منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نحو ميثاق إسلامي جامع

د. عبد الباسط المستعين

0
اشترك في النشرة البريدية

نشر هذا المقال بمجلة منار الهدى العدد الثاني

قراءة وتنزيل المقال pdf

تقديم:

في خضم واقعنا السياسي المحموم، وفي ظل تنافس الفرقاء السياسيين واختلاف المرجعيات والتصورات التي يستند إليها كل طرف أثناء ممارسته السياسية، وفي وقت تتفاقم فيه المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية باستمرار يبقى التنبؤ بمصير البلاد غامضا، والنظر إلى مستقبلها مضببا ما لم تتخذ تدابير عاجلة لإنقاذ مسار الوحدة الذي تتجه إليه على كل المستويات.

إن ظروف الصراع والتطاحن وأساليب التزييف والتزوير ومركزية سياسة الترويض والعصا الغليظة كل ذلك من شأنه أن يعرض البلاد لأوخم العواقب وأفظع النتائج، ومن ثم يصبح مستقبل الأمة في مهب الريح وتظهر احتمالات وقوع الفتنة التي تأتي على الأخضر واليابس وتطال الجاني والبريء.

إن هذه الملامح تدعو العقلاء إلى التفكير بشكل جدي في هذا المصير الجماعي، والبحث في وسائل تلافي المآل المجهول. ويبقى الإمساك بالمفتاح السياسي من بين أهم الإجراءات الكفيلة بحسم هذا الموقف.

المزيد من المشاركات
1 من 27

إن تفاقم الأزمات المتصاعد، وعدم قدرة أنظمة الاستبداد على درء عاقبة الانهيار، إن لم يسبقه تهييء ميثاق جامع للجهود ومؤطر للاختلافات والرؤى والتوجهات السياسية قد يفضي إلى طوفان لا يعلم مداه إلا الله تعالى.

وفي هذه المعادلة تطفو على السطح علاقة الإسلاميين ببقية الأحزاب، وسواء كان هاجس التوجس بينها يعود إلى عدوانية أحدهم أم إلى التناقض في طبيعة المشاريع والتصورات، فإن كل ذلك يدعو إلى مراجعة موقف القطيعة الذي يحكم هذه العلاقة. فمجالات التواصل بين الأحزاب والحركات الإسلامية محدودة، مما ينمي دواعي التربص والحذر المتبادل، ويضخم الحواجز الوهمية، فضلا عن الفعلية والحقيقية. ولا حل ثمة غير الجلوس على مائدة الحوار وتمهيد السبل من أجل إقرار ـ على الأقل ـ المصالح المشتركة.

إن فكرة الالتقاء على أرضية ميثاق جامع ليست موقفا للمزايدة الكلامية أو السياسية، وإنما هي واجب ومسؤولية أمام الله عز وجل وأمام الأمة وأمام التاريخ، بل هي دعوة صادقة لإنقاذ هذه الأمة من الانتكاسات التي تعيشها في دينها ودنياها ومن الكوارث التي قد تعصف بما بقي من قواها.

 I.         الميثاق: المفهوم والدلالات

جاء في المعنى اللغوي للميثاق أنه من “المواثقة” و”المعاهدة”، ومنه الموثق، والجمع: “مواثيق ومواثق ومياثق” والميثاق: “العهد… وهو في الأصل حبل أو قيد يشد به الأسير والدابة”[i]. و”استوثقت منه” أي أخذت منه الوثيقة، وأخذ الأمر بالأوثق أي “الأشد الأحكم”[ii]. ونستشف من كل هذه المعاني صيغ التعاهد والمواثقة.

ويمكن اعتبار الميثاق المأمول نداء إلى “الكلمة السواء” ودعوة إلى عقد يجمع شتات الأمة وينهضها من كبوتها، هذا العهد يكون في صيغة وثيقة تتعاهد بشأنها مختلف المكونات على مرأى من الناس الذين يكون رأيهم فيصلا وحاسما في المصادقة أو الرفض ومن ثم فإن التوصل إلى مثل هذا الميثاق سيكون بمثابة إنجاز سياسي ومنعطف تاريخي يحمل أكثر من مغزى ودلالة، يمكن أن نشير إلى بعضها كالآتي:

ـ سيعد مؤشرا على نضج المكونات السياسية.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

ـ طفرة على مستوى نقد الذات ويقظة في مراجعة كل الأطراف لبرامجها وتصوراتها على محك واقع معقد، وتعبيرا على قناعة بالعجز عن حل أزمات البلاد في غياب تضافر جهود كافة المكونات الفاعلة.

ـ قدرة على تحطيم الحواجز النفسية والذاتية وتمهيد العقبات الموضوعية التي تسهم في عرقلة مسار الالتئام.

ـ اكتساب الجرأة والشجاعة في اتخاذ قرارات أكثر نفعا وجدوى.

ـ دليلا على استحضار المصلحة العليا للبلاد وترجيح المصلحة العامة على كل الاعتبارات الحزبية والذاتية.

ـ حكمة في تجنيب البلاد كارثة المواجهة الداخلية وتفريق الجهود والصراع الدامي المرير على السلطة والمصالح.

ـ القدرة على مسايرة أفق التوحد وتنظيم الخلاف الذي تسير في اتجاهه البلدان الغربية وتفويت الفرصة على أعداء الأمة في التفرج على صراعاتها الداخلية واختلاف الفرقة والصراع بين أطرافها.

ـ استيعاب المستقبل والقدرة على التأثير فيه والمساهمة في صنع الأحداث عبر النجاح في تدبير أزمات الحاضر.

وبشكل عام، فإن التفكير في الميثاق يقتضي وجود طرفين فأكثر تدعوهما المصالح المشتركة إلى التعاقد على أرضية بنود واضحة لتأطير الالتقاء على الأصول الجامعة وسبل تجسيدها، وحدود الخلاف وآليات تدبيره.

II.         لماذا الميثاق؟

حينما نتحدث عن الميثاق، فإننا نتكلم عن اختيار ومسار، عن عقد مسؤول وملزم لمن صادق عليه. وبذلك يكون الميثاق على أرضية الإسلام باعتباره محط إجماع الأمة، ليس فقط في هذه الآونة وإنما أيضا على مر العصور وباختلاف الأجناس، هو البديل الجدير بلمّ التناقضات التي يحبل بها المجتمع المغربي.

ونعتقد أن أطروحة الكتلة التاريخية أو الديمقراطية ليست كفيلة بجمع كافة مكونات المجتمع المغربي أو الأمة الإسلامية، فـ “الديمقراطية الغربية” والتصورات أو المرجعيات المستوردة ظهر عوارها وعجزت عن الاستجابة لمطامح الشعوب، وعجزت الدول التي انبنت أركانها على هذه الأسس، عن توفير شروط الإقلاع والنماء فضلا عن تجسيد مطامح الناس وتحقيق الوعود الخلابة والنظريات الجذابة التي هللت لها.

واستبشارا بوعد الله تعالى لعباده بالتمكين وموعود رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم لأمته بالخلافة الثانية على منهاج النبوة، وتيمنا بخير الصحوة الإسلامية المباركة وانتشارها في جميع الأقطار والبقاع، ونظرا منا إلى مستقبل الأمة بيقين تام في نصر الله تعالى وبلوغ هذا الأمر ما بلغت الشمس، نقوم في هذا المجتمع بأعباء الدعوة والجهاد ونتهيأ لهذا المستقبل. لكن ما السبيل إلى تحصيل هذا الانتقال وبلوغ هذه البشارة مع تجنب طوفان جارف؟ ما السبيل لتجنب بلاء هذا الطوفان وحقن الدماء، استثمارا للجهود واحتواء للفتن المحتملة؟

تيمُّنا بالتوجيه الرباني لرسوله صلى الله عليه وسلم بدعوة أهل الكتاب إلى كلمة سواء على رأس أهداف أي ميثاق مرتقب. هذه الأهداف يمكن أن نجملها في العناصر التالية:

1.     الاجتماع على “الكلمة السواء”:

“الكلمة السواء” بمعناها القرآني دعوة إلى عبادة الله وحده دون شريك ودعوة الأهل والأولاد إلى هذا الأمر. وبمعنى آخر هي دعوة إلى الاجتماع على مائدة الإسلام ومائدة العدنان، دون لف أو دوران، هذا الاجتماع لا أساس فيه للتفاضل بين الناس في عرقهم أو جنسهم أو لغتهم أو أبشارهم سوى بالتقوى والعمل الصالح، ولا مجال ثمة للنفوذ السياسي أو الاقتصادي أو العائلي.

2.     إحباط سياسية التفرقة ومد جسور التواصل المسؤول:

إن الاجتماع حول ميثاق جامع معناه الصدق مع الشعب والتخلي عن المساومة البغيضة بمصيره ومآله ومعناه كذلك إحباط لسياسة الجبر المخزنية في تفريخ القوى السياسية واصطناعها إمعانا في تمزيق الأمة والرقص على جراحها، وتسهيلا لعملية الانفراد بأي طرف منها ما دامت آليات هذا التقسيم تستفحل بتعدد المصالح واختلاف المطامح وتباين الأفكار والبرامج. إنها لعبة يمسك بزمامها حكام الجبر ويوظفونها بدهاء ضمانا لاستمرار سيادتهم. وتصدق هذه المعاملة على لعبة التوازن السياسي بين الإسلاميين واليسار، وبين فئات اليسار المختلفة، وكذا بين مكونات الحركة الإسلامية نفسها، حيث تشتد المساومة على الولاء للتعليمات المخزنية والمسابقة للمآرب الخاصة، ولا يبقى ثمة حليف ولا عدو أبدي، وإنما هي دورة التوازن يحاول المخزن باستمرار أن يحسن استخدامها لصالحه.

إن الالتقاء على أرضية الميثاق بما هو إحباط لسياسة “فرق تسد” التي ينهجها المخزن، هو قبل ذلك مسؤولية وأداء للأمانة، فهو صدق مع الذات منطلقا وخدمة لمصالح الأمة هدفا. فهل بإمكان التشكيلة السياسية بالبلاد تجاوز هذه العقبة وتحطيم هذه الأصفاد؟ أم أن الأغلال كبلت الأيدي والإرادات؟

3.     حقن الدماء ودرء سوء العاقبة:

إن الأمة اليوم تتجه نحو دينها وتمنح ثقتها للأتقياء الأمناء، تبرهن على ذلك كلما أتيحت لها فرصة التعبير عن آرائها من خلال صناديق الاقتراع، لكن هذا التعبير الحر سرعان ما يصطدم بإكراهات الإيديولوجيات الزائفة، البراقة في شعاراتها، المبطنة للائكيتها وعداء الدين في مضمونها (الجزائر وتركيا نموذجا).

وحقنا لدماء الأمة أن تسفك ظلما ولأعراضها أن تنتهك جورا ولطاقاتها أن تبدد هدرا، ومن فتن أي اصطدام محتمل كان لزاما صياغة ميثاق جدير باستيعاب مثل هذه الإفرازات، وقادر على صرف إرادة الأمة إلى البناء عوض تحقيق آمال أعدائها بالتآكل والاقتتال الداخلي.

إن غياب ضوابط الاختلاف واتساع الهوة بين الشعب ونخبة منعزلة تستأثر بالقرار والثروة من شأنه أن ينذر بما لا تحمد عقباه. فاستفحال الأزمات وتفاحش الفوارق بين بذخ مفرط وفقر مدقع، واختلال العلاقات بين الحاكمين والمحكومين وتوالي الإحباطات الاجتماعية والحقوقية وفقدان الثقة في فلكلورية خطابات النخبة السياسية، وموسمية وانتهازية أعماله، كل هذه العوامل تزيد الواقع خبالا وترسم صورة قاتمة للمستقبل ما لم يتم تدارك هذا الأمر بـ “التوافق” (التعاقد) على قاعدة سليمة للانطلاق تتجسد من خلال ميثاق يحدد ضوابط الفعل والممارسة السياسيين ويستوعب جميع الرؤى التي لا تعادي دين الأمة وقيمها، فما هي الأسس والأركان التي يمكن أن يستند إليها هذا الميثاق المقترح؟

III.         أرضية الميثاق:

1.     الأرضية الإسلامية:

إن الميثاق الإسلامي المقترح رابطة جامعة تؤلف شتات الأمة وتلمّ شعثها في هذه المرحلة التاريخية الدقيقة والعصيبة. لذلك فإن مثل هذه الوظيفة لن تنجح إلا إذا رجعت الأمة إلى أصولها، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا على بساط الإسلام. أولا لأن الإسلام دين الأمة، والشعب المغربي كان ولا يزال مسلما، وثانيا لأن جل مكونات البلاد السياسية لا تتنكر للدين الإسلامي ولا تتوانى في إعلان إسلامها، بل تدعو إلى عدم احتكار الإسلام، وثالثا، لأنه ليس هناك ما يوحد المغاربة غير الإسلام. فمن حيث العرق، ننقسم إلى عرب وبربر، داخل كل صنف قبائل وبطون لا تنحصر عددا، لم تفلح العصبية القبلية في جمع كلمتها بينما تلبي داعي الإسلام كلما دعا إلى ذلك داع وتحت ردائه تصدت لمؤامرة الظهير البربري الاستعماري. أما لهجاتنا فهي الأخرى جد متباينة والمرجعيات الفكرية متنافرة، ولا يعلم لهذا الطيف في التاريخ اجتماع إلا على دعوة الإسلام.

إقرار الإسلام أرضية متينة للانطلاق لا يهدف إلى إقصاء أي طرف كما يتبادر إلى الأذهان، وإنما هو استناد إلى ثوابت الأمة عوض مقدسات أرضية فرضت تحت رهبة الاستبداد. وهو لا يعني أيضا الاستغناء عن الأجهزة والآليات التي تتيحها الديمقراطية في تنظيم الاختلاف وتدبير التداول على مصادر السلطة والقرار، دون الالتزام بلبّها اللائكي الذي يصلح بديلا لمن لا أصل له في التاريخ، أما نحن فإننا أمة ذات حضارة ممتدة الجذور وذات هوية وقيم متميزة عن غيرها. والإسلام ليس شعارا يرفع ويستتر وراءه كل كائد للدين، وإنما هو عقيدة وسلوك، قول وعمل، وأحكام تطبق في الشأن العام والخاص، إنه باختصار شريعة شاملة… ومن ثم، فإن الميثاق كفيل بتأطير الاختلاف من داخل دائرة الإسلام وعلى أرضية أحكامه، ولا يضر بعد ذلك أن تختلف البرامج والحلول المقترحة ما دامت ضوابط الاختلاف سيرسمها الميثاق، وما دام الشعب مراقبا وقراره حاسم في قبول أو رفض أي من هذه الاقتراحات.

2.     أرضية المروءة واحترام الدين:

أما إذا كان الدين حاجزا في الالتقاء مع بعض فئات المجتمع التي ترغب حقا في خدمة البلاد وتؤثر الصالح العام، فلا أقل من أن تلتقي على أرضية المروءة بما تعنيه من وفاء في العهد واحترام للآخر، خاصة في عقيدته وإيمانه، ثم على أرضية الأهداف المادية المشتركة والتي لا ينكرها عاقل، ومنها نبذ العنف والاستبداد ونشدان الحرية والكرامة، ومنها نبذ الاستغلال والفساد وتبذير ثروات الأمة في غير مصالحها وسوء الإدارة، وترقب العدل الاقتصادي وإصلاح الإدارة ومحاربة الفساد والرشوة والانحلال، ومساعدة المعوزين واليتامى والأرامل…

3.     أرضية الغيرة الوطنية:

وهي من شيم المروءة وأحد مزاياها باعتبارها مبدأ يمكن أن يكون جسرا للتواصل، فالإخلاص للوطن والوفاء له والاعتزاز بخدمته أحد الأهداف النبيلة التي تصلح أرضية للالتقاء والتعاقد من أجل خدمة مصلحة الوطن. بيد أن اللقاء مع ذوي المروءات والفضلاء لن يتم ما لم يبرهنوا على جانب من الصدق في خدمة الشعب وما لم يتحرروا من التلاعب بمصيره، مساومة في مواسم الدعاية السياسية والتحايل على “المخزون الإيماني للجماهير”، وما لم يسلموا بشمول الإسلام في تدبير الشؤون العامة للبلاد، لأن اللقاء مع ذوي المروءات ليس هدفا في حد ذاته، لا سيما إذا كان في هؤلاء نصيب من الجرأة على الإسلام والاستخفاف بأهله أو الإلحاد فيه والإعراض عن شرائعه، فلا بد للقاء مع هؤلاء من حد أدنى من التدين واحترام الإسلام.

إن الميثاق إذن مسؤولية وأمانة لا ينخرط فيه إلا من له استعداد وتوفرت فيه شروط مما سبق الحديث عنه.

   IV.         ضوابط الميثاق:

ونعني بها مجموع المعالم التي ستحكم صياغة بنود الميثاق والعمل بمقتضاه، والتي بدونها يفقد هذا الميثاق مشروعيته، ويمكن تصنيفها كالتالي:

1.     عدم الإجبار على الدخول في الميثاق:

الأصل في مبادرة الميثاق أنها تطوع لهدف تأكد نفعه، وهي ندب لوسيلة تضمن مصالح الأمة أفرادا ومجتمعا ودولة، دنيا وآخرة. ومن ثم فإن الاستجابة لهذا النداء تتوقف على الإرادات وعلى الشعور بالمسؤولية، ولا يمكن بحال من الأحوال إجبار الأطراف السياسية المختلفة، إن كلا أو جزءا، على الانخراط في هذا الميثاق. إلا أن عدم الدخول في هذا الميثاق سيعرض صاحبه لا محالة إلى الانعزال عن الشعب الذي يتطلع نحو الإسلام، ومن ثم سيحكم صاحب هذا الموقف على نفسه بالانتحار.

إن الميثاق على أرضية إسلامية واضحة اختيار مصيري بين الاستمرار والانتحار، بين العيش في كنف دين الأمة بناء على رغبتها وبين الشذوذ عن مسلكها والسقوط في مهاوي رفضها وغضبها.

2.     ضمان حق المعارضة من داخل دائرة نفوذ الميثاق أو خارجها:

نظرا لكون هذا الميثاق اختيار حر أو إرادي لا يمليه إكراه، فإن وجود آراء خارج دائرة هذا الميثاق ستكون بديهية، ونظرا لأن من أهداف هذا الميثاق تنظيم الاختلاف بين التصورات ووضع ضوابط ممارسته، فإن اختلاف الآراء من داخل الميثاق سيكون كذلك أمرا طبيعيا فضلا عن قبول الرأي الخارجي، ولذلك وجب أن يكون هذا الميثاق ضامنا في بنوده لحق الاختلاف.

إذا، فأهمية الميثاق تكمن في تنظيمه للاختلاف وضمان ممارسته ما دام المخالف لا يجهر بعدائه للدين أو إلحاده، وما دامت الأمة تراقب هذا الاختلاف وتحسم في إقرار الرأي الذي ترضاه.

3.     النزاهة والشفافية وإشراك الشعب في صياغة الميثاق:

إن الميثاق الذي نتكلم عنه هو مجموعة من الإجراءات التي ستكون مادة برامجها ومقصد وجهتها، الإنسان فردا، والشعب جملة، والأمة إجمالا. فالبرامج السياسية المتنافسة إنما تتطلع للتنفيذ في واقع الناس، فما محل هؤلاء من الإعراب

داخل هذه البرامج؟ الواقع الحالي يجيب بأنه مفعول بهم، ذمم بشرية توظف بخسّة في مواسم “الديمقراطية” وانتخابات استصناع الممثلين بقوة المال والخداع والكذب… إن موقع الشعب في الميثاق الإسلامي المقترح يجب أن يكون حاسما، بحيث أن لا تزور إرادته ولا يساوم على مصيره في دهاليز السياسة الانتهازية…

إن ثقة كل طرف في مشروعه السياسي يجب أن تتزكى بجرأته على إقناع الشعب وحيازة ثقته، لهذا فإن إشراك الشعب في صياغة الميثاق، نقاشا ومصادقة وتقريرا، إنما هو إشراك له في رسم مستقبله وتحديد مآله.

إن مشروعية الميثاق لا تكتمل إلا برسم آخر ضوابطه التي هي توضيح الرؤية للشعب وإشراكه في الصياغة والمصادقة، ولا يضر بعد ذلك أن تختلف الآراء ما دام الشرع ضابطا والشعب حكما وشاهدا…

خاتمة:

في الختام، يبقى الميثاق على أرضية الإسلام هدفا ملحا في هذه الفترة لإنقاذ البلاد من ويلات ما أوصلها إليه حكام الجبر، ومن سريان دسائس المستعمر التي تنخر في كيان الأمة. إنها أمانة في عاتق المسلمين أفرادا وجماعات وجميع ذوي المروءات للالتفاف حول هذه الصيغة الكفيلة بإعادة الاعتبار للأمة، وإقرار بعض مبادئها الضائعة. تلكم مطالب العدل والشورى والحرية والتقوى. والله سبحانه حسيب المؤمنين وعونهم في جهادهم، إنه تعالى نعم المولى ونعم النصير.

(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا)[iii].

الهوامش:

[i]. ابن منظور، دار صادر بيروت، ج 10 ص 371.

[ii]. م ن، ص 371 ـ 372.

[iii]. سورة الأحزاب، الآية 23.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.