورونا الذي أعجز الغرب والشرق معاً في حصره أو غَلْبه أو إدراك ماهيته. رغم أنه باد منتشر ليس خفياً يتخفى حتى نقول قد خنس. فكورونا عم شروط الوباء كلها وهي أنه يضرب من حيث لا يحتسب الإنسان، إذ كل الطواعين لا تأتيكم إلا غفلةً ولا تنهش إلا بغتةً وتوبئ تبوئةً، فلو علم مَبْوَؤها لهرع الناس عنها. وفيها شرط العموم كذلك من حيث عدم القدرة على الحصر. فلنتعلم منه التواضع، أي هو دليل على اشتباك آخر بين العلم والأخلاق الذي يجب أن نقيمه في عالمنا بدل تكريس العلم لأخلاق الهدم بالأسلحة المركبة بالعلم والقتل بالأدوات الصناعية بالعلم والحروب بالهجمات البيولوجية. لكن يجب أن نوسع هذه الأبعاد القيمية والأخلاقية إلى أكثر من هذا التقرير بما يثير إشكالات أخرى فنقول:

المبحث الثاني: التربية في سياق انتشار الطواعين؛ أي الأخلاق هنالك؟

لا ينبغي أن نجعل شيئاً ما مهما عتت حجته كالعلم مثلاً أن يمنعنا من ممارسة ما تقتضيه طبيعتنا أو يدفعنا لإلغائها. لكن انتشار الوباء العُقام الذي لا لقاح يدرؤه أو دواء يشفيه يفرض حلولاً من مستوى آخر. ذلك أن العلاجات الطبية تتحير في معالجة الطواعين؛ فينتقل الذهن البشري إلى مستويات أخرى، وتتمثل في الحلول الاجتماعية بما لها من ترتُّبات أخلاقية وقانونية. هذا المستوى الاجتماعي يتشخص فيما يعرف بـ”الحجر الصحي”.  فهذا المفهوم غرضه طبي وهو الوقاية من الطاعون، وظاهره اجتماعي لما فيه من فرض قيود على حركة المجتمع برمته، وأساسه الفلسفي يتمثل في أن الغريزة الإنسانية حينما يعجز المرء فرداً أن يناطح شيئاً يستعين بالجماعة أو العصبة أو القبيلة أو الدولة أو الطائفة أو الحزب أو غير ذلك بحسب اختلاف سياق الزمان والمكان الذي يعيش فيه. وهنا يحاول أن ينقل التحدي من حالة فردية إلى حالة جماعية.

وهذا يشير إلى أمرين:

الأمر الأول: نقل القوة المواجِهة إلى مستوى آخر تتمثل في جماعة بدل فرد، وهنا تأتي حلول الجماعة على مستويين:

١-الحجر الصحي الجماعي والتباعد الاجتماعي ومنع الاختلاط البشري للوقاية من الطاعون.

٢-أو -في أسوأ الأحول- مواجهة الطاعون، وتفَعَّل هذه الحالة في مرحلة تفشي المرض وخروجه عن السيطرة. وقد كان القدماء يواجهون الطواعين بأجسامهم حتى يتغلبوا عليها. وتحاول الدولة البريطانية تبني هذا التكتيك الآن لمواجهة فيروس كورونا ٢٠٢٠م. تقوم الدولة المطعونة بإدخال المرضى (بأمراض مزمنة أخرى…ممن أنهكت مناعتهم الذاتية في مواجهة أسقامهم) وكبار السن إلى حُجُور صحية أو ملاجئ، وتجعل الشباب والشابات يواجهون الوباء بأبدانهم، بالخروج إليه في الشوارع والمدارس والمعامل..؛ فإذا ما تغلبوا عليه بتناقل المناعة ببعضهم بعضاً؛ فإنه سيصير عدوى طبيعية غير مؤثرة، وبذلك ننجوا بتكتل الجماعة الشابة وتبادل مناعتها.

الأمر الثاني: إحداث اطمئنان ميتافيزيقي (نيل اطمئنان ميتافيزيقي أندر المشاعر؟) بأن الفناء العام بالطاعون للبشرية يوحي بنهاية للعالم، وهذا يعني فقدان الفرد للجراءة أن يموت وحيداً.

وهكذا؛ يكون الحجر الصحي حين الطواعين منذراً بتربية أخرى. أعني أننا في الحجر الصحي نتربى ونعيش شأناً مختلفاً، يدعونا لتغيير عاداتنا. كانت عاداتنا تمتثل لنظام غذائي مرتَّب، ووقت عمل مضبوط، وعطل مصفوفة، وأشغال نشغلها وأمكنة نزورها وفق نظام العادة الذي نشغله. صارنا الآن متغيرين. إن هذا الوباء أكد للإنسان ضرورة العودة لأصله المتجسد في التغير المستمر. والذين يتهافتون لشراء أشياء في وقت الحجر الصحي يصرون على المكوث على عاداتهم القديمة، ينازعون التغيير ويحاربونه.

يفتح لنا الوباء إشكالات كثيرة (وطيها إشكالات موبوءة بذاتها) لا تولد في زمن الرخاء. هذه الإشكالات يمكن تفييئها وفق الآتي:

١-إشكالات أخلاقية، ويمكن صياغتها في صيغ من قبيل “إذا كانت الإمكانات الطبية تلزم علاج أحد الشخصين الموبوءين؛ فهل يجوز تقديم المريض الشاب بالعلاج على المسن؟”

٢-إشكالات قيمية، ويمكن صياغتها في أشكال من قبيل: “هل الحجر الصحي مناهض للحرية. ما نوع الحرية وفضاءاتها وآفاقها في زمن الأوبئة؟”. أعني أن كل تنظيراتها للحرية طوال تاريخها كانت تنظيرات تنظر في زمن يخلو من الوباء، في زمن الصحة، في زمن القاعدة. إن الحرية ذات طليعة مغايرة في سياق الأوبئة، يجب أن تفسر فيها طي سياقه ذاك، ولا تدل مداليل ذات معنىً إلا في هذه الأسيقة.

٣-إشكالات عاطفية، ويمكن صياغته في أشكال من قبيل: “هل الخوف يصير ملحاً إلحاح الوجوب في زمن الأوبئة، ويكون ذا ماهية مختلفة عما هو عنه في زمن الحروب؟”. ومشروعية هذا الإشكال تستمد من أن كل عاطفة مختلفة عن نفسها في سياق مختلف. فالخوف في الحرب ليس هو الخوف في الأوبئة. وهذا ما تومئ إليه لذا أسباب تفريق العرب بين أصناف تخص الخوف بمقامات لغوية مختلفة، ويميز القرآن الكريم بين مقامات الجزع والحذر والخشية والخوف والرعب والرهبة والرَّوْع والفرَق والفزع والهلع والوجف والوجل.

٤-إشكالات شرعية، تتمثل بالدرجة الأولى في إلغاء إقامة المساجد بما يشي بإشكال من قبيل: “هل تكون المساجد -في أسيقة ما- عاملةً ضد البيئة الطبيعية؟” مع كونها في عرف المسلمين الحقيقي جوامع تامة، جامعة للصلاة والذكر والقرآن، جامعة للقضاء والشورى، جامعة لممارسة مختلف التأويلات السياسية والاجتماعية، جامعة للجماعة والوحدة، جامعة للترفيه والاستراحة والتنزه، إنها مخلص الوجود.

إن الضرورة التي اشتقها الفقهاء من آيات {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(البقرة: 173) التي يعلل بها الفقهاء المقصديون في جواز تعطيل المساجد تعنينا هنا بشيء فعال. ذلك أن الضرورة هي انتقال إلى شيء لم يك ممكناً شرعاً في وقت الرخاء لتجنب حدث أخطر. فالذي يراد تجنبه هو أخطر من الذي نجترحه، فالحرام الذي نفعله ضرورةً هو للهروب من أمر هو أشد حرمةً. وهذا يعني أن الضرورة هي اطمئنان لحدث بفعله لإدراكنا بحدوده وأفق أضراره وشساعة أخطاره، أي الركون مؤقتاً لفعل بجعله قد تمَّ وأنجز لتجنب حدث لم يكتمل بعد، لحدث لا نريد أن يُنجز لعدم دركنا لمدى أضراره وشأو أخطاره، لجهلنا بآفاقه وحدودها.

فهنا نسطر قاعدةً وفق الصيغة الآتية: نميل للفاسد المعلومة حدود ضرره تجنباً للفاسد المجهول لجهلنا بحدود فساده.

تسريغ هذه القاعدة ميتافيزيقياً:

إن الأمر الذي أنجز واكتمل قد انتهى، لأن “لكل شيء إذا ما تم نقصان” بمعنى أنه صار ثابتاً يمكن علاجه وتجاوزه، بينما المجهول كمه وكيفه يظل في إطار الحركية التي تغذيه بالاستمرار والتشعب والانتشار، وهذا يعني عدم اكتمال ماهيته وعدم تسيجه بعد بالمانعية الجانعية التي تعني إمكان الإدراك والتصور.

وفخيم القول: في زمن الأوبئة، نعيش لحظةً مؤقتة، نريد ألا تأخذنا معها، نظل متشبثين بالحياة لأطول وقت ممكن عسى أن يرتفع الوباء فتعود الحياة إلى قاعدتها وسابق عهدها. وما يحصل في زمنها هو متغير لأنها لحظة عابرة ومتغيرة جاءت لتنتهي، ونريد أن تنتهي بألا تنهي معها أحداً أو تنهي أقل عدد ممكن، وتسبب أقل تغيير ممكن. هنا تعيش المفاهيم الظروف نفسها التي يعيشها الناس. فتكون متغيرةً عجولةً، فتجد الحرية متنقلةً والمصالح والمفاسد مختلطةً. ولاحظ نصوص الفتن النبوية وما تبعثه من اختلاط الأمور حتى على أولي الأحلام وأصحاب النهى مع ضبابية المشاهد وفقدان البوصلة للرؤية السديدة وضيق البصيرة، وإذا ما ارتفع هيجان الفتن عاد النور لينقشع من جديد. لذا، فالمفاهيم تكون حركيةً، هنا تضعف الحجج وتغيب الأدلة. وضعفها يمنع الترجيح غالباً، فأيٌّ نقدم في العلاج؛ شاب أو شيخ مريضان؟ سواء أخذنا التقديم نفعياً فقدمنا الشاب أو ديونطولوجياً Deontology فقدمنا الشيخ الذي يكاد يموت مقارنةً بالشاب الذي ما زال المرض لم يفتك به بعد إذ النفوس متساوية القيمة؛ فإن أي تقديم لا يحظى، ولن يكون، بححج كافية. ليس إلا لأن الحجج متنقلة سريعة الذوبان عند وضعها في حيز جهة ما وجرها في سياقات محددة.

يسمي العرب المريض الذي لا يرجى برؤه ولا تدرى حاله بالحَرِض أو المُحْرِض، أي المريض الذي لا حي فيرجى ولا ميت فينسى[1]. وتصير حالة الحرض ذائعةً عندما تسيح الأوبئة عقاماً لا دواء لها. لكن العربية تميز بين المريض من الإنسان بالطاعون عن المريض من الحيوان أو النبات. فالغُدَّة مثلاً في البعير كالطاعون في الإنسان (فقه اللغة، ص: 54)، فلكل اسم خاص مما يعني أن اختلاف الأسماء لدليل على اختلاف المسميات. وفي التراث الإسلامي كانت علوم البحث في الجسم المحسوس عشرة وهي: “علم الطب وعلم البيطرة وعلم البيزرة وعلم الفراسة وعلم تعبير الرؤيا وعلم أحكام النجوم….”[2] فالحيوان ليس له اتصال طبي بالإنسان عموماً، فذلك شأن الطب وذا شأن البيطرة، وذاك شأن البيرزة. فدلالة المرض في الحيوان والحشرات والنباتات تختلف عما هي في الإنسان. وهذا يثوي طيه في تأويل هذا التصور أن المرض مفهوم خاص بالإنسان، في الآن الذي هو عام من حيث أي مرض كان بأي إنسان أمكن لأخيه الانسان الآخر أن يمرض به. ويمكن تفسير هذا بالفيروسات المعدية التي تنتقل بين الأناسي. فهو ظاهرة بشرية بامتياز. ولا يجدر بنا أن نقول إن الحيوان كثيراً ما يكون موضوعاً لتجارب الأدوية من جهة، ومن جهة أخرى يعدي الإنسانَ، فوجب أن نرفع التفريق الميتافيزيقي، وما ترتب عنه في المجالات الأخلاقية بالخصوص، والقانونية والطبية، بيننا والحيوان. لأن هذا يوجب فصلاً أكثر مما يوجب وصلاً، وذلك لأن مرضنا مختلف عن مرضها، فالنباتات بدورها تعدي، فأكل امرؤ لنبات مسموم أدى به لحتفه لدليل على إعدائه، فهناك انتقال، لكن هذا لا يفتح القول بضرورة وصل أخلاقي بين الإنسان والنبات. فقيمة عليا تحدد تكافؤ الحيوان للإنسان لا تشتق من العدوى في سياق الطواعين.

بعد هذا، لنتحدث عن الطاعون في الإنسان تربيةً:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا عدوى ولا صفر ولا هامة، وفر من المجذوم فرارك من الأسد”.[3]

يمثل هذا الحديث التناقض في أقصى مجالاته حسب ظاهره. لكن الشطر الأول من هذا الحديث الشريف يمثل فكرة أن الجسد عنصر خاص، يمثل صاحبه ماهية طبية مستقلة عن ماهيات الأجساد الأخرى. فكل في جزيرة جسده المعزولة عن جزر الآخرين وهو فيها أي في أجسادهم يتفكهون. وهنا لا ضرورة للانعزال عن المريض لأن كل جسم لهو مستقل عن غيره، فلكل هويته الخاصة بدون أي انتقال فعلي أو ممكن. وهنا يكون نظرنا لعوالم الأجساد من خلال مناظير ما فوق نسمات الهواء. هنا نصنف أنفسنا على أننا كائنات مغلقة.

بينما شطر الحديث الثاني: “فر من المجذوم فرارك من الأسد” تمثل واحدية الماهية في الجسد البشري، حيث كل ينتمي لكل. إننا في بدن واحد يسوءه ما يسوء الكل لكننا موزعين في أجساد متفرقة. فوجب أن نمنع الاختلاط ونقيم الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي،،،لأن الاستقلال يستوجب الحماية. فهنا تبرز قيم أخلاقية من قبيل وجوب الانعزال عن المريض وإقامة طوارئ صحية. وهنا يكون تفسيرنا للحديث مستنبطاً من النظر إلى عوالم الأجساد من نظر الفيروسات حيث الانتقال بينها داخل الأجساد يتم بدون إذنٍ. فنصنف أنفسنا على أننا كائنات شفافة، بدون أبواب أمام بعضنا. لكن هذا يثير إشكالاً يمكن صياغته في “هل هذا الذي تقدم آنفاً يحيل إلى ضرورة تعريف أنفسنا كذلك أخلاقياً وثقافياً، أي هل يعلمنا الفيروس أنه لا يجب أن نغلق ثقافتنا على بعضنا أو نميز بعضنا أخلاقياً أو عرقياً أو إثنياً لضمان اطراد شفافيتنا لبعضنا كما الفيروسات تحافظ على هذا الانتقال (الذي نعرفه كانتقال معدي سيء) بيننا بدون تمييز على أساس عرقي أو أخلاقي أو إثني أو ثقافي أو جغرافي؟”.

خاتمة:

إن الكون يدور على الإنسان، لأنه هو الوحيد الممتلك لرؤية إلى العالم Worldview، فربما تنقرض أنواع شتى من الحيوانات أو النباتات، لكن هذا لا يدل على وجود علة أصابت الكون لأن التشخيص العلمي للكون يظل متصفاً بالصحة والعافية. ذلك لأن البراديغم الصحي الذي نحكم به على صحة الكون من علته هو صحة الإنسان. فإذا كان يتمتع بعافيته؛ فلدليل على استقرار الحالة الصحية للكون كله. وإذا ما هددت الفيروسات التواجد الصحي للإنسان؛ فهذا يعني أنها تهدد سلامة الكون الصحيةَ برمته. أي أنه مهما قيل من أن أصل الحيلة استؤنفت بالفيروسات؛ فإن هذا البراديغم الذي يتمعير بالإنسان يؤكد بطرق مختلفة أن الإنسان لم يك قط فيروساً فتطور إلى أن صار بشراً سوياً.

[1] الثعالبي، أبو منصور. فقه اللغة وأسرار العربية، تح: ياسين الأيوبي، المكتبة العصرية، بيروت-صيدا، د.ت. ط.  (2007)، ص: 166.

[2] التهانوي، محمد علي. موسوعة كشاف مصطلحات الفنون والعلوم، تقديم وإشراف ومراجعة: رفيق العجم، تح: علي دحروج، نقل النص الفارسي إلى العربية: عبد الله الخالدي، الترجمة الأجنبية: جورج زيناتي، سلسلة موسوعات المصطلحات العربية والإسلامية، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، ط1، (1996)، ص: 1/55.

[3] البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار ابن كثير، دمشق،  ط1, 2002. كتاب الطب، باب الجذام. ص: 7\31.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.