منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

محطات فرح الصائم

0
اشترك في النشرة البريدية

مقدمة

إخوتي أخواتي في الله، السلام عليكم ورحمة الله، في هذه الأجواء الربانية الرمضانية نتفيأ ظلال آية من كتاب الله تعالى، في إطار التدبر لكتاب الله، الذي كلفنا بتدبره مصداقا لقوله تعالى في سورة ص: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [ص: 29] ، وفي قوله تعالى من سورة محمد، مستنكرا على الذين لا يتدبرون كلامه سبحانه، للعلة الموجودة في قلوبهم: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: 24] ، نحاول بتوفيق الله ومنّه وفضله، تدبر قول الله تعالى من سورة يونس: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: 58] 

وفضل اللَّهِ القرآنِ، ورَحْمَتُه الإسلامِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا. قرأ رويسٌ عن يعقوبَ: (فَلْتَفْرَحُوا) بالخطابِ للمؤمنين، والباقون: بالغيب؛ أي: ليفرحِ المؤمنون [“النشر في القراءات العشر” لابن الجزري (2/ 258)، و”معجم القراءات القرآنية” (3/ 81)].

هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ، من حُطامِ الدنيا. قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامر، ورويسٌ عن يعقوبَ: (تَجْمَعُونَ) بالخطاب على معنى: فلتفرحوا أيها المؤمنون، فهو خيرٌ مما تجمعون أيها المخاطَبون، وقرأ الباقون: بالغيب [“السبعة” لابن مجاهد (ص: 327)، و”التيسير” للداني (ص: 122)، و”تفسير البغوي” (2/ 367)، و”النشر في القراءات العشر” لابن الجزري (2/ 285)، و”معجم القراءات القرآنية” (3/ 81 – 82)]؛ أي: خير مما يجمعُه الكفار، وقيل: الخطابُ في (تجمعونَ) للكافرين.

 (الْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ، الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ السَّعَادَاتِ الرُّوحَانِيَّةَ أَفْضَلُ مِنَ السَّعَادَاتِ الْجسْمَانِيَّةِ، فَيَجِبُ أَنْ لَا يَفْرَحَ الْإِنْسَانُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَحْوَالِ الْجسْمَانِيَّةِ، لِأَنَّ اللَّذَّاتِ الْجسْمَانِيَّةَ لَيْسَتْ غَيْرَ دَفْعِ الْآلَامِ عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ الْحُكَمَاءِ، وَالْمَعْنَى الْعَدَمِيُّ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُفْرَحَ بِهِ. وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّذَّاتُ صِفَاتٍ ثُبُوتِيَّةً، فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ خَالِصَةً أَلْبَتَّةَ، بَلْ تَكُونُ مَمْزُوجَةً بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْمَكَارِهِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ بَاقِيَةً، فَكُلَّمَا كَانَ الِالْتِذَاذُ بِهَا أَكْثَرَ، كَانَتِ الْحَسَرَاتُ الْحَاصِلَةُ مِنْ

المزيد من المشاركات
1 من 16

خَوْفِ فَوَاتِهَا أَكْثَرَ وَأَشَدَّ، ثُمَّ إِنَّ عَدَمَ دَوَامِهَا يَقْتَضِي قِصَرَ مُدَّةِ التَّمَتُّعِ بِهَا، بِخِلَافِ اللَّذَّات الروحانية.) التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور (11/ 207)

للقرآن منهج متميز، خاصة أنه يتضمن اثنتين وعشرين آية عرضت للفرح صراحةً، بالإضافة إلى آيات أُخَرَ ألقت بظلالها على هذا الموضوع، يضاف إليها أحاديث نبوية أسهمت في التأصيل الشرعي للفرح. وهكذا نجد أن القرآن الكريم عُني بالفرح في آيات كثيرة، عرضت له بطريقة مباشرة و غير مباشرة، منثورة في سوره الكريمة، يستفاد من هداياتها مجتمعة أن الفرح ثلاثة أقسام: محمود، ومذموم، ومباح.

الفرح شأنه شأن الوعاء، الحكم عليه مبني على ما يكون فيه من المادة الداعية إليه، والمقاصد المثيرة للفرح برمتها، منها ما هو شريف، ومنها غير شريف، والإسلام بشرعته ومنهاجه يحرض أتباعه في كل حين على أن يفرحوا بما يحمد ويذكر، من الأمور والأعمال الظاهرة والباطنة؛ فالفرح إنما يكون محموداً، حينما تجده في مقابل نعمة التوفيق بطاعة من الطاعات، أو قربة من القربات، أو كفرحة المجاهد الذي قهر شهواته، وقاوم رغباته، أو كانتصار ما يحبه الله على ما لا يحبه، وكذا دفع الباطل بالحق فإذا هو زاهق، قال تعالى في سورة الروم: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ، يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [سورة الروم:4-5]، وإن للمسلمين كل الحق في أن يبتهجوا ويفرحوا؛ إذا نالوا نعمة خالصة، أو أمنية خالية من شوائب الحظوظ العاجلة في دينهم ودنياهم مما يضر ولا ينفع، ويفرحون كذلك إذا فرحوا فرح الأقوياء والأتقياء، وهم في الوقت نفسه لا يبغون ولا يزيغون ولا ينحرفون عن الصواب ولا يتعسفون، ناهيكم عن كونهم يعمرون فرحتهم بذكر ربهم الذي أتم عليهم نعمته، ورزقهم من الطيبات، وهيأ لهم في كونه كثيراً من أسباب البهجة والسرور، بل ولربما تعدى الأمر إلى أبعد من ذلك حتى إلى مقابلة الابتلاء والامتحان بالفرح لما يفضي إليه، من محو للسيئات، ورفع للدرجات. فعن أبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى – عنه قال: دخلت على النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو يوعك؛ فوضعت يدي عليه؛ فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله! ما أشدها عليك! قال: (إِنَّا كَذَلِكَ يُضَعَّفُ لَنَا الْبَلَاءُ، وَيُضَعَّفُ لَنَا الْأَجْرُ)، قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء، قال: (الْأَنْبِيَاءُ)، قلت: يا رسول الله ثم من؟ قال: (ثُمَّ الصَّالِحُونَ، إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُهُمْ إِلَّا الْعَبَاءَةَ يُحَوِّيهَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالْبَلاءِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالرَّخَاءِ)[ رواه ابن ماجة (4024) وصححه الألباني في سنن ابن ماجة (3250)].

ويترجم الفرح المحمود في الواقع بما تحمله في طيات نفسك لأخيك المسلم، فتفرح لفرحه، وتسر لوصول النعمة إليه، أضف إلى ذلك الفرح، حينما يسلم عبد أو يتوب عاصٍ، كما فرح الصحابة – رضي الله عنهم – بإسلام الفاروق – رضي الله عنه – أو غيره من الصحابة، لا الازدراء الموجه تجاه من يتمسك بدينه، ويعتز بكونه من ركاب الصالحين والطائفة الناجية المنصورة. والفرح المحمود، في مثل فرح الصائم بفطره الذي عناه المصطفى – صلى الله عليه وسلم – بقوله: (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِه،ِ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)[ رواه البخاري (1805) ومسلم (1151).]. والفرح المحمود فرح المؤمن بشريعة ربه، وأمره ونهيه، وعدم التقديم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وفي فرح الصائم نجد الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر ثلاث محطات للفرح: 

المحطة الأولى من فرح الصائم: عند فطره من كل يوم عند غروب الشمس:

قال عليه الصلاة والسلام: (إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِه)[ رواه البخاري (1805) ومسلم (1151).].

1 – يفرح لأن الله عز وجل كافأه بعد هذا الحرمان في النهار، بالطعام والشراب بدخول المغرب، ففرح بأنه حصل على ما كان ممنوعاً. واستحضر نعم الله عليه، إذ أن الإنسان قد لا يعرف نعمة الله عليه إلا بعد فقدانها وقد لا ترجع إليه، وفي هذه الحالة هاهي قدر رجعت إليه ليوظفها في التقوية على طاعة الله، وليستحضر المفطر كذلك أن من الناس من يراهم أمامه، وأمامهم نعم الله من الطيبات إلا أن الله حرمهم منها عقوبة لهم، في صورة أن الطبيب منعهم من تناولها، في حين أن غيرهم يتمتعون بها، فهؤلاء هم الذين قال تعالى فيهم  في سورة النساء،- والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب -: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) [النساء: 160، 161]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 35

2 –  ويفرح كذلك بأن الله تعالى أتم له صيام هذا اليوم؛ لأن الذي يقوّي على الطاعة هو الله عز وجل. ويعلم أن الحول والقوة لله تعالى، فهو الموفق، وهو المجازي سبحانه، والكل منه وإليه عز وجل.

3 –  ويفرح كذلك إذا تمت طاعة الصائم من غير أي كدر يكدرها، بخلاف الذي يسب ويشتم ويصخب ويجادل ويفسق.. وغير ذلك، فهو يشعر في داخل نفسه أنه مجرد إنسان قد امتنع عن الطعام والشراب والجماع، والله عز وجل لا حاجة له في صيام هذا الصائم؛ لأنه لم يستفد الفائدة المرجوة من صيامه، لأن غاية هذا الصيام أنه يهذب النفوس، ويرقق القلوب، ويقرب الصائم إلى مولاه، باجتناب جميع الذنوب والمعاصي، لا بالامتناع فقط عن الطعام والشراب والجماع، وفي الحديث، الذي رواه ابن ماجه، عن أبى هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر) [أخرجه ابن ماجه (1/539 ، رقم 1690) ، قال البوصيرى (2/69) : هذا إسناد صحيح رجاله ثقات]. 

المحطة الثانية من فرح الصائم: يوم عيد الفطر

عن أنسٍ رضي الله عنه قالَ: (قدمَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المدينةَ ولَهم يومانِ يلعبونَ فيهما، فقالَ: ما هذانِ اليومانِ؟ قالوا: كنَّا نلعبُ فيهما في الجاهليَّةِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: إنَّ اللَّهَ قد أبدلَكم بِهما خيرًا منهما، يومَ الأضحى ويومَ الفطرِ)

[أخرجه أبو داود (1134)، والنسائي (1556)، وأحمد (12006) باختلاف يسير، صحيح أبي داود، الألباني، 1134، صحيح].

فالأعيادُ مِنَ الشَّعائرِ الدِّينيَّةِ الَّتي تختصُّ بها كلُّ أُمَّةٍ عن غيرِها، وقد أعطَى اللهُ تعالى لأُمَّةِ الإسلامِ عيدَ الفطرِ وعيدَ الأضحى؛ ليُميِّزَها عن غيرِها، ويُبْدِلَها بهما عمَّا دونَهما مِنَ الأعيادِ. والعيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد، إما بعود السنة كعيد الفطر والأضحى، أو بعود الأسبوع، كيوم الجمعة، لقوله صلى الله عليه وسلم  في يوم الجمعة: (إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيداً)([ رواه ابن ماجه (1098) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وحسن إسناده المنذري في الترغيب (1/498)، وسكت عليه الحافظ في الفتح (2/387)، وله شاهد من حديث أبي هريرة، انظر: صحيح الجامع (2258)].

أو الشهر أو نحو ذلك. وفي معنى حَديثِ أنسٌ رضِيَ اللهُ عنه: “قَدِمَ“، أي: أتى “رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم المدينةَ، ولهم يومانِ”، أي: يَوْمَا عيدٍ واحتفالٍ، وقيل: كانا يُسمَّيانِ بـ(النَّيْرُوزِ والمِهْرَجانِ)، يَلعبُون فيهما، فاستفْسَرَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: “ما هذانِ اليومانِ؟”، فأجابوه، فقالوا: “كُنَّا نَلعَبُ فيهما في الجاهليَّةِ”، أي: قبلَ دُخولِ الإسلامِ إلى المدينةِ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: “إنَّ اللهَ قَدْ أبدلَكم بهِما خيرًا منهما: يومَ الأَضْحَى، ويومَ الفِطْرِ“، أي: إنَّ احتِفالَكم مِن اليومِ، بالفِطرِ والأَضْحَى، واتْرُكوا ما دونَ ذلك؛ فهُما خيرٌ لكم مِن شَعائرِ الجاهليَّةِ، فهما يَقَعانِ شُكرًا للهِ على ما أنعَمَ به مِنْ أداءِ العباداتِ الَّتي وقَّتَها؛ فعِيدُ الفِطرِ يقَعُ شُكرًا للهِ على إتمامِ صومِ رمضانَ، وعيدُ الأَضْحَى يَقَعُ شكرًا للهِ تعالى على العباداتِ الواقعةِ في العَشْرِ، وأعظمُها إقامةُ شَعِيرةِ الحجِّ.

المحطة الثالثة من فرح الصائم: عند لقاء ربه

إذا لقي العبد الصائم ربه في الآخرة فإن الله تعالى يكافئه المكافأة التي وعد بها، وهو الذي يجازيه ويكافئه، فلا بد أن تكون هذه المكافأة عظيمة جداً؛ لأنها من الكريم سبحانه وتعالى.

وبالاحتفال بعيد الفطر والأضحى بدل اليومين اللذين كان العرب يحتفلون بهما، اعتراف أولا بالفرح لكونه فطري في الإنسان، وتوجيهه إلى الفرح المحمود الذي هو الفرح بالله، وبما يرضي الله تعالى، فعيد الفطر فرح دنيوي عاجل قبل الفرح الحقيقي عند الله يوم القيامة، يسمى عند الملائكة بيوم الجائزة، يفرح فيه المؤمنون بتوفيقهم لطاعة الله وتحقيق المقصد الأعظم من الصيام الذي هو التقوى التي هي فعل ما به أمر، وترك ما عنه زجر. 

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.