منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أطوار التحول الفكري في حياة الإمام أبي الحسن الأشعري

0
اشترك في النشرة البريدية

لقد انتهج الأشاعرة – السواد الأعظم من المسلمين – نهجا مطبوعا بالتوسط في عرض العقائد، الأمر الذي جعل هذا المذهب العقدي السني  يصمد أمام التيارات الفكرية التي عرفتها الحياة الإسلامية، كما استطاع أن يتجاوز إشكالية التوفيق بين العقل والنقل، وكانت تلك الوسطية سببا في أن يجد طريقه للانتشار بين مختلف أقطار العالم الإسلامي، لتلاؤمه مع بساطة الفطرة ودلائل العقل على حد سواء.

والإمام أبو الحسن الأشعري علم من أعلام الإسلام ومنارة من مناراته، تلقت الأمة سيرته بالتعظيم والإجلال، ولاسيما بعد أن بصره الله بالحق حين اعتزل الاعتزال، فناقش عقائد الإسلام بأسلوب بديع بعيد عن تطرف المعتزلة الذين همشوا النص الديني وتعسفوا في تأويله بما تقتضيه طرقهم العقلية، وعن تطرف الحشوية الذين يرون في الخروج عن ظاهر النص وتعديته إلى معانيه الباطنة بدعة ومخالفة لمعهود السلف.

وفي ما يلي ترجمة موجزة لهذا الإمام الفذ – رضي الله عنه – وبيان بشيء من التفصيل لأطوار تحوله الفكري.

أولا: اسمه ونسبه

“شيخنا وقدوتنا إلى الله تعالى الشيخ أبو الحسن الأشعري البصري شيخ طريقة أهل السنة والجماعة، وإمام المتكلمين، وناصر سنة سيد المرسلين، والذاب عن الدين، والساعي في حفظ عقائد المسلمين؛ سعيا يبقى أثره إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين. إمام حبر، وتقي بر، حمى جناب الشرع من الحديث المفترى، وقام في نصرة ملة الإسلام فنصرها نصرا مؤزرا”([1]). و”اسمه علي بن اسماعيل، بن أبي بشر، بن اسحاق، بن أبي الربيع سالم، بن اسماعيل، بن عبد الله، بن موسى، بن بلال، بن أبي بردة، بن أبي موسى الأشعري ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم”([2]). “وذكر الإمام أبو بكر بن فورك أن أباه هو أبو بشر إسماعيل بن إسحاق وأنه كان سنيا جماعيا حديثيا أوصى عند وفاته إلى زكريا بن يحيى الساجي رحمه الله وهو امام في الفقه والحديث وله كتب منها كتاب اختلاف الفقهاء وكان يذهب مذهب الشافعي وقد روى عنه الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتاب التفسير أحاديث كثيرة”([3]).

المزيد من المشاركات
1 من 21

فقد تبين بما لا يدع مجالا للشك أن والد الإمام الأشعري من أهل السنة والجماعة، حرص كل الحرص أن يكون نسله مثله في مذهبه، وهذا ما تبين لما أوصى به وقت وفاته إلى زكريا بن يحيى الساجي رحمه الله

 ثانيا: ولادته ووفاته

لا يختلف المترجمون بخصوص مكان مولد الإمام أبي الحسن الأشعري فقد أجمعوا على أن مسقط رأسه كان بالبصرة، ثم انتقل إلى بغداد وعاش بها حتى وفاته، فهو “بصري سكن بغداد إلى أن توفي بها”([4]) بعد حياة حافلة بالعطاء في مجال الاشتغال العقدي، واختلفو في تاريخ مولده، والراجح الذي عليه أغلب المصادر القديمة أنه ولد سنة (260ه)، وقد انتصر لهذا القول ابن عساكر حتى قال: “لا أعلم لقائل هذا القول في تاريخ مولد مخالفا”([5]).

أما وفاته فهي محل خلاف من حيث التاريخ، والراجح “أن أبا الحسن مات في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة”([6])، وأما مكانها فكان في بغداد بلا خلاف.

ثالثا: ثناء العلماء عليه

– قال عنه الذهبي: “كان عجبا في الذكاء وقوة الفهم. ولما برع في معرفة الاعتزال، كرهه وتبرأ منه، وصعد للناس، فتاب إلى الله تعالى منه، ثم أخذ يرد على المعتزلة، ويهتك عوارهم”([7])، وقال أيضا: “ولأبي الحسن ذكاء مفرط، وتبحر في العلم، وله أشياء حسنة، وتصانيف جمة تقضي له بسعة العلم”([8]).

– قال القاضي عياض – رحمه الله -: “وصنف لأهل السنة التصانيف، وأقام الحجج على إثبات السنة، وما نفاه أهل البدع من صفات الله تعالى، ورؤيته، وقدم كلامه، وقدرته، وأمور السمع الواردة من الصراط، والميزان، والشفاعة، والحوض وفتنة القبر التي نفت المعتزلة، وغير ذلك من مذاهب أهل السنة والحديث فأقام الحجج الواضحة عليها من الكتاب والسنة والدلائل الواضحة العقلية، ودفع شبه المبتدعة ومن بعدهم من الملحدة والرافضة، وصنف في ذلك التصانيف المبسوطة التي نفع الله بها الأمة”([9]). وقال أيضا: “فلما كثرت تواليفه، وانتفع بقوله، وظهر لأهل الحديث والفقه ذبه عن السنن والدين، تعلق بكتبه أهل السنة، وأخذوا عنه، ودرسوا عليه، وتفقهوا في طريقه، وكثر طلبته وأتباعه لتعلم تلك الطرق في الذب عن السنة، وبسط الحجج والأدلة في نصر الملة، فسموا باسمه، وتلاهم أتباعهم وطلبتهم، فعرفوا بذلك، وإنما كانوا يعرفون قبل ذلك بالمثبتة، سمة عرفتهم بها المعتزلة، إذ أثبتوا من السنة والشرع ما نفوه… – إلى أن يقول – فكذلك أبو الحسن، فأهل السنة من أهل المشرق والمغرب بحججه يحتجون وعلى منهاجه يذهبون، وقد أثنى عليه غير واحد منهم، وأثنوا على مذهبه وطريقه”([10]).

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

– وقال عنه تلميذه، محدث زمانه وشيخ أهل السنة في وقته، الإمام البيهقي: “إلى أن بلغت النوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري رحمه الله فلم يحدث في دين الله حدثا، ولم يأت فيه ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصرها بزيادة شرح وتبيين، وأن ما قالوا وجاء به الشرع في الأصول صحيح في العقول، بخلاف ما زعم أهل الأهواء من أن بعضه لا يستقيم في الآراء، فكان في بيانه تقوية ما لم يدل عليه من أهل السنة والجماعة، ونصرة أقاويل من مضى من الأئمة كأبي حنيفة وسفيان الثوري من أهل الكوفة، والأوزاعي وغيره من أهل الشام، ومالك والشافعي من أهل الحرمين، ومن نحا نحوهما من الحجاز وغيرها من سائر البلاد، وكأحمد بن حنبل وغيره من أهل الحديث، والليث بن سعد وغيره وأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري إمامي أهل الآثار وحفاظ السنن التي عليها مدار الشرع رضي الله عنهم أجمعين”([11]).

– وقال الإمام تاج الدين السبكي: “اعلم أن أبا الحسن لم يبدع رأيا ولم ينشئ مذهبا، وإنما هو مقرر لمذاهب السلف، مناضل عما كانت عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالانتساب إليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقاً وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه فصار المقتدي به في ذلك السالك سبيله في الدلائل يسمى أشعريا”([12]).

رابعا: مؤلفاته

ألف الإمام أبو الحسن الأشعري – رحمه الله – رائد الفكر السني تصانيف عديدة، ولا شك أنه نال هذه المنزلة وهذه الرفعة من خلال ما تركه من آثار ومصنفات، وقد اختلف الباحثون في عددها، ويعد كتاب ابن عساكر “تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري” من أوسع المصادر التي ذكرت إنتاجات الأشعري، والذي يذكر أسماء ثمانية وتسعين مصنفا، مع نبذة مختصرة عن بعضها نقلا عن حصر ابن فورك لمصنفات الأشعري، وقد قسمها إلى قسمين:

القسم الأول:

يضم ما صنفه إلى سنة عشرين وثلاثمائة للهجرة، وقد ذكر فيها اثنين وسبعين مصنفا.

القسم الثاني:

مصنفاته من سنة عشرين وثلاثمائة للهجرة إلى وفاته، وذكر فيها ثلاثة وعشرين مصنفا. كما ذكر ابن عساكر والسبكي أن ابن حزم ذكر أن مصنفات الأشعري “بلغت خمسا وخمسين مصنفا ورد ابن عساكر هذا القول وقال قد ترك من عدد مصنفاته أكثر من النصف”([13])، وقد التمس السبكي العذر لابن حزم بقوله: إن ابن حزم ذكر “مقدار ما وقف عليه في بلاد الغرب”([14]).

وكثير من هذه المؤلفات التي يذكرها ابن عساكر يغلب عليها طابع الرد أو إبطال الآراء المصادمة لعقيدة أهل السنة والجماعة، مما يعني أن الإمام الأشعري ظل وفيا لعقائد أهل السنة والجماعة يدافع عنها إلى أن توفي رضي الله عنه.

ومعظم كتب الأشعري فقدت منذ زمن بعيد، وسبب ذلك يرجع إلى الإهمال أو بسبب هجمات الغزاة على الحواضر الإسلامية كما حصل في مكتبة بغداد على يد التتار، أو بسبب الصراعات المذهبية والفكرية، فكثير من النسخ حرقها المخالفون كيدا وسعوا لإتلافها حقدا، والذي بين أيدينا قلة قليلة منها.

ومن مؤلفات الإمام الأشعري المطبوعة والتي تثبت كفايته وريادته في البحث العقدي على طريقة أهل السنة: كتاب “مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين”، وكتاب “اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع”، وكتاب “الإبانة عن أصول الديانة”، و”رسالة إلى أهل الثغر”، ثم “رسالة استحسان الخوض في علم الكلام”.

وتأسيسا على ما سبق فإن الإمام الأشعري الذي يمثل مذهب أهل السنة والجماعة الذين اشتغلوا بالدراية والرواية هو “أول من تصدى لتحرير عقائد أهل السنة وتخليصها، ودفع الشكوك والشبه عنها، وإبطال دعوى الخصوم، وجعل ذلك علما مفردا بالتدوين …”([15]).

في بيان أطوار التحول الفكري في حياة الأشعري.

(1) ماقبل طور الإعتزال

ويبدأ من ولادته إلى سن العاشرة، وفي هذه المرحلة تلقى علوم القرآن والحديث، فقد مر فيما سبق أن والده من أصحاب الحديث توفي عنه وهو صغير، وأوصى به إلى الإمام الساجي من أهل السنة والجماعة، فتفحت مداركه على علوم القرآن والحديث وعلى مذهب أهل السنة والجماعة الذي كان المذهب الرسمي لوالده ولشيوخه في هذه المرحلة.

(2) طور الإعتزال

ويبدأ في سن العاشرة وينتهي في الأربعين، فقد تزوجت والدة أبي الحسن الأشعري بعد وفاة والده من أبي علي الجبائي أحد أقطاب الفكر الإعتزالي، فاحتضن هذا الصبي ورباه على فكره، ولقنه أصول المعتزلة وطريقتهم، فهو لا جرم تلميذه المقرب، ظل يلازمه ويأخذ عنه لا يفارقه أربعين سنة.

إذ “في هذه الفترة ترعرعت أفكاره وسط الجو العقلي الذي يميز المعتزلة، وتشبع بثقافة عالية وحجج قوية مما جعلت رأيه فيما بعد قويا لأنه مبني على الدليل العقلي فضلا عن الأدلة النقلية بطبيعة الحال”([16]).

فقد تمرس الشيخ أبو الحسن في طريقة المعتزلة حتى تبحر في كلام الإعتزال وبلغ مكانة مرموقة لديهم، وصار يشار إليه بالبنان، ولكنه كان ذا عقل منير وفطرة سليمة، كما كان باحثا عن الحقيقة دون تعصب، فقد كان يورد الأسئلة على أساتذته في الدرس، ولا يجد فيها جوابا شافيا، فتحير في ذلك أشد الحيرة، وبقي باحثا عن الحقيقة متعطشا لها، ملتجأ إلى الله أن يلهمه رشده ويدله على الحق.

ولما جاوز حد الأربعين ازدادت الحيرة لديه بازدياد بحثه عن الحقيقة مع زيادة الالتجاء إلى الله، فغاب عن الناس الذين كانوا يحضرون مجلسه مدة من الزمان قضاها في البحث والتأمل ثم خرج إليهم فقال لهم: “إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة ولم يترجح عندي حق على باطل ولا باطل على حق فاستهديت الله تبارك وتعالى فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه وانخلعت من جميع ما كنت اعتقده كما انخلعت من ثوبي هذا وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به ودفع الكتب إلى الناس فمنها كتاب (اللمع) وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة سماه بكتاب (كشف الأسرار وهتك الأستار) وغيرها فلما قرأ تلك الكتب أهل الحديث والفقه من أهل السنة والجماعة أخذوا ما فيها وانتحلوه واعتقدوا تقدمه واتخذوه إماما، حتى نسب مذهبهم إليه”([17]).

وينتهي هذا الطور بتحوله من الإعتزال إلى عقائد أهل السنة والجماعة، أو بعبارة أخرى من الإعتزال إلى الإعتدال، بعد أن اقتنع بفساد مقالاتهم، وابتعاد أصولهم عن منطق الشرع ومقاصده، “لأنها تؤدي إلى الشك في الدين وفهم خاطئ له”([18]).

(3) في أسباب اعتزال الأشعري الإعتزال

أما بخصوص الدواعي التي أسهمت في تحول الإمام الأشعري من مذهب الإعتزال إلى مذهب أهل السنة والجماعة فيذكر مترجموه أن سبب تركه مذهب الإعتزال “أنه كان نائما في شهر رمضان فرأى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له يا علي انصر المذاهب المروية عني فإنها الحق. فلما استيقظ دخل عليه أمر عظيم ولم يزل مفكرا مهموما من ذلك وكانت هذه الرؤيا في العشر الأول فلما كان من العشر الأوسط رأى النبي صلى الله عليه وسلم ثانيا في المنام فقال له ما فعلت فيما أمرتك به فقال يا رسول الله وما عسى أن أفعل وقد خرجت للمذاهب المروية عنك محامل صحيحة فقال لي انصر المذاهب المروية عني فإنها الحق فاستيقظ وهو شديد الأسف والحزن وأجمع على ترك الكلام واتباع الحديث وملازمة تلاوة القرآن فلما كانت ليلة سبع وعشرين، وكان من عادته سهر تلك الليلة أخذه من النعاس ما لم يتمالك معه السهر فنام وهو يتأسف على ترك القيام فيها فرأى النبي صلى الله عليه وسلم ثالثا فقال له ما صنعت فيما أمرتك به فقال قد تركت الكلام يا رسول الله ولزمت كتاب الله وسنتك فقال له أنا ما أمرتك بترك الكلام إنما أمرتك بنصرة المذاهب المروية عني فإنها الحق قال فقلت يا رسول الله كيف أدع مذهبا تصورت مسائله وعرفت دلائله منذ ثلاثين سنة لرؤيا قال فقال لي لولا أني أعلم أن الله سيمدك بمدد من عنده لما قمت عنك حتى أبين لك وجوهها فجد فيه فإن الله سيمدك بمدد من عنده فاستيقظ وقال ما بعد الحق إلا الضلال وأخذ في نصرة الأحاديث في الرؤية والشفاعة وغير ذلك وكان يفتح عليه من المباحث والبراهين بما لم يسمعه من شيخ قط ولا اعترضه به خصم ولا رآه في كتاب.. “([19]).

فلا شك أن هذه الرؤيا الكريمة كانت هي السبب الرئيسي لهذا التحول في حياة أبي الحسن الأشعري، وأنها كانت نتيجة لما أحسه في نفسه من مشاكل نفسية وروحية.

ثم بالرجوع إلى المناظرات التي كان يناظر فيها الإمام الأشعري بعض شيوخ المعتزلة يمكن القول أنه لم يكن مقتنعا تمام الاقتناع بمنهج المعتزلة في تقرير كثير من مسائل الاعتقاد، وتعد مناظرته مع شيخه الجبائي في إبطال القول بوجوب رعاية الأصلح للخلق سببا حقيقيا في رجوع الأشعري عن مذهبه، إذ سأل الأشعري أستاذه الجبائي: “ما قولك في ثلاثة مؤمن وكافر وصبي، فقال المؤمن من أهل الدرجات والكافر من أهل الهلكات والصبي من أجل النجاة، فقال الشيخ فإن أراد الصبي أن يرقى إلى أهل الدرجات هل يمكن قال الجبائي لا، يقال له إن المؤمن إنما نال هذه الدرجة بالطاعة وليس لك مثلها، قال الشيخ فإن قال التقصير ليس مني فلو أحييتني كنت عملت من الطاعات كعمل المؤمن، قال الجبائي يقول له الله كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت ولعوقبت فراعيت مصلحتك وأمتك قبل أن تنتهي إلى سن التكليف، قال الشيخ فلو قال الكافر يارب علمت حاله كما علمت حالي فهلا راعيت مصلحتي مثله، فانقطع الجبائي”([20]).

وبوجه عام يمكن تحديد دواعي الموقف المعارض الذي اتخده الأشعري من المعتزلة، والذي أدى به إلى هذا التحول، أن منح العقل أهمية مطلقة لا يفضي إلى دعم الدين، كما زعم المعتزلة، بل على العكس قد يفضي إلى نفي الدين، أو استبدال العقل بالإيمان، وأي قيمة للإيمان – وهو في الأصل غيب – إذا كانت كل مسائله عقلية لها برهان؟

“ولا شك أن المعتزلة قد أسرفوا على أنفسهم حين غلوا في تحكيم العقل إلى حد محاولة تعليل كل فعل إلهي، كأنهم قد اطلعوا على أسرار الله وحكمته في كل شيء، وفاتهم قصور العقل الإنساني عن الإحاطة بالكون ومجرى القضاء فيه”([21]).

(4) ما بعد طور الإعتزال

وهو ذلك الطور الذي يبدأ بتحول الإمام الأشعري من الإعتزال إلى عقائد أهل السنة والجماعة، وينتهي بوفاته.

فقد عاد الإمام الأشعري إلى منهج السلف ونقض مذهب الإعتزال من الداخل، وهو الخبير بدقائق ذلك المذهب العارف بدخائله، وأعاد للعلوم الإسلامية ولأهلها رونقها المعروف، إذ كرس حياته لنصرة عقائد أهل السنة والجماعة بأدلة عقلية ومنطقية تستند إلى ما قرره الشرع الحكيم، فصار إمام أهل السنة.

“فلم يكن الأشعري، بعد تركه مذهب المعتزلة، يخوض في مسائل علم الكلام إلا لضرورة نصرة الحق التي هي واجبة على أهل العلم، نصرا للدين، ودفعا لأقوال المبطلين. وهذا منهج إسلامي سديد”([22]).

ثم إن هذا التحول الذي حدث في فكر الإمام الأشعري لم يكن من ورائه أسباب سياسية كما تحاول بعض الكتابات المعاصرة تصويره، بل هو تحول طبيعي أملته قناعة الإمام نفسه بفساد كثير من المقالات الكلامية التي خاضت في مسائل تجريدية صرفة أفقدت عقيدة التوحيد جوهرها وفعاليتها في النفوس.

وبناء عليه، فإن الذي فعله الإمام الأشعري لا يتجاوز حدود نصرة مذهب أهل السنة والجماعة في أسلوب منطقي جديد.

وفي الختام، قد تبين أن السمة الرئيسية التي يتسم بها مذهب الأشاعرة إخضاعهم العقل للنقل، وصحيح أنهم فهموا الدين بالعقل ودافعوا عنه بالعقل إلى جانب دفاعهم عنه بالنقل، إلا أنهم في المسائل التي وجدوا أن العقل يتعارض فيها مع النقل ضحوا بالعقل جانبا أو على الأقل أخضعوه لحكم النقل، وإذا نظرنا إلى ما كتب الإمام الأشعري لأدركنا كيف أنه سعى إلى فهم الدين من خلال العقل معتمدا على النص في المقام الأول، هذا النص الذي ذهب إلى أنه لا يتعارض مع حكم العقل.

فقد “تلمس الأشعري الحلول الوسطى في المشكلات الكلامية التي عالجها، يتضح ذلك في آرائه في مسائل صفات الله وخلق القرآن، ومع خصومته للمعتزلة؛ فإنه لم يهمل منهج العقل، وذلك مما أثار بعض الحنابلة، واتهموه أنه لم يتخلص تماما من ميل إلى الإعتزال، على أن ذلك لا يعني أنه كان إلى العقل أميل من النقل، على العكس؛ فإنه إذا اتهم بأنه لم يلتزم الوسط بين النقل والعقل في بعض المسائل – كما يرى العالم المعاصر زاهد الكوثري – وأنه كان يميل إلى طرف من الطرفين، فإن هذا الطرف هو – بلا شك – جانب النقل: إنه إذا تعارض العقل والنقل فإن النقل هو المقدم؛ إذ يجب أن يتبع العقل النص، ولا يحيد عنه”([23]).

والحمد لله رب العالمين.

([1])  تاج الدين أبي نصر عبد الوهاب السبكي (ت: 771ه)، طبقات الشافعية الكبرى، ج: 2، ص: 245، طبع المطبعة الحسينية المصرية، الطبعة الأولى، بدون تاريخ نشر.

([2]) القاضي عياض بن موسى بن عياض السبتي (ت: 544ه)، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تحقيق: حقق هذا الجزء محمد بن شريفة، ج: 5، ص: 24، طبع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، بدون تاريخ نشر.

([3]) أبو القاسم علي بن عساكر الدمشقي (ت: 571ه)، تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، ص: 35، عن نسخة المرحوم السيد عبد الباقي الحسني الجزائري ونسخة الفيضية في الآستانة والنسخة النورية في القاهرة مع المقابلة بنسخة الخزانة التيمورية العامرة، نشره بعناية: حسام الدين القدسي، مطبعة التوفيق، دمشق، 1347ه .

([4]) المصدر السابق، نفس الصفحة

([5]) المصدر السابق، ص: 146.

([6]) المصدر السابق، ص: 147.

([7]) شمس الدين محمد بن احمد الذهبي (ت: 748ه)، سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرين، ج: 15، حقق هذا الجزء: إبراهيم الزيبق، ص: 86، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 11، 1996م.

([8]) المصدر السابق، ص: 87.

([9]) القاضي عياض، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، (مصدر سابق)، ج: 5، ص: 24.

([10]) المصدر السابق، ص: 25.

([11]) ابن عساكر ، تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، (مصدر سابق)، ص: 103.

([12]) تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، (مصدر سابق)، ج: 2، ص: 254.

([13]) تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، (مصدر سابق)، ج: 2، ص: 252.

([14]) المصدر السابق، نفس الصفحة.

([15]) حاشية العلامة محمد الطالب ابن الحاج حمدون على شرح ميارة لمنظومة ابن عاشر المسماة “بالمرشد المعين على الضروري من علوم الدين”، ج:1، ص: 18، طبعة مطبعة: صالح مراد الهلالي، 1348 ه.

([16]) فيصل بدير عون، علم الكلام ومدارسه، ص: 266، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الفجالة، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، بدون تاريخ نشر.

([17]) ابن عساكر ، تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، (مصدر سابق)، ص: 103.

([18]) د. فيصل بدير عون، علم الكلام ومدارسه، (مرجع سابق)، ص: 266.

([19]) تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، (مصدر سابق)، ج: 2، ص: 246.

([20]) المصدر السابق، ص: 250، 251.

([21]) سعد رستم، الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات: النشأة . التاريخ . العقيدة . التوزع الجغرافي، ص: 125، الأوائل للنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة الأولى، 2004م.

([22]) محمد سليم العوا، المدارس الفكرية الإسلامية من الخوارج إلى الإخوان المسلمين، (مرجع سابق)، ص: 311.

([23]) سعد رستم، الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات: النشأة . التاريخ . العقيدة . التوزع الجغرافي، (مرجع سابق)، ص: 128.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.