منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في رحاب سورة الحجرات

اشترك في النشرة البريدية

لما أثنى الله على أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم  في خاتمة سورة الفتح جعل سورة الحجرات في تكميل إيمانهم وتأديبهم ، فأرشد الله المؤمنين إلى مكارم الأخلاق، وهي إما :

١ – في جانب الله أو جانب رسوله ﷺ

٢- أو بجانب المؤمن.

٣- أو بجانب المؤمن المتلبس بالفسق.

٤- أوبجانب المؤمن الحاضر .

المزيد من المشاركات
1 من 27

٥- أو بجانب المؤمن الغائب .

تلكم السورة هي سورة الحجرات، فهي مدرسة متكامِلة تربّى في ضوئها أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم، جاءت لتربّى الفرد والمجتمع بل الأمة جميعًا على سموّ الأخلاق وفضائل الأعمال وعلوّ الهمم.

فهي مع قصرها وقلّة عدد آياتها جاءت شاملة لأحكامٍ وآداب وأوامرَ ونواهٍ لا تجدها مجتمعة في سورة سواها.

هذه السورة التي لا تتجاوز ثماني عشرة آية، سورة جليلة ضخمة، تتضمن حقائق كبيرة من حقائق العقيدة والشريعة، ومن حقائق الوجود والإنسانية. حقائق تفتح للقلب وللعقل آفاقاً عالية وآماداً بعيدة؛ وتثير في النفس والذهن خواطر عميقة ومعاني كبيرة؛ وتشمل من مناهج التكوين والتنظيم، وقواعد التربية والتهذيب، ومبادئ التشريع والتوجيه، ما يتجاوز حجمها وعدد آياتها مئات المرات.[1]

وما أجملَ أن نعيشَ أفضلَ لحظاتٍ في عصر التحديات، في رِحابِ آياتٍ بيِّنات، نستلهِمُ منها النفحَات والعِظات، ونجنِي منها أطايِبَ الثمرات ،

إن أول ما يبرز للنظر عند مطالعة السورة هو أنها تكاد تستقل بوضع معالم كاملة، لعالم رفيع كريم نظيف سليم متضمنة القواعد والأصول والمبادئ والمناهج التي يقوم عليها هذا العالم، والتي تكفل قيامه أولا، وصيانته أخيرا.. عالم يصدر عن الله، ويتجه إلى الله، ويليق أن ينتسب إلى الله.. عالم نقي القلب، نظيف المشاعر، عف اللسان، وقبل ذلك عف السريرة.. عالم له أدب مع الله، وأدب مع رسوله، وأدب مع نفسه، وأدب مع غيره. أدب في هواجس ضميره، وفي حركات جوارحه.

  • مناسبة بداية السورة مع خاتمتها 

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

لقد بدأت سورة الحجرات بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)،[الحجرات:1]، وختمت السورة بقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)،[ الحجرات:٩]، والكلام في الآيتين الكريمتين يتناسب تناسباً عجيباً؛ فالآية الأولى يُخاطب الله -سبحانه وتعالى- المُؤمنين، وتُوجّه الآية الكريمة جميع المؤمنين بألّا يتكلّموا في دين الله تعالى دون علم به، وأن يكون مَستندهم في أي حكم وعلم لله والرسول، وألّا يُقدّموا بين يدي الله ورسوله؛ فالله -سبحانه وتعالى- سميع عليم، ثم تأتي خاتمة السورة لإقرار وتأكيد أنّ الله -سبحانه وتعالى- يعلم غيب السموات والأرض، والله -سبحانه وتعالى- بصير ومُطّلع على جميع البشر وما يعلمون.

فهذه السورة هي حقاً سورة الآداب الاجتماعية وقد سميّت بـ (الحجرات)؛ لأن الله تعالى ذكر فيها حرمة بيوت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي الحجرات التي كان يسكنها أمهات المؤمنين الطاهرات -رضوان الله عليهم-؛ وهذا لتربطنا بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي هذا دلالة أيضاً على ارتباط السور الثلاثة محمد والفتح والحجرات بمحور واحد هو محمد -صلى الله عليه وسلم-، ففي سورة محمد كان الهدف إتّباع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وفي سورة الفتح مواصفات أتباعه، وفي سورة الحجرات أدب التعامل مع الرسول صلى الله عليه وسلم  والمجتمع.

هدف السورة : أدب العلاقات

سورة الحجرات هي سورة تتحدث عن أدب العلاقات والتعامل مع الرسول r ومع المسلمين والناس عامة. وكأن الهدف من هذه الآداب والتوجيهات أنكم يا من سينزّل عليكم الفتح تأدبوا بالعلاقات مع الرسول r هذا بالإضافة إلى الصفات التي أوردها الله تعالى في سورة الفتح (آية 29). فكأنما أراد الله تعالى أن يجمع لهم صفات العبادة والعمل مع الصفات الخلقية والذوقية حتى يكونوا أهلاً للفتح من عند الله تعالى. وقد تضمّنت السورة العديد من الآداب نستعرضها فيما يلي:

1- الأدب مع الله -جل جلاله-:

يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات:1. والأدب مع الله يتضمن وصفه تعالى بصفات الكمال، وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له، والتسليم لحكمه والرضاء بقدره والخضوع له، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ومراقبته والتوكل عليه ومحبته والخوف منه ورجائه وشكره، والولاء له والبراء من أعدائه، وما إلى ذلك مما يجب لله. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) آية =1 . قال  ابن العربي المالكي: ” هذه الآية أصل في ترك التعرض لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وإيجاب اتباعه والاقتداء به ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه: مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت عائشة لحفصة: قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس من البكاء فمر علياً – وفي رواية لمسلم فمر عمر – فليصل بالناس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنكن لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس. يعني بقوله: صواحب يوسف الفتنة بالرد عن الجائز إلى غير الجائز[2] “.

2. الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) . قال ابن القيم رحمه الله: “والقول الجامع في معنى الآية: لا تعجلوا بقول ولا فعل قبل أن يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو يفعل”[3].

ومن الأدب معه: أن لا يستشكل قوله بل تستشكل الآراء لقوله ولا يعارض نصه بقياس بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولا، نعم هو مجهول وعن الصواب معزول، ولا يوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد، فكل هذا من قلة الأدب معه وهو عين الجرأة”[4].

والأدب مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقتضي محبته، وطاعته، وتوقيره، وعدم التقديم بين يديه، وخفض الصوت عنده، ولقد تربى جيل الصحابة رضي الله عنهم على هذا الفهم الواعي فكانوا قمة في الأدب والتأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما جاء من حديث أنس رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ.. الحجرات: 2

كان ثابت بن قيس بن الشماس رضي الله عنه رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله أنا من أهل النار، حبط عملي وجلس في أهله حزيناً، ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله مالك؟ قال أنا الذي أرفع صوتي فوق النبي واجهر له بالقول، حبط عملي أنا من أهل النار فاتوا النبي فاخبروه بما قال: فقال (لا بل هو من أهل الجنة)، قال أنس رضي الله عنه: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة )[5]

وقال الإمام مالكٌ – رحمه الله – لمن رفعَ صوتَه في مسجد رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم -: “يا هذا! لا ترفَع صوتَك في مسجِد رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم -؛ فإن الله – عز وجل – أدَّب قومًا فقال: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)، ومدحَ قومًا فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) [الحجرات: 3]، وذمَّ قومًا فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [الحجرات: 4]، وإن حُرمتَه ميتًا كحُرمته حيًّا”. قال ابن القيم: ومن الأدب معه: أن لا ترفع الأصوات فوق صوته فإنه سبب لحبوط الأعمال فما الظن برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به أترى ذلك موجبا لقبول الأعمال ورفع الصوت فوق صوته موجبا لحبوطها[6].

3. أدب تلقّي الأخبار:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)[الحجرات: 6 ]؛ أي: تثبتوا في خبره، محصوه تمحيصاً بحق وعدل؛ لئلا يكون كاذباً أو مخطئاً فيجركم ذلك إلى أن تصيبوا قوماً بجهالة، قوماً هنا نكرة تعم الذكر والأنثى والصالح والطالح، عدلاً بين الناس وإحساناً إليهم، واحتراماً لدمائهم وأموالهم وأعراضهم، فتصبحوا على ما فعلتم من اعتماد على قبول خبر الفاسق فيهم نادمين معرضين للوعيد في قول الله سبحانه:وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً [الأحزاب:58 قال ابن سعدي: “وهذا أيضًا، من الآداب التي على أولي الألباب التأدب بها واستعمالها، وهو أنه إذا أخبرهم فاسق بخبر أن يتثبتوا في خبره، ولا يأخذوه مجردًا، فإن في ذلك خطرًا كبيرًا، ووقوعًا في الإثم، فإن خبره إذا جعل بمنزلة خبر الصادق العدل، حكم بموجب ذلك ومقتضاه، فحصل من تلف النفوس والأموال بغير حق بسبب ذلك الخبر ما يكون سببًا للندامة، بل الواجب عند خبر الفاسق التثبت والتبين، فإن دلت الدلائل والقرائن على صدقه عمل به وصدق، وإن دلت على كذبه كذب ولم يعمل به، ففيه دليل على أن خبر الصادق مقبول، وخبر الكاذب مردود، وخبر الفاسق متوقف فيه كما ذكرنا، ولهذا كان السلف يقبلون روايات كثير من الخوارج المعروفين بالصدق، ولو كانوا فساقًا”[7]

4.أدب الأخوّة بين المؤمنين:

قال تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ الحجرات: 10 ، والصلح بين المسلمين في حال حصول الخلاف والمقاتلة بين طائفتين من المسلمين، ثم أرسى قاعدة من قواعد الدين، والتي ينبغي أن تكون شعارا لكل مسلم.

ومنها: أدب الإصلاح في حال وقوع خلاف: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين [الحجرات:9.

والصلح خيرٌ تهبُّ به على القلوب المتجافية رياحُ الأنس ونسماتُ النَّدى؛ صلحٌ تسكنُ به النفوسُ، ويتلاشى به النزاعُ، الصلحُ نهجٌ شرعيٌ يُصانُ به الناسُ وتُحفظُ به المجتمعات من الخصام والتفككِ.

بالصلح تُستجلب المودات وتعمر البيوتات، ويبثُ الأمنُ في الجنبات، ومن ثَمَّ يتفرغُ الرجالُ للأعمالِ الصالحةِ، يتفرغون للبناءِ والإعمار بدلاً من إفناءِ الشهورِ والسنواتِ في المنازعاتِ، والكيدِ في الخصومات، وإراقة الدماءِ وتبديد الأموال، وإزعاج الأهلِ والسلطاتِ، وقد أمر الله تعالى بإصلاح ذات البين وجعله عنوانَ الإيمان، فقال تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ الأنفال: 1.

ومن هذه الآداب: الآداب الاجتماعية بين المسلمين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [الحجرات:11-12

فليست من أخلاق المسلمين السخرية من أحد، وليست من أخلاقهم التنابز بالألقاب والتفاخر بالأحساب والانساب، وليست من أخلاقهم الغيبة والقيل والقال، وليس من أخلاقهم سوء الظن، والظن الذي أمرنا هنا باجتنابه هو بمعنى التهمة التي لا يعرف لها أمارات صحيحة، ولا أسباب ظاهرة، ولا سيما إن كان المظنون به من أهل الأمانة ظاهراً، والستر والصلاح، وهو -أي الظن- بهذا الاعتبار حرام؛ لقوله سبحانه: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وقول رسوله -صلى الله عليه وسلم-: “إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث” متفق عليه.

ويشتد تحريمه ويعظم إثمه إذا جر الظان للتجسس على المظنون به، التجسس الذي نهينا عنه بقول الله سبحانه: وَلا تَجَسَّسُوا وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: “لا تجسسوا ولا تحسسوا” (متفق عليه؛ أي لا يبحث أحدكم عن عيوب وعورات لأخيه.

ويروى عن أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإن من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته” (رواه أحمد وأبو داود

أدب التعامل مع الناس جميعاً: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ الحجرات:13

الغاية من جعلكم شعوبا وقبائل إنها ليست التناحر والخصام، إنما هي التعارف والوئام؛ فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطباع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات، وليس للون والجنس واللغة والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله. إنما هنالك ميزان واحد تتحدد به القيم، ويعرف به فضل الناس: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).. والكريم حقا هو الكريم عند الله، وهو يزنكم عن علم وعن خبرة بالقيم والموازين: (إن الله عليم خبير

وهكذا تسقط جميع الفوارق، وتسقط جميع القيم، ويرتفع ميزان واحد بقيمة واحدة، وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر، وإلى هذه القيمة يرجع اختلاف البشر في الميزان.

وهكذا تتوارى جميع أسباب النزاع والخصومات في الأرض؛ وترخص جميع القيم التي يتكالب عليها الناس، ويظهر سبب ضخم واضح للألفة والتعاون: ألوهية الله للجميع، وخلقهم من أصل واحد؛ كما يرتفع لواء واحد يتسابق الجميع ليقفوا تحته: لواء التقوى في ظل الله. وهذا هو اللواء الذي رفعه الإسلام؛ لينقذ البشرية من العصبية للجنس، والعصبية للأرض، والعصبية للقبيلة، والعصبية للبيت. وكلها من الجاهلية وإليها، تتزيا بشتى الأزياء، وتسمى بشتى الأسماء، وكلها جاهلية عارية من الإسلام.

الخاتمة

فهذه السورة هي حقاً سورة الآداب الاجتماعية وقد سميّت بـ (الحجرات)؛ لأن الله تعالى ذكر فيها حرمة بيوت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي الحجرات التي كان يسكنها أمهات المؤمنين الطاهرات -رضوان الله عليهم-؛ وتسمى بسورة الأخلاق؛، وتتضمن السورة حقائق التربية الخالدة، وأسس المدنية الفاضلة.

 

[1] *في ظلال القرآن 6/488.

2- أحكام القرآن، أبو بكر بن العربي، ج4 ص145

3- إعلام الموقعين 1/55

[4]  – مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين 2/390.

[5] أخرجه البخاري (3613)، ومسلم (119) واللفظ له

[6]  *مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين2/389.

[7]  *انظر” تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، صـ 799.

 

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.