منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في رياض القرآن -الحلقة الأولى-

0

يقول الله عز وجل في سورة الزمر :

{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر : 67]

سورة الزمر من أحب السور وأقربها إلى قلبي. كثيرا ما أقرأ بها في التهجد والقيام لما فيها من آيات الوعد والوعيد ولما تذكره من معاني الرجاء والعناء ومن مشاهد الثواب والعقاب. يتقلب القارئ فيها بين ذكر المحسنين ونعت المتكبرين بين زمرة المتقين وزمرة الكافرين ولذلك سميت بهذا الاسم.

هي سورة مكية عدد آياتها 75 آية نزلت بعد سورت سبأ ورد في فضلها عند الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ ” الزمر ” و ” بني إسرائيل ” ( أي سورة الإسراء ) ) [ رواه الترمذي وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة

سورة الزمر تجمع بين معنى إخلاص العبادة لله عز وجل حيث ورد لفظ الإخلاص في ثلاث آيات منها أمرا وامتثالا من النبي صلى الله عليه وسلم وبين معاني التوكل والاعتماد على المولى جل وعلا (أليس الله بكاف عبده) (قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون)
في سورة الزمر يتكرر ذكر العباد مضافا الى الله جل وعلا في أكثر من آية :
(ولا يرضى لعباده الكفر)
(قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم)
(ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون)
(فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)
(أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون)
(قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله)
وما أجمل أن يناديك الله بلفظ عبدي فيضيفك اليه ويقربك منه. قال أحد الصالحين :
الناس كلهم يهربون من الحساب ويتجافون عنه، وأنا أسأل الله تعالى أن يحاسبني فقيل له: لم؟ قال: لعله أن يقول لي فيما بين ذلك: يا عبدي، فأقول: لبيك.
فقوله لي: عبدي أعجب إلي من الدنيا وما فيها.
ثم بعد ذلك يفعل بي ما شاء.
وورد لفظ يا عباد بحذف الياء وإثباتها.
وقيل فيها أن لفظ عبادي أشمل وأكمل بينما جاء لفظ عباد اذا اقتصر على بعض من العباد وليس كلهم فالبشرى للعباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أما المغفرة في هي لكل المسرفين.
والعباد مرتبة أعلى من العبيد لأن عبودية العباد اختيار وعبودية العبيد اضطرار.

المزيد من المشاركات
1 من 31

تتأرجح وأنت تقرأ سورة الزمر بين وصف الجنة ووصف النار في تراتب عجيب وتوازن جميل وتنتهي بمشهد مهيب ليوم القيامة يساق فيه المتقون والكفار زمرا إلى الجنة والنار. في مشهد السوق يذكر الله عز وجل كيف أن الجنة تستعد لداخلها وتشتاق اليه فأبوابها مفتوحة سلفا فضلا من الله ورحمة {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر : 73] في الوقت الذي تتعوذ النار من داخليها ولا تفتح أبوابها الا بعد أن يردها أهلها
{وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الزمر : 71]

قبل أن تبدأ مشاهد يوم القيامة التي تختتم بها السورة ترد هذه الآية العجيبة في تعظيم الخالق عز وجل تصف قدرته وهيمنته على الخلائق فالأرض جميعا قبضته والسموات مطويات بيمينه. مشهد مهول وصورة تتضائل معها وفيها مظاهر طغيان الإنسان وتجبره ويصغر وجوده ويضمحل بإزاء الأكوان التي يفعل الله بها وفيها ما يشاء ويقول فيها للشيء كن فيكون.

وردت هذه الآية في ثلاث مواضع من القرآن الكريم بصيغ متقاربة :
في سورة الأنعام في قول الله عز وجل :

{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ }

وفي سورة الحج في قوله عز من قائل :

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج :73- 74]

ثم في هذه الآية من سورة الزمر.

في الآيات تذكير لمظاهر قدرة الله تبارك وتعالى وتجلياتها في :

– دقائق الأشياء كالذباب وما دونه وكيف لا نستطيع خلقه أو حتى استنقاذ ما يسلبنا إياه من دم. وهو كذلك حال كل الخلائق الصغيرة التي لا ترى بالعين المجردة كالبكتيريا والفيروسات وكيف تتحكم في الخلق رغم صغرها. ولنا في فيروس كورونا عبرة بليغة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا.

– عظائم الخلائق كالأرض والسماوات وكيف يبدو الإنسان متناهي الصغر إذا قورن بها سواءا في الزمان أو في المكان حيث يقدر عمر الأرض وحدها ب4,5 مليار عام كما أن الشمس التي يبلغ حجمها ضعف حجم الأرض ب108 مرة ليست الا نجما واحدا من بين 100 مليار نجما أو يزيد في مجرة درب التبانة وحدها التي هي مجرة من مليارات المجرات في الكون.

– ربط دقائق الأشياء بعظائم الخلائق وربط الأرض بالسماوات والخلق بالخالق عبر الوحي والتنزيل وهي من الآيات العظيمة والدلائل المبينة على قدرة الله وقوته. وكل الخلائق تجتمع فيها الدقة المتناهية والعظمة المتعالية.

يقول سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
دواؤك فيك وما تشعر وداءك منك وما تبصر
وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر

وقلت غفر الله لي :

بماذا أجيب السؤال العنيد
إلى أين أذهب ماذا أريد؟
اظل قريبا من الملهيات
لأنسى مآلي وأصلي التليد
واشغل نفسي بحلو الحياة
ارى الموت شأنا غريبا بعيد
واغرق نفسي بذل الذنوب
وأسر اللذائذ مثل العبيد
ولا أستفيق لكيد الزمان
وكيده اصل قديم أكيد
فقد أغتدي عند فوت الاوان
على حال شر ولا من معيد
فأي العبادات جئت بها
وفعلي عن الحق دوما يحيد
وجاهي ومالي بما يغنني؟
وكسبي وشغلي بماذا يفيد؟
وحظي من الذكر نزر يسير
وحالي مع الناس غير رشيد
ولم اتهيء ليوم السؤال
فماذا أقول وماذا اعيد؟
ففيه تبدل حال العباد
فيهنى الشقي ويشقى السعيد
وفيه الخلائق في محنة
تلاقي العظيم الجليل المجيد
وتعبر قسرا صراطا دقيقا
وناره تجأر هل من مزيد؟
وتنظر في صحف ما جنت
وما يشهد السمع ثم الجلود
ولا من صديق تراه معينا
ولا من مجير لكرب يزيد
ولا من شفيع سوى المصطفى
ينير الطريق و يهدي المريد
ولا يحمد الفعل في يومها
سوى ذكر رب كريم حميد
وما من كتاب حكيم تلى
ولقمة خبز بفاه الشريد
ومال الى الله قدمته
زكاة لنفس وبر مديد
ولكن فعلي من الخير خال
وقولي كثير وغير سديد
وأغفل دهرا ولا أنتقي
كلاما لديه رقيب عتيد
فيا رب فضلك أرجو غدا
ومالي عداه لديك عميد
ورحمة ربي وما من رجاء
سواها لذنبي و عيبي الشديد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.