منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المحكم و المتشابه من سعة الفهم إلى سوء الفهم -الرد على الجابري-

اشترك في النشرة البريدية

المبحث الأول: مذاهب العلماء في المحكم و المتشابه و تعريفاتهم

لقد ظهر بين المسلمين اختلافات كبيرة – جعلت بعضهم يكفر بعضا -، وفرق كثيرة من أصل ثمان فرق وهي : الجبرية وفي مقابلتها القدرية والمرجئة وفي مقابلتها الوعيدية والصفاتية وفي مقابلتها الجهمية والشيعة وفي مقابلتها الخوارج، ومن هذه الفرق الثمان تشعبت فرق لا تعد ولا تحصى، وقد استخرجت كل طائفة من هذه الطوائف على اختلاف نحلهم وآرائهم وافتراق مللهم وأهوائهم حجج وأدلة ما ذهبت إليه من القرآن الكريم، فما من فرقة إلا ولها من كتاب الله حجة، وما من طائفة إلا وفيها علماء نحارير لهم في عقائدهم مصنفات، وفي قواعدهم مؤلفات، وكل منهم يؤول دليل خصمه حسب عقيدته التي اعتقدها ووفق مذهبه الذي تمذهب به، ومنهجه الذي اعتمده ورضي به، وما من فرقة منهم إلا وتعتقد أنها المحقة السعيدة وأن مخالفها لفي ضلال بعيد، مصداقا لقوله تعالى: »كُلُّ حِزْبِم بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ  «[1]  .

هذه الاختلافات، وتلك النزاعات بين أبناء الدين الواحد وأصحاب الكتاب الواحد لها أسباب متعددة، منها أن القرآن الكريم حمال أوجه، وفيه المحكم والمتشابه، ولأن  » القرآن لم يعين بالاسم الآيات ” المحكمات ” بل ترك ذلك لاجتهاد الناس فقد صار في الإمكان أن يختار كل طرف نوعا معينا من الآيات ويجعلها هي المحكمات يرد إليها ما يقرر في الظاهر معنى مخالفا « [2]، والحق أن الأمر ليس بهذا المستوى من الفوضى – كما ذهب إليه الجابري، لأن الاجتهاد علم قائم بذاته، له أهله الذين سيجوه بقواعد الشرع وحصنوه بضوابط علمية دقيقة، فكل من التزم بها وكان من أهل الاجتهاد لم يخطئ الحق غالبا، فكيف عرف العلماء المحكم و المتشابه ؟.

المحكم لغة : المتقن والمحكم من القرآن : الظاهر الذي لا شبهة فيه، ولا يحتاج إلى تأويل[3] .

أما المحكم اصطلاحا : ففيه أقوال ذكرها السيوطي[4] في كتابه الإتقان منها :

المزيد من المشاركات
1 من 19

أنه ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل ، وقيل المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا ، وقيل المحكم ما كان معقول المعنى ، وقيل المحكم ما استقل بنفسه ، وقيل المحكم ما تأويله تنزيله ، وقيل المحكم ما لم تتكرر ألفاظه .

والمتشابه لغة: المتماثل، يقال: أمور متشابهة، أي متماثلة يشبه بعضها بعضا، ويقال شابهه وأشبهه: أي ماثله إلى درجة الالتباس .

أما المتشابه اصطلاحا : فهو عكس المحكم ولذلك تجد فيه الاختلاف نفسه الموجود في المحكم، فقيل المتشابه ما استأثر الله جل وعلا بعلمه، وقيل المتشابه ما خفي معناه، وقيل المتشابه ما احتمل أوجها من التأويل، وقيل المتشابه ما لا يستقل بنفسه ولا يفهم إلا برده إلى غيره، وقيل المتشابه ما لا يدرك معناه إلا بالتأويل، وقيل المتشابه ما تكررت ألفاظه .

و هذه التعريفات رغم كثرتها فهي تؤول إلى أمر واحد هو أن المحكم ما عرف معناه ولو بتأويل، والمتشابه ما توقف فهم معناه على أمر آخر من خارجه، ولذلك قال ابن السبكي رحمه الله :  » والمحكم المتضح المعنى، والمتشابه منه ما استأثر الله بعلمه، وقد يُطلع عليه بعض أصفيائه « [5].

و لعل هذه التعريفات التي قد تبدوا متضاربة هي التي جعلت العلماء يختلفون في القرآن الكريم هل محكم كله أو متشابه كله أم فيه هذا وذاك، وكل صاحب مذهب له من كتاب الله تعالى حجة يزعم أنها تعضد مقاله، فقد جاء في كتاب الله تعالى ثلاث آيات في موضوع المحكم والمتشابه، الأولى وصفت القرآن بأنه محكم كله ليس فيه متشابه، وبذلك قال قوم، وهي قوله تعالى :  » كِتَابٌ اُحْكِمَتَ ـ ايَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ «[6]، والثانية جعلت القرآن متشابها كله، وبذلك قال آخرون، وهي قوله تعالى :  » اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبـَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمُ إِلَىا ذِكْرِ اللَّهِ ذَالِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَّشَآءُ وَمَنْ يُّضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ«[7] ، هذان قولان، والثالث انقسام القرآن الكريم إلى محكم ومتشابه، واحتج القائلون بهذا – وهم الجمهور – بما جاء في قوله تعالى :  » هُوَ الذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الذِينَ فِي قُلَوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَآءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَآءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلآَّ أُولُواْ الاَلْبَابِ [8]«، وقد أجاب هؤلاء على الآيتين المتقدمتين بأن المراد بالإحكام الإتقان وعدم تطرق النقص والاختلاف إلى آياته، وبالتشابه كون آياته يشبه بعضها بعضا في الحق والصدق والإعجاز .

و القائلون بهذا اختلفوا هل المتشابه مما يمكن الإطلاع على علمه أو لا يعلمه إلا الله تعالى، على قولين، سببهما الاختلاف في فهم قوله تعالى : » وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلآَّ أُولُواْ الاَلْبَابِ « ، فمن وقف عند قوله تعالى إلا الله،  جعل المعنى أن المتشابه هو الكلام الذي لا يصل فهم الناس إلى تأويله، وأنه مما اختص الله تعالى بعلمه كاختصاصه تعالى بعلم الساعة وبعلم سائر الأمور الغيبية، وكان ما بعده كلاما مبتدأ  يفيد أن الراسخين في العلم  يفوضون فهمه إلى الله تعالى ، ومن قال  بوصل قوله تعالى  إلا الله بما بعده، جعل المعنى أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه، في حال أنهم يقولون آمنا به .

قال السيوطي – رحمه الله تعالى – بأن الأكثرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم من بعدهم خصوصا أهل السنة ذهبوا إلى القول الأول  » وهو أصح الروايات عن ابن عباس« [9] ، واستدل السيوطي على صحة مذهب الأكثرين بما رواه عبد الله بن طاووس، عن أبيه ، قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما ، ” يقرأ وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم ، يقولون آمنا به[10] “، فهذه الرواية تدل » على أن الواو للاستئناف« [11]، ويؤيد ذلك أن الآية مدحت الراسخين في العلم الذين فوضوا العلم إلى الله تعالى، وسلموا الأمر إليه سبحانه، كما مدح الله المؤمنين بالغيب، ودلت على ذم متبعي المتشابه ووصفتهم بالزيغ وابتغاء الفتنة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 11

وعن عائشة رضي الله عنها ، قالت :   » تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية:”هو الذي أنزل عليك الكتاب ، منه آيات محكمات هن أم الكتاب ، وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ، وابتغاء تأويله ، وما يعلم تأويله إلا الله ، والراسخون في العلم يقولون : آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ” قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم ” «[12]  .

وقال بالقول الثاني جماعة من العلماء على رأسهم عبد الله بن عباس، وقد أخذ ذلك من قوله رضي الله عنه : » أنا ممن يعلمون تأويله « [13]، وقال الضحاك رحمه الله تعالى: »الراسخون في العلم يعلمون تأويله لو لم يعلموا تأويله لم يعلموا ناسخه من منسوخه ولا حلاله من حرامه و محكمه من متشابهه « [14]، وقول الضحاك هذا فيه إشكال، لأن فيه خلطا بين الحلال والحرام والناسخ والمنسوخ، والعلم بهذا واجب، وبين المحكم الذي اتفق العلماء على أنه ما كان واضح المعنى ولو بتأويل، والمتشابه ومعرفته هي محل الخلاف هنا، ومن الذين قالوا بهذا القول ابن الحاجب، والإمام النووي، وعلله ب  » أنه يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته « [15] .

و الخلاف بين العلماء حول المحكم والمتشابه إنما يجد مجاله الخصب في آيات الصفات، فهناك يكثر الهلكى، وقد خصه ابن اللباد – رحمه الله تعالى – بتصنيف مفرد، ومن الآيات التي وقع حولها الخلاف قوله تعالى :  » الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىا  [16]«، وقوله تعالى: » كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ «[17]، وقوله تعالى :  » يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ  «[18]، وقوله تعالى :  » وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتُم بِيَمِينِهِ  [19]«، وقد اتفقوا على أن هذه النصوص لا يراد بها ظاهرها،[20] ثم اختلفوا في القول بالتأويل.

ومذهب السلف التفويض، فقد سئل مالك – رحمه الله تعالى – عن قوله جل وعلا :   » الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىا  [21]«، فقال :  » الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة « [22]، وذهب المتأخرون إلى تأويل هذه الآيات، وقالوا التفويض أسلم، والتأويل أعلم، أي : أن التفويض طريق السلامة، بينما يحتاج التأويل إلى زيادة علم وبذل جهد، وإلى القولين معا ذهب صاحب جوهرة التوحيد بقوله :

و كل ما أوهم التشبيها              فأول أو فوضن تنل تنزيها

المبحث الثاني: رأي الجابري في المحكم والمتشابه

عقد الجابري في القسم الثالث من  كتابه فهم القرآن استطرادا طويلا من ثمانية عشرة صفحة للحديث عن المحكم والمتشابه، وقد تحدث في البداية عن أهمية الموضوع، وأنه  » من أكثر الموضوعات التي كانت و ما تزال مجالا للاختلاف بين علماء المسلمين « [1]، ثم انتقل للحديث عن تلقي العرب للخطاب القرآني دون أن يثير في عقولهم أي إشكال، لأن القرآن  » عندما..كان يخاطب العرب متحدثا عن الله ، عن ذاته و صفاته و أفعاله، فإنه كان يستعمل، ضرورة ، ألفاظا و عبارات و أساليب في التعبير من المعهود اللغوي عند العرب… غير متعارضة مع أسلوب العرب في التجوز في الكلام « [2].

وينتقل الجابري بعد ذلك إلى الحديث عن التأويل وإشكالاته التي يزعم أنها ظهرت مباشرة بعد هجرة الرسول – صلى الله عليه و سلم – إلى المدينة  » حين أخذ سكانها من اليهود يلمزون في القرآن و يطرحون على النبي و المسلمين أسئلة بقصد التشويش والإحراج والتحدي ، موظفين في ذلك تراثهم العقدي التوراتي لإبراز ما يعتبرونه تناقضا أو غموضا ، و من ثم التشكيك في كون القرآن من عند الله « [3]، والحق أن الربط بين ما كان يطرحه اليهود من إشكالات عقائدية و تشريعية على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقصد التشويش والإحراج و التحدي و بين الخلافات السياسية والعقائدية التي ظهرت بين المسلمين بعد الفتنة الكبرى فيه كثير من المبالغات، لأن الإشكالات التي طرحها اليهود على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حسمت في حينها، وتولى الرد عليها الله جل جلاله من خلال الوحي مصداقا لقوله تعالى :  » وَلاَ يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ اِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا  «[4]، فمن صفات حسن التفسير حسم الخلاف من أساسه .

بعد هذه المحاولة التأريخية يحاول الجابري بيان كيف تطور أمر التأويل، ليخلص إلى أن  » التعامل  ” المعرفي ”  مع القرآن )بدأ( ينحو نحو التفسير و التأويل ، و كان المستند الأساس في ذلك منذ أوائل العصر الأموي ثلاث مرجعيات : اللغة ، الموروث الإسلامي ) الحديث ، أقوال الصحابة ( ، ثم ” الموروث القديم ” و في مقدمته ما اصطلح على تسميته بالإسرائيليات بصفة خاصة « [5]، وهذا القول الصادر عن الجابري لا يعني سوى أن القرآن تحول من كتاب هداية للناس يسعون لفهم مراد الله منه بكل تجرد ثم يلتزمون به إلى كتاب تتلاعب به الفرق  فتلوي أعناق نصوصه لتجعله حجة لمذاهبها تابعا لأهوائها، مستغلة في ذلك سعة اللغة و اختلاف الآثار، وهذا إن كان ينطبق على بعض الفرق دون شك فإن تعميمه على كل المسلمين ينطوي على قدر غير يسير من التجني، والجابري يقول هذا الكلام بعد أن شن هجوما لاذعا على الطريقة التي جمعت بها اللغة العربية – في كتابه تكوين العقل العربي[6] – وبعد رفضه المتكرر للاحتجاج بالسنة النبوية، وثالثة الأثافي اتهامه للعلماء بالغرف من الموروث القديم الذي يبدأ بالإسرائيليات ثم بأخلاق الطاعة الفارسي وأخلاق السعادة اليوناني، وينتهي بالعرفان الهرمسي الصوفي، وكأن الإسلام لم يأت بجديد، وكأن الأمة الإسلامية عاشت كل القرون السابقة عالة على الأمم، وبذلك يسوغ الجابري لنفسه اعتماده شبه الكامل على المناهج والنظريات الغربية و تطبيقها على القرآن الكريم بعد تبيئتها حسب زعمه[7] .

والواقع يشهد بخلاف ذلك تماما، لأن الأمة الإسلامية و إن استفادت من الموروث القديم فإنها استفادت منه بوعي تام، حيث أخذت منه ما كان نافعا دون أن يصطدم مع عقيدة التوحيد و منهج الإسلام، وغالبا ما يكون عبارة عن أخبار تحتمل الصدق و الكذب، ولذلك وجه رسول الله – صلى الله عليه و سلم – أصحابه الكرام توجيها حكيما في الطريقة التي ينبغي للمسلم أن يتعامل بها مع أهل الكتاب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالله وما أنزل… الآية[8] “.

وعندما بدأت حركة الترجمة الواسعة للتراث اليوناني القديم تعامل معه المسلمون بمنتهى الوعي والفطنة، حيث استفادوا منه وأفادوا، دون أن يشوش عليهم إلا فيما ندر، كما حدث للمعتزلة حين تأثروا بالعقلانية اليونانية والمنطق الأرسطي  و قد صاروا نسيا منسيا[9]، وهذا ما يدل عليه دلالة واضحة قوله تعالى :  » فَأَمَّا الزَّبـَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الاَرْضِ كَذَالِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الاَمْثَالَ  «[10] .

أما علاقة القرآن الكريم باللغة العربية فيكفي أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وقد وضع العلماء – رحمهم الله تعالى – قواعد لغوية صارمة لفهم القرآن فهما صحيحا، وقد كان القرآن دائما حجة على اللغة وليس العكس، والخلاف بين النحاة و القراء شاهد على ذلك . أما موقف الجابري من السنة فلنا عودة للموضوع بإذن الله تعالى .

و بهذا يتبين أن التأويل رغم أهميته لفهم بعض آي القرآن الكريم فإنه لم يكن شيئا مشاعا يتعاطاه كل من هب و دب – كما يوهم كلام الجابري – وكما فعل هو عندما تعاطى لأمر لا علاقة له به، فأتى بالطوام .

بعد أن ذكر الجابري مرجعيات التأويل الثلاث – حسب زعمه – أورد الآية السابعة من سورة آل عمران مؤكدا أنها  » كانت الآية التي يستمد منها الفرقاء مشروعية ما يقترحونه من آراء على صعيد التأويل « [11]، ثم يبين الجابري كيف أن الاختلافات حول هذه الآية متشعبة لدرجة أنها تبدأ » من فهم هذه الآية نفسها ، و يطال معناها العام كما يطال ألفاظها : المحكم ، و المتشابه ، أم الكتاب ، التأويل ، الراسخون في العلم ، كما يطال الاختلاف أيضا ، أي الآيات هي محكمات ؟ و أيها متشابهات ؟ و من هم ” الراسخون في العلم”؟« [12]، هذا الفهم السلبي للأمور، والأسلوب التهويلي الذي يمارسه الجابري إنما يهدف إلى إيهام القارئ أن الجابري قد أحاط بكل شيء علما، وأنه أتى بحلول جذرية لم تخطر للأوائل على بال، فجاء حلال العقد ليحل المشكل من الأساس بعد أن يبين الأوهام والأخطاء التي عقدت الأمور – حسب زعمه – وهي » أن المتكلمين ورواة ” أسباب النزول“ و المفسرين ، يتعاملون في الأعم الأغلب مع هذه الآية ، )يقصد الآية سبعة من سورة آل عمران ( كما ذكرناها ، دون ربطها لا بالسياق العام الذي تنتمي إليه و لا بموقعها من ترتيب النزول ، و لا بغيرها من الآيات التي تحدثت عن “التشابه”، مستعملة هذا اللفظ نفسه أو ما في معناه « [13]، ليست هذه الأخطاء الثلاثة فقط من عدم ربط الآية بالسياق العام الذي تنتمي إليه وبموقعها من ترتيب النزول ، و بغيرها من الآيات التي تتحدث عن التشابه التي يقع فيها المتكلمون ورواة  أسباب النزول والمفسرون هي التي أدت إلى كل الاختلافات التي ظهرت بين الفرق، بل عند الجابري ما هو » أدهى من ذلك و أدعى إلى الالتباس أنهم ، عندما يتحدثون عن المحكم و المتشابه من “الآيات”، يقصرون معنى الآية على المعنى الذي يفهم من قولنا ” آية من القرآن ” « [14] ، وهنا يحاول الجابري إعادة صياغة الموضوع من جديد، بربط الآية – حسب زعمه –  بالسياق العام الذي تنتمي إليه وبموقعها من ترتيب النزول ، وبغيرها من الآيات التي تتحدث عن التشابه.

ويبدأ الجابري هذه الوصفة السحرية بالتأكيد على بدعته السابقة بالقول : » إننا لا نعثر في القرآن على استعمال لكلمة ” آية ” بمعنى ” الجزء من نص القرآن ” ، حروفا و ألفاظا، بل جميع العبارات القرآنية التي ورد فيها لفظ ” آية ” إنما تحيل إلى معنى ” العلامة ” والحجة والدليل بما في ذلك ما جرت به العادة ، و ما هو في حكم خرق العادة « [15]، ولبيان أهمية هذا الاكتشاف – الذي سبق لنا أن بينا بطلانه – يزعم الجابري » أن التقيد بمدلول لفظ ” الآية ” ، بوصفه ” العلامة ” و ما في معناها و حكمها ضروري . ذلك أن التساهل في تحديد هذا المدلول قد سهل الانسياق إلى آراء و مذاهب كان من الممكن تجنبها لو قيد التفكير في معنى ” الآية ” بمضامين محددة.. « [16]، التساهل في تحديد مدلول لفظ آية تحول – حسب رأي الجابري – إلى أس الاختلافات ومركزها ومصدرها، فكان الحل هو إنكار صحة إطلاق لفظ الآية على الجزء من القرآن، بل والزعم أن هذا مجرد مصطلح » لا نعلم متى بدأ وانتشر « [17]، ورغم أن الجابري يحتاط في كلامه إلى درجة كبيرة فإن موقف بعض الحداثيين من لفظ الآية في القرآن وتجنبهم استعماله بحجة أنه أصبحت له حمولة عقائدية معينة يرفضونها، يضع إصرار الجابري على القول بأنه لا دليل من القرآن على أن القطعة من القرآن تعتبر آية، و أن هذا مجرد مصطلح يجهل مصدره، وتاريخ تداوله  – أقول هذا يضع الجابري – في موقف شبهة واتهام .

بعد هذا الحديث المختصر عن دعوى عدم وجود دليل على صحة إطلاق لفظ آية على القطعة من القرآن – التي جاء بها الجابري دون أن يكون قد سُبق إليها حتى من قبل الفرق الأشد تطرفا وغلوا والتي تحدثنا عنها بتفصيل أكبر في الفصل الذي خصصناه للناسخ والمنسوخ –  يعود الجابري إلى وضع آية المحكم والمتشابه في سياقها الذي تتحدد به حسب زعمه، والذي يبدأ من الآية الأولى من سورة آل عمران إلى الآية السابعة منها، إذ » أن استحضار هذه الآيات السبع ضروري لأنها تشكل كلا واحدا يؤطر معنى أجزائه…و نحن نحرص على هذا الأمر لأن عزل آية عن سياقها – عما قبلها و ما بعدها– كثيرا ما يفتح الباب أمام تخمينات و تأويلات ” حرة ” ، يبحث لها صاحبها عن سند لها من آيات أخرى أو في الحديث أو في أقوال ” السلف “…الخ ، في حين أن الآية المعنية إنما يتحدد معناها، أولا و قبل كل شيء ، ضمن السياق الذي وردت فيه « [18] .  وهكذا يخندق الجابري الآية من القرآن الكريم في سياق لا يفهمه إلا هو، لتعطي معنى لا ينبغي أن يفهم منها سواه، حتى ولو كان هذا الفهم مأخوذا عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أو عن أصحابه الذين شهدوا تنزل الوحي وعرفوا المعنى انطلاقا من القرائن والأحوال التي كانت تحف التنزيل، ولا بأس من التنكر للسياق والإعراض عنه إذا كان يؤدي إلى معنى لا يتناسب مع الهدف الذي سطره الجابري سلفا ويسعى للوصول إليه .

وهكذا يضع الجابري آية المحكم و المتشابه ضمن سياق يتشكل من سبع قضايا هي [19]:

أ – أن الله واحد لا شريك له…

ب – أن ما جاء به القرآن هو الحق، و أنه جاء في ذلك مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل.

ج – و الحق الذي يعنيه القرآن في هذه الآيات هو : أن الله هو الذي يصور كل مولود: »فِي الاَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ « .

د – القرآن فيه آيات محكمات وأخر متشابهات .

ه – أما  » الذِينَ فِي قُلَوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَآءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَآءَ تَاوِيلِهِ  « .

و – » وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا  « .

ز – دعاء  » رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا  « .

بعد عرض السياق الذي يزعم الجابري أن آية المحكم و المتشابه جاءت فيه ينتهي إلى أن هناك سؤالا » يتوقف عليه فهم هذه القضايا السبع هو التالي : ما الذي يربط بين هذه القضايا و يجعلها تدخل في سياق واحد ؟ « [20]، ثم ينتقل الجابري من الحديث عن السياق إلى الحديث عن العلامات المؤطرة للسياق، والتي حصرها الجابري في » أربع…علامات دالة…هي :

1 – الله لا إله إلا هو ، 2 – التوراة و الإنجيل ، 3 – يصوركم في الأرحام ، 4 – الذين في قلوبهم زيغ . و هذه العلامات تشير أولا إلى أن مجال الخطاب هنا هو العقيدة ، وليس الشريعة ، و أن هذا الخطاب هو خطاب جدل ، يدخل فيما يسميه المتكلمون : ” الرد على المخالفين ” « [21]، وهكذا يتدرج الجابري ليصل لأمر ما قد يفرغ الآية من محتواها، ففي الأول تحدث عن السياق المتضمن للقضايا السبع وتساءل عن الرابط بين هذه القضايا، ودون إجابة انتقل للحديث عن العلامات الأربع المؤطرة، وفجأة تحول السياق إلى خطاب جدل يتعلق بالرد على المخالفين . فمن هم هؤلاء المخالفون الذين يتحدث عنهم السياق ؟ يعترف الجابري بأنه لا وجود لهم في السياق، ومع ذلك يفترضهم افتراضا، ليصبح السياق الحاكم لآية المحكم والمتشابه – الواردة في أول سورة آل عمران – هو ما ورد في حق عيسى بن مريم عليه السلام، فكيف فعل الجابري ذلك؟ .

بدأ الجابري هذا التحول بقوله »  أما المخالفون ، فلم يذكروا بالتحديد ، و إن كان ذكر ” التوراة والإنجيل ” يمكن اعتباره علامة على أن ” المخالفين ” هم الذين يدينون بهما، ويعارضون عقيدة الإسلام ، هدفهم زرع البلبلة و الشك و الزيغ و الفتنة بين المسلمين« [22]، وليؤكد الجابري دعواه هذه، يذهب إلى أنه » لا بد من الرجوع إلى الظروف التي نزلت فيها هذه الآيات ، و هي ظروف معروفة لحسن الحظ ، سجلها المؤرخون و كتاب السيرة الأوائل، و في مقدمتهم ابن إسحاق « [23]، ثم يسرد الجابري  قصة لقاء رسول الله – صلى الله عليه و سلم – مع وفد نصارى نجران كما أوردها ابن إسحاق تحت عنوان له دلالته، جاء فيه »  و فد نصارى نجران يجادل الرسول : المتشابه و المحكم « [24]، وكأن الجابري اكتشف توا رواية لقاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم- مع وفد نصارى نجران، ولأنها تتفق مع الهدف الذي رسمه سلفا فإنها ستصبح هي الرواية الوحيدة التي تنطق بالحق، » فسياق الآيات الثمانين الأولى من سورة آل عمران يشهد بذلك ، أما الروايات الأخرى فواضح أنها تقع خارج السياق ، و فيها ” رائحة ” الوضع « [25] هكذا !!! و دون دليل ملموس أو نقد محدد وواضح تصبح كل الروايات الواردة حول هذه الآية موضوعة بجرة قلم، بل ويصبح السياق  –  بدل سبع آيات كما قال الجابري نفسه آنفا –  » أكثر اتساعا من الآيات السبع الأولى التي ذكرنا من سورة آل عمران ، فهو يشمل أزيد من ثمانين آية ) 123 ( يندرج معظمها في إطار الجدل مع أهل الكتاب عموما و مع النصارى خصوصا ، و فيها رد القرآن على دعاوى و فد نصارى نجران ثم دعاهم في نهاية اللقاء إلى ” المباهلة ” « [26].

هكذا يتمطط السياق عند الجابري ويتمدد ويتسع من سبع آيات في صدر سورة آل عمران تتضمن سبع قضايا مترابطة و أربع علامات مؤطرة إلى ثمانين آية كما جاء في سيرة ابن إسحاق، ولأن ما ورد عند ابن إسحاق قد فتح شهية التمطيط عند الجابري فإن السياق سيمتد إلى مئة وثلاثة وعشرين آية تتضمن مواضيع متعددة ومحاور مختلفة.

ولكن وبعد هذا الجهد المضني الذي بذله الجابري يعود هذا السياق الممتد للتقلص من جديد  ليصبح  » ما يهمنا هنا هو أن هذه الآيات / السياق تشير بوضوح إلى أن الآيات المتشابهات هي كالتي احتج بها وفد نجران حين خاطب النبي صلى الله عليه و سلم : “ألست تزعم أن عيسى روح الله و كلمته “…فالتشابه هنا هو تصور النصارى أن كون عيسى بن مريم هو نتيجة نفخ الله من روحه في رحم مريم يلزم عنه أن علاقته به هي من نوع العلاقة التي يكون بها الابن ابنا لأبيه ، كما هو الحال لدى البشر . و هذا قياس باطل… « [27].

ويستمر الجابري في البحث والتخبط دون كلل أو ملل، ليخلص في النهاية إلى أن » الآيات المحكمات هي العلامات و الدلائل و الظواهر الكونية التي تدل على أن الله إله واحد ، فهن ” أم الكتاب ” ، بمعنى الأصل الذي يجب أن ترد إليه الفروع و الحواشي، مثلها مثل ” أم القرى ” ) مكة ( التي تحج إليها القبائل العربية لممارسة الدين ) الحج و شعائره ( « [28]، وهذا الكلام يتماشى مع دعوى الجابري في أن إطلاق الآية على الجزء من القرآن لا أصل له في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل هو مجرد اصطلاح يجهل زمن ظهوره، وهكذا حل الجابري و بتفوق منقطع النظير عقدة الآيات المحكمات، فأصبحت هي العلامات والدلائل والظواهر الكونية، وبذلك تكون أم الكتاب، أما الكتاب نفسه فمجرد ابن للعلامات والدلائل والظواهر الكونية.

ولكن بقي على الجابري أن يخبرنا أي كتاب يقصد ؟ ثم ما هي العلة الجامعة لهذا التشبيه بين أم الكتاب وأم القرى ؟ و كيف تحج الفروع والحواشي إلى أصلها ؟كما أن الحج مكتوب على كل مسلم استطاع إليه سبيلا فما علة تقييده هنا بحج القبائل العربية إلى مكة ؟ فعبارته هنا توحي بأنه يتحدث عن فعل عرب الجاهلية قبل الإسلام رغم أن المقام هنا مقام حديث عن القرآن وعن الإسلام  بعد هجرة النبي – عليه السلام – بزمان.

أما الآيات المتشابهات عند الجابري » فهي العلامات التي أراد الله بها إثبات فعل خارق للعادة لأنبيائه و رسله ليكون لهم عند أقوامهم كعلامات على صدق نبوتهم ، مثل كون عيسى ولد من دون أب ، و كونه يصنع من الطين الطير فينفخ فيه ”  فَيَكُونُ طَآئِراَم بِإِذْنِ اللَّهِ ” ، الخ« [29].

إذًا المحكم عند الجابري هو الظواهر الكونية الثابتة، والمتشابه هو كل شيء خارق للعادة، وبالتالي فلا علاقة لهذا الأمر بالألفاظ الواردة في كتاب الله تعالى، لأنه لا  » يجوز القول إن ألفاظه أو عباراته يكتنفها الغموض ، و لو كان الأمر كذلك لاعترضت عليه قريش[30]…فليس ” المتشابه ” في اصطلاح القرآن هو اللفظ الملتبس الغامض المعنى ، بل هو ظاهرة منسوبة إلى الطبيعة أو إلى الجنة و النار أو إلى تاريخ الأنبياء والرسل ، ليست من جملة معهود العرب… « [31]. ولأن قريش لم تعترض فهذا يعني أنه لم يرد في القرآن ما يوجب اعتراضها ! وبالتالي فلا وجود لأي غموض في ألفاظ القرآن الكريم.

أما دعوى وجود آيات محكمات وأخر متشابهات في القرآن ف » هي أقوال لا علاقة لها بالسياق و لا مرجع لها إلا غلبة الأفق الفقهي على فهمهم[32] لآي الذكر الحكيم « [33].

والسؤال هو كيف فهم الجابري الآيات السبع من صدر سورة آل عمران على ضوء مزاعمه السابقة ؟

سأورد هنا فهمه لتلك الآيات كما جاء في كتابه فهم القرآن[34] :  » اللَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ) ليس معه غيره شريك في أمره : رد على ادعاءات وفد نجران ( الْحَيُّ الْقَيُّومُ  ) الحي الذي لا يموت ، وقد مات عيسى[35] . و القيوم القائم بسلطانه في خلقه لا يزول ، و قد زال عيسى في قولهم عن مكانه الذي كان به و ذهب إلى غيره ( ، نَزَّلَ عَلَيْكَ ) يا محمد ( الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ) بالصدق  ( مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالاِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ ) القرآن : يفرق بين الحق و الباطل فيما اختلف فيه اليهود و النصارى ( . إِنَّ الذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ اِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَىا عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ هُوَ الذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الاَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ) بما في ذلك عيسى ، فكيف يكون إلها ؟ ( ، لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ ) واضحات لا لبس فيها ( هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ) أساس العقيدة و ثوابتها ( ، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) بينهن تشابه يثير ظاهرها اللبس لتغير دلالتهن ( فَأَمَّا الذِينَ فِي قُلَوبِهِمْ زَيْغٌ ) ميل عن الحق: و هم النصارى ( فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ) في أمر عيسى ( ابْتِغَآءَ الْفِتْنَةِ ) تشكيك الناس في عقيدتهم ( وَابْتِغَآءَ تَاوِيلِهِ ) صرف معناه إلى غير ما وضع له ( ، وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ ) صرف معناه إلى حقيقته ( إِلاَّ اللَّهُ ) فهو الذي يبينه للناس ( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) في المعرفة اللغوية والدينية ( يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ ) بالكتاب / القرآن ( : كُلٌّ ) من المحكم و المتشابه ( مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ ) يتفهم هذا ( إِلآَّ أُولُواْ الاَلْبَابِ  «[36] .

لقد وقع الجابري – كعادته – في مجموعة من الإسقاطات في الزمان والمكان، وتحول عنده العام إلى خاص دون دليل أو حجة، فالتوحيد هنا للرد على وفد نصارى نجران، وصفة القيوم تقابل زوال عيسى عن مكانه، والفرقان فقط للتفريق بين اختلافات اليهود والنصارى، وأصحاب الزيغ هم النصارى، والمتشابه هو ولادة عيسى بدون أب.

ويتوج الجابري فهمه هذا بتناقض واضح بين حين يعرّف الراسخين في العلم بأنهم هم  الراسخون في المعرفة اللغوية والدينية، وبأنهم يقولون آمنا به أي بالكتاب / القرآن، فكل من المحكم والمتشابه من عند لله، وهذا يتناقض تماما مع تعريفه السابق للمتشابه الذي زعم أنه لا علاقة له بغموض الألفاظ، فإذا كان الأمر كذلك فما حاجة الراسخين في العلم للمعرفة اللغوية ؟ وإذا كان المقصود بالمتشابه مجرد ظاهرة منسوبة إلى الطبيعة أو إلى الجنة والنار أو إلى تاريخ الأنبياء والرسل، فما هي خصوصية التنصيص هنا على الراسخين في العلم في حين أن هذه الأمور مطلوبة من كل المؤمنين دون استثناء ؟

هذه مجموعة من الأسئلة المعلقة، والتي لعلها لم تخطر ببال صاحب منهج النقد والتحليل والتفكيك!!!.

[1] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 165 .

[2] نفس المرجع ، ص 165 – 166 .

[3] نفس المرجع ، ص 166 .

[4] سورة الفرقان ، الآية 33 .

[5] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 166 – 167 .

[6] انظر التمهيد لهذا البحث .

[7] وقد قال ذلك صراحة : انظر التمهيد لهذا البحث .

[8] رواه البخاري ، كتاب الشهادات .

[9] ولكن للأسف فقد ظهر بيننا المعتزلة الجدد ، وهم أسوأ من سلفهم بكثير.

[10] سورة الرعد ، الآية 17 .

[11] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 167 .

[12] نفس المرجع و الصفحة .

[13] نفس المرجع و الصفحة .

[14] نفس المرجع و الصفحة .

[15] نفس المرجع ، ص 168 .

[16] نفس المرجع و الصفحة .

[17] نفس المرجع و الصفحة .

[18] نفس المرجع ، ص 168 – 169 .

[19] نفس المرجع ، ص 169 .

[20] نفس المرجع و الصفحة .

[21] نفس المرجع و الصفحة .

[22] نفس المرجع، ص 169 – 170 .

[23] نفس المرجع ، ص 170 .

[24] نفس المرجع و الصفحة .

[25] نفس المرجع و الصفحة .

[26] نفس المرجع ، ص 171 .

[27] نفس المرجع و الصفحة .

[28] نفس المرجع ، ص 173 .

[29] نفس المرجع و الصفحة .

[30] نفس المرجع و الصفحة .

[31] نفس المرجع ، ص 175 .

[32] يقصد المفسرين .

[33] نفس المرجع ص 173 .

[34] فهم القرآن القسم الثالث ص 135 – 136 .

[35] عيسى عليه السلام لم يمت بل رفعه الله إليه، وقد صحت الأخبار بنزوله في آخر الزمان وقتله الدجال.

[36] سورة آل عمران ، الآيات 1 – 7 .

[1] سورة الروم ، الآية 32 .

[2] العقل الأخلاقي العربي ، ص 82 .

[3] المعجم الوسيط .

[4] الإتقان ، ص 299 .

[5] حاشية  البناني على شرح المحلي على متن جمع الجوامع ، لتاج الدين السبكي ، دار الفكر بيروت ، سنة  1995  ص 269 .

[6] سورة هود ، الآية 1 .

[7] سورة الزمر ، الآية 23 .

[8] سورة آل عمران ، الآية 7 .

[9] الإتقان ، ص 300 .

[10] رواه الحاكم ، كتاب التفسير ، ومن سورة آل عمران ، حديث : 3075 .

[11] الإتقان ، ص 300 .

[12] رواه البخاري ، كتاب التفسير ، باب منه آيات محكمات ، حديث : 4282 .

[13] الإتقان ، ص 300 .

[14] نفس المرجع و الصفحة .

[15] نفس المرجع و الصفحة .

[16] سورة طه ، الآية 5 .

[17] سورة القصص ، الآية  88 .

[18] سورة الفتح ، الآية 10 .

[19] سورة الزمر ، الآية 67 .

[20] هناك من قال بظاهر هذه النصوص و هم الحشوية .

[21] سورة طه ، الآية 5 .

[22] الإتقان ، ص 304 .

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.