منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

منهجه صلى الله عليه وسلم الاقتصادي/المنهج الاقتصادي في السيرة النبوية، النموذج والتطبيق

الدكتور حسن محمد أحمد محمد

0

منهجه صلى الله عليه وسلم الاقتصادي/المنهج الاقتصادي في السيرة النبوية، النموذج والتطبيق

الدكتور حسن محمد أحمد محمد

يمكنكم تحميل الكتاب من الرابط التالي: 

“الاقتصاد الإسلامي وأثره في ترسيخ مفاهيم وقيم العدالة الاجتماعية”

 

هل كان رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، فقيرًا كما يدعون؟ والإجابة، عندي، هي: كلا وألف ألف كلا، لم يكن فقيرًا، وكثيرًا ما تعوذ منه، ويمكن القول بأنه كان متوسط الحال وربما مالت حالته المعيشية إلى الكفاف أحيانًا، وربما ارتفعت في أحايين أخرى، فهو بين هذا وذاك، فقد عاش يتيمًا، ولكن اليتم لا يعني الحرمان أي أنه لم يعش محرومًا من شئ، أما في شبابه فقد تزوج من سيدة ثرية ومترفة، وعمل بالتجارة.

والسؤال: لماذا كان ينسب رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، إلى الفقر في كتب السيرة؟

والإجابة، عندي، هي أن أولئك الرواة قد قارنوا بين معيشته وبين ترف أكاسرة الفرس وأباطرة الروم، فقد جاء في حديث عمر بن الخطاب، الوارد في البخاري: (وإنه لعلي حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من آدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظا مصبوبا وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت، فقال: ما يبكيك: فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله، فقال: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة)[1]، كذلك ربما قارنوا أسلوب حياته بحياة الترف بعد تدفق أموال الفتوحات وبأيام دولة بني أمية وبني العباس، فرأوا أنه كان فقيرًا ونسوا أن رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، قد باع الدنيا واشترى الآخرة بأمواله وأعماله، فالله قد سمى المال خيرًا، قال تعالى:

(إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) البقرة: 180.

(وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ) نوح: 11.

ومن الملاحظ في الآية أن المال قد قدم على البنين في أكثر من موضع، ففي موضع آخر، يقول تعالى:

(الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) الكهف: 46.

في هذه الآية الكريمة (الكهف:46)، دلالة على أن للمال قيمة وأهمية كبرى في تحريك الأنشطة الاقتصادية والتجارية في جميع المجتمعات البشرية، ولكن يجب ألا يمثل المال هدفًا وغاية، وألا يكون وسيلة لتلبية شهوات النفس، وإنما يجب أن يتخذ من المال وسيلة لغاية أسما وأرفع من متع النفس وشهواتها وملذاتها الشيطانية، ولذلك قال تعالى:

(وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا).

وفي صحيح ابن حبان: (قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: يا عمرو نعم المال الصالح مع الرجل الصالح)[2]، وفي صحيح البخاري: (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض).

والخلاصة هي أنه، صلى الله عليه وسلم، لم يكن فقيرًا، كما صورته كتب السير، ولكنه كان يدعو إلى كثرة الإنفاق والبذل والعطاء، حبًا لما عند الله تعالى وتعلقًا بنعيم الآخرة، ولعل هذا هو ما جعل حياته كفافًا يكتفي بأقل القليل لنفسه ويؤثر غيره بالمال ويؤلف به قلوب قوم آخرين. فقدم بذلك خير نموذج إنساني وضرب أروع الأمثال الحية والحقيقية.

هناك العديد من الجوانب، الإنسانية والدينية والتربوية …، التي يمكن للمتأمل والمتفكر في شخصية رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، أن يتمثلها ويحذو حذوه فيها، فقد شكلت حياته، نموذجًا مثاليًا وبسيطًا، في ذات الآن، إذ يمكن للمتتبع لسيرته العطرة أن يشهد، مدى الانسجام والتطابق بين الأقوال والأفعال في جميع حركاته وسكناته، الأمر الذي انعكس في منهجه وسلوكه وأسلوبه في التعامل مع من حلوله من صحابته، الكرام، الذين أحبوه وتأسوا به، قال تعالى:

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) الأحزاب:21.

فهو المعين الذي لا ينضب مورده، والمنهاج الذي لا يضل سالكه، إنه القبس الذي يستضاء بنوره ويهتدى بهديه، والحديث عن سماته وصفاته طويل ومتشعب، ولا نريد أن يبعد بنا الحديث عن القصد والهدف المرسوم لهذه الدراسة، وهو تسليط الضوء على الشخصية الاقتصادية لرسولنا الكريم،  صلى الله عليه وسلم، فقد كان نبراسًا ونموذجًا لا ند له ولا نظير، في العدل والسماحة والتواضع …، رجل لا يشركه رجل آخر في صفاته ومقدماته. ولا يدانيه رجل آخر في مناقبه الفضلى التي هيأته لتلك الرسالة الروحية المأمولة في المدينة، وفي الجزيرة وفي العالم بأسره[3]. قال تعالى:

(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) النجم3-4.

(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم:4.

لقد عمل رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، على تربية أصحابه تربية روحية وإنسانية كريمة ترتقي بنفوس المؤمنين وأرواحهم فوق مستوى الماديات، وإن عظمت، ولنتأمل هذه الأحاديث الواردة في كتاب النفقات، في صحيح الإمام البخاري، حيث يقول رسولنا الكريم، عليه أفضل صلاة وأتم تسليم:

(عن النبي ، صلى الله عليه وسلم، إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة)[4].

فالحديث يدعو المسلم إلى الإنفاق على أهله، وهو واجب عليه، ولكن تلك النفقة تحسب له صدقة ويؤجر عيها، ويرتقي الدين الإسلامي بالمسلم، حين يحثه على السعي على الأرملة والمسكين، أي أصحاب الحاجات من الضعفاء ممن لا يجدون سعة في أرزاقهم، فيقول رسولنا الكريم، عليه أفضل صلاة وأتم تسليم:

(قال النبي صلى الله عليه وسلم، الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)[5].

وتتجلى الشخصية الاقتصادية لرسولنا الكريم، عليه أفضل صلاة وأتم تسليم، حين نقرأ حديث الصحابي الجليل، سعد، رضي الله عنه، الذي يرويه البخاري في صحيحه فيقول:

(كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يعودني وأنا مريض بمكة، قلت: لي مال أوصي بمالي كله، قال: لا، قلت فالشطر، قال: لا، قلت فالثلث، قال: الثلث، والثلث كثير، أن تدع ورثتك أغنياء خيرًا من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم، ومهما أنفقت فهو لك صدقة، حتى اللقمة ترفعها في في امرأتك، ولعل الله يرفعك ينتفع بك الناس ويُضَر بك آخرون)[6].

والأحاديث، التي تحث المسلم على البذل والعطاء في سبيل الله، كثيرة جدًا، وهي بمثابة ترغيب للناس جني الأرباح في الحياة الدنيا، يقول تعالى:

(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ * يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الحديد:11- 12.


[1]/ صحيح البخاري ج4/ص1867.

[2]/ صحيح ابن حبان ج8/ص6.

[3]/ عباس العقاد: عبقرية محمد، ص: 34، وزارة الثقافة والتراث (قطر)، 2013م

[4]/ صحيح البخاري، ج3، ص: 189.

[5]/ نفس المصدر.

[6]/ المصدر السابق، ص: 189.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.