منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى”

تفسير سورة الأعلى ـ بن سالم باهشام

0

خَلق: أَوْجَدَ كلَّ شيءٍ بقدرتِه.

فسَوّى: بَينَ خَلْقِه في الإحْكام والإتقان.

خلق الخليقة وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات. ولم يحدد سبحانه المخلوق، ليشير إلى أنه خلق كل شيء، فسوى كل شيء خلقه، ولم يأت به متفاوتا غير ملتئم، ولكن على إحكام واتساق، ودلالة على أنه صادر عن عالم حكيم. أو سوّاه على ما فيه منفعة ومصلحة.

وهنا يأتي التحدي، أعندك أيها الإنسان أحد مثله خلق فسوى؟ لا، فهو

وحده الذي خلق كل شيء فسوى الخلقة، فجعلها جميلة، انظر إلى حيوان مولود، سبحان من سواه جميلا، والقمر جميل، والنجم جميل، وأنا وأنت ننظر في المرآة نقول: تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ما أجملني، وأدعو الله ذاكرا لنعمة التسوية والجمال ومعترفا بها قائلا: “اللهم كما حسنت خلقي، فحسن خلقي” ويؤيد هذا الدعاء قوله تعالى من سورة التين: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)[1]، فكل يرى جماله، رجلا أو امرأة، ويرى الجمال في زوجته، وفي زوجها، وفي أولادهما، هذه حقيقة، ما خلق الله خلقا إلا وسواه وجمله، حتى الأرض، حتى السماوات، قال تعالى: (فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ)[2]، خلقة مستوية، لا اعوجاج، ولا تفاوت، ولا شقوق ولا فطور، ولا شيء من ذلك. فسبحان من قال: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ)[3].

قـَـدّر: جعلَ الأشياءَ على مَقادِيرَ مَخصوصة.

فهَـدَى: فَوجَّه كلَّ واحدٍ منها إلى ما يَنبَغي له.

﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ ﴾قدَّر عز وجل كل شيء، فقدر أجناس الأشياء وأنواعها

وصفاتها وأفعالها وأقوالها وآجالها، فقدر السموات وما فيها من الكواكب، وقدَّر الأرض وما فيها من المعادن، وما يظهر على وجهها من النبات، وما يعيش عليها من الحيوان، قدَّره في حاله، وفي مآله، وفي ذاته، وفي صفاته، فالآجال محدودة، والأحوال محدودة، والأجسام محدودة، كل شيء مقدر تقديرًا، قال تعالى: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا[5]. وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء»[6].

﴿ فَهَدَى ﴾ أي: فهدى كل مقدَّر من المخلوقات إلى أداء وظائفه، وكيفية استعمال ما قدَّر فيه من المقادير والقوى فيما يناسب استعماله فيه، فالله لما قدر للإنسان أن يكون قابلا للنطق والعلم والصناعة بما وهبه من العقل وآلات الجسد، هداه لاستعمال فكره لما يحصِّل له ما خلق له.

ولما قدَّر النحل لإنتاج العسل ألهمها أن ترعى الزهور والثمار، وألهمها بناء الجِبْح وخلاياه المسدسة التي تضع فيها العسل، ومن أَجَلِّ مظاهر التقدير والهداية، تقدير قوى التناسل للحيوان لبقاء النوع، وشمل بهذا، الهداية بقسميها: الكونية، والشرعية.

1 – الهداية الكونية:

وهي أن الله هدى كل شيء لما خلق له، قال فرعون لموسى عليه السلام: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى[7]، فتجد كل مخلوق قد هداه الله تعالى لما يحتاج إليه، وهو شيء مشاهد ومجرب، من الذي هداها لذلك؟ إنه الله عز وجل الرب الأعلى.

2 – الهداية الشرعية:

وهي الأهم والمقصود من حياة بني آدم، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [8]، فقد بيَّنَها الله عز وجل لعباده وهداهم لها، حتى الكفار قد هداهم الله، وبيّـن لهم طريق الحق والنور، فتعاموا وتولوا معرضين، قال الله تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى[9].

وإنما أخبرنا الله بأنه هو من خلق، وبيده التقدير والهداية، لأجل أن نلجأ إليه في جميع أمورنا، فإذا علمنا أنه هو الخالق بعد العدم، ثم أصابنا المرض أو البلاء بعد ذلك، فإننا نلجأ إليه وحده؛ لأنه هو الذي خلق وأوجد من العدم، وهو القادر على أن يَعافي ويشفي البدن، وإذا علمنا أنه هو

الهادي، فإننا نستهدي بهدايته وشريعته، حتى نصل إلى ما أعد لنا ربنا عز وجل من الكرامة، قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [10].

فالله – تعالى- خلق لدور الناس خلقة، فللرجل الزوج دور وهو القوامة، وللزوجة دور وهي الحافظية، وللأولاد دور، وللذكر دور، وللأنثى دور، وللطير دور، وللحيوانات دور، وللإنسان دور، ولكل واحد دور، ونحن بني الإنسان الدور الذي خلقنا من أجل أن نديره في الدنيا هو العبادة بمفهومها الواسع الذي لا يقتصر على الشعائر الدينية فقط، قال تعالى في سورة الذاريات: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[11]، بمعنى أن تكون حركتك في الحياة كلها طاعة لله، ابتغاء مرضاة الله، قال تعالى في سورة الأنعام: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)[12]، فإذا قيل لك: لماذا تفعل كذا؟ لا تقل: للحضارة؛ أو لأننا شعب حر، أو لأننا شرقيون، أو لأننا غربيون، أو لأننا كذا وكذا.. ينبغي ألا تكون عندك إلا إجابة واحدة؛ لأن الله أمرني بذلك؛ ولأن الله شرع لي ذلك، فتعمل كل عمل ولو كان صغيرا يجب

استحضار أنه عبادة لله، أما إن غابت هذه النية، فيبقى ثواب من كلام الناس، فهؤلاء عملوها للدنيا، فهي لهم في الدنيا، لكن لو أضافوا نية الله، كانت أسمى وأعلى، ولقد علمنا الله -جل وعلا- من خلال سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن “إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان، وصدقة يستحق فاعلها الأجر والثواب من الرحمن” إنه سمو، وعلو، ورقي، وبُعد نظر، فسورة الأعلى مقصدها العلو، حتى في أدنى حركات الإنسان وأفعاله، فلا يكون السعيي طلب للدنيا هنا، لأن هذه الدنيا فانية، وإنما الادخار ليوم القيامة، وهذا سمو عال جدا، لهذا أمر الله -تعالى- بأن يسبح الإنسان باسمه، يعني أن يخضع له، وأن يتبع هديه.


[1] – سورة التين، الآية 4.

[2] – سورة البقرة، الآية 29.

[3] – سورة الملك، الآية 3.

[4] – سورة الأعلى، الآية 3.

[5] – سورة الفرقان، الآية 2.

[6] – أخرجه مسلم.

[7] – سورة طه، الآيتان 49 – 50.

[8] – سورة الذاريات، الآية 56.

[9] – سورة فصلت، الآية 17.

[10] – سورة الأعراف، الآية 43.

[11] – سورة الذاريات، الآية 56.

[12] – سورة الأنعام، الآيتان 162- 163.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.