منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل يوجد دليل مادي على وجود الله: الأدلة الواقعية

اشترك في النشرة البريدية

 

وجود الله عز جل تجلى لكثير من الأقوام السابقة بشكل محسوس ومادي، وتراءت لهم الأدلة على هذا الوجود رأي العين عن طريق الأنبياء والرسل. فقد أيد الله كل مبعوثيه من صفوة خلقه بالمعجزات الخارقة للعادة، والمخالفة للسنن الكونية، التي يستحيل أن تصدر من الإنسان من تلقاء نفسه، لأنها تفوق قدرته وتتجاوزها.

رأى قوم من الناس زمن النبي نوح عليه السلام طوفانا أغرق كل من كان على ظهر الأرض منهم آنذاك، إلا من ركب سفينته التي صنع بيده والتي لم يكن لهم عهد بمثلها. من أعلم نوحا بصنعها وعلمه؟ من أنبأه بخبر الطوفان الذي أهلك كل المعاندين إلا من ركب سفينته؟ من كانت له القدرة على إهلاك كل هؤلاء الطاغين المتجبرين دون أن يُمَس المؤمنون بأذى، لاسيما وأن هيجان مياه الطوفان كان كفيلا بتحطيم السفينة فلا يترك لوحا فوق لوح؟ إن من رأى هذه السفينة المعجزة لا يمكن أن يقول إلا جوابا واحدا: إنه الله سبحانه وتعالى.

رأى قوم آخرون من الناس زمن النبي صالح عليه السلام، ناقة تخرج من صخرة صماء بأم أعينهم. وكان لهذه الناقة شأن عجيب، تشرب بمقدار ما يشرب الناس كلهم، وتعطي لبنا بمقدار ما شربت. من يقدر على هذا الخلق العجيب؟ المؤمنون في ذلك الزمن، والمنصفون، وحتى المكابرون والمعاندون، لا يجدون إلا جوابا واحدا: إنه الله عز وجل.

رأى كذلك قوم آخرون في زمن سيدنا إبراهيم كيف ألقي به عليه السلام في حفرة من نار يتطاير شررها، ويتعالى لهيبها، لكنه خرج منها سالما معافى في مخالفة صريحة لكل قوانين الطبيعة والكون. من نجاه عليه السلام؟ من كانت له القدرة على تعطيل قانون السببية والعلة والمعلول بين النار وجسد سيدنا إبراهيم عليه السلام؟ لا يجترئ أحد من الذين حضروا المشهد إلا أن يقول: إنه الله عز وجل.

المزيد من المشاركات
1 من 14

رأى آخرون في زمن سيدنا موسى أن العصا تتحول في يده إلى حية تسعى، وقد كانوا أكثر الناس في ذلك الوقت معرفة بفنون السحر والخداع. فما رأوه لا يمت للسحر بصلة، لا من قريب ولا من بعيد. إنه عمل خارق للعادة. هؤلاء أنفسهم شهدوا كيف انفلق البحر في معجزة باهرة لينجو من آمن من بطش فرعون وجنده، ثم ما لبث أن عاد هذا البحر إلى حاله الطبيعي، ليسقط المعاندين المكابرين صرعى، وينهي وجودهم في هذه الحياة. من يقدر على هذا؟ لا يسع من عاش هذه المعجزات إلا أن يقول: إنه الله عز وجل.

ماذا عن قوم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيئين؟ لقد أراهم من المعجزات الباهرة ما يدل بالقطع على وجود الله سبحانه، وعلى رأسها القرآن الكريم. ولكن أضرب مثلا بواحدة من المعجزات الخارقة للعادة التي ثبتت عنه صلى الله عليه وسلم، حيث سافر عليه الصلاة والسلام من مكة إلى بيت المقدس، ثم إلى السماوات العلا في جزء من ليلة واحدة. الواقعة معروفة عند المسلمين بحادثة الإسراء والمعراج، التي ما إن أخبر عليه الصلاة والسلام بأمرها، حتى بادره الناس بالتكذيب، وهو أمر متوقع بطبيعة الحال، لكنه عليه الصلاة والسلام أخرس كل المكذبين والمشككين، ببسط كل الشواهد والقرائن التي لا مجال لردها أو إنكارها، فمن كان يحترم عقله آنذاك ممن رأى بعينيه وشهد الواقعة، لن يقول إلا الحقيقة الآتية: هذا تدبير الله خالق الكون وموجد الموجودات.

إلى هنا، فالمؤمنون مثلي لا يجدون فيما قلت بخصوص هذه الأدلة الواقعية أي داع للاعتراض، فهي مسلمات غيبية مبثوثة في مصادرنا التي نعتمد عليها، ولا نشك في صحتها. لكن أصدقاءنا الذين ينكرون علينا الإيمان بالخالق، ويحاجوننا بالعقل، سيعترضون لا محالة وسيقولون: أنت لم تأت بشيء، كلامك كله لا يعدو أن يكون قصصا من أساطير الأولين، وأحداثا من خيال المستغلين لسذاجة العامة من الناس. كيف سنصدق مثل هذه “الترهات”، ونحن لا نؤمن إلا بما يثبته العقل، ولا نقبل ما يعارضه ويعاكسه؟

حسنا، ومن قال خلاف هذا؟ نحن كذلك نؤمن بما يقبله العقل والمنطق السليم. إن هؤلاء ينظرون إلينا كأننا وعاء أجوف يملؤه من هب ودب بما شاء وكيفما شاء. إنهم يحسبوننا غثاء كغثاء السيل، ويحسبون أنفسهم قد امتلكوا ناصية العلم وتحكموا في زمامه، فلا قول يعلو على قولهم، ولا رأي يقارع رأيهم. وللأسف الشديد، نجد كثيرا من بني جلدتنا صدق أنه كذلك، فضرب بعرض الحائط كل معتقداته ومقدساته. لو تريث مليا، ودقق قليلا، لظهرت أمامه الحقائق المحجوبة ببطلان هؤلاء وضلالهم، وانجلت بين ناظريه كما تنجلي نجوم السماء بعد انقشاع الغمام.

أقول لهؤلاء الماديين الذين يتبجحون بالعلم التجريبي: إن ما عرضته من معجزات الأنبياء والرسل لتكون أدلة واقعية على وجود الله عز وجل على اعتبار أنها وقعت أمام أعين الناس، هي أخبار تناقلتها المصادر التاريخية عبر العصور، فالمنطق العلمي يقتضي أن نعرضها على المختبر لتحلل وتدرس، قبل أن نصدر الأحكام جزافا. العلم في هذا المختبر يفرض على أصحاب الأخبار أن يثبتوها بما يراعي شروط القبول كما تعارف على ذلك رجال التاريخ، فإن ظهرت النتائج إيجابية، بمعنى أن مصادر هذه الأخبار موثوق بها، فهي بذلك أدلة مادية دامغة ليس أمام النفاة إلا أن يذعنوا وينصاعوا لها، أما إذا كانت النتائج سلبية، بمعنى لا ترقى مصادرها إلى أي درجة من درجات الوثوق، فليس أمامنا نحن المؤمنين إلا أن نعترف بأننا لا نملك أدلة من هذا القبيل تدل على وجود الله رب العالمين.

دعونا الآن ندخل إلى المختبر، ولنلق نظرة خاطفة بخصوص خطوات التدقيق التاريخي كما تعارف عليها رجال علم التاريخ، قديما وحديثا، ولن نجدها تخرج بأي حال من الأحوال عن الآتي:

-أولا: تقميش الأصول: أي التنقيب عن شتى الآثار التي خلفها السابقون، وجمع ما أمكن منها. وفي هذا يقول علماء التاريخ: “إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ معها”. وهي قاعدة أسس لها علماء المسلمين في الحديث النبوي الشريف قبل قرون خلت. جاء في كتاب “مصطلح التاريخ” للمؤرخ الكبير أسد رستم: “فإذا صحت القاعدة العامة -وهي صحيحة دون جدال- في أنه إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ، أقول إذا صحت هذه القاعدة، لزم على المؤرخ أن يبدأ عمله دائما بجمع الأصول، وهي لعمري حقيقة أساسية لازمة عرفها علماء الحديث قرونا عديدة، وعملوا بها قبل أن يُدرك فائدتها، وينوه بصحتها، ويحبذ العمل بها المؤرخون الحديثون، إن في أوربا، أو في غيرها من مراكز العلم الحديث. قال المحدث الشهير أبو حاتم الرازي من أعيان القرن الثالث: إذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش”[1].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

-ثانيا: امتلاك العلوم الموصلة: أي لا بد للمؤرخ أن يدرك حقيقة ما جمع من أصول، ولا يتأتى ذلك إلا بالتمكن من مفاتيح النظر فيها، ومنها علوم اللغة، والاجتماع، والفلسفة، وغيرها من العلوم المساعدة على سبر أغوار الأصول التاريخية كيفما كانت.[2]

-ثالثا: نقد الأصول: على المؤرخ أن يتريث قليلا بعد النظر في عمق الأصول التي بين يديه، حتى يتبين أصالتها وسلامتها من التزوير والتحريف. وفي هذا يستعمل علماء التاريخ نوعين من أدلة التثبت: أدلة ظاهرية تعنى بالشكل والقرائن المادية الملموسة، وأدلة باطنية تعنى بالمضمون والقرائن الأدبية.[3]

وما دمت قد عرجت على هذه الخطوات في التدقيق التاريخي من باب البحث عن مصداقية الأدلة التي عرضت آنفا، فإني أجد نفسي معنيا بهذه النقطة الأخيرة بالذات، لأنه لا تهمني هنا جملة الأصول التي جاءت بما ذكرت من معجزات الأنبياء والرسل، إلا القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

فبخصوص القرآن الكريم، يمكنني أن أجزم أنه لم يعرف التاريخ قط أصلا من الأصول أضبط وأحكم وأوثق منه على الإطلاق، فهو كتاب تناقله الناس بأعلى درجات الرواية وثوقا عن طريق التواتر، سواء مشافهة أو كتابة؛ بل إن تناقله عن طريق الحفظ في الصدور وهي الحالة الغالبة عبر العصور، بحيث يستحيل عقلا أن يتواطأ رواته على الكذب. إذن نحن أمام وثيقة من حيث صحتها وأصالتها، تعد مصدرا موثوقا به يجب أخذه بعين الاعتبار على غرار الآثار التي يعتمد عليها علماء التاريخ في إثبات الحقائق التاريخية. بقي الآن أن نطرح السؤال التالي وهو يتعلق بالأدلة الباطنية التي يبحث فيها علماء التاريخ: هل ما تضمنه القرآن يعد وحيا من الله عز وجل؟ فهذا موضوع مقال قادم إن شاء الله تعالى.

 

[1] مصطلح التاريخ، أسد رستم، مركز التراث للأبحاث والدراسات، دار الكتب المصرية -الجيزة، ط الأولى 1436/2015،  ص54.

 

[2] المرجع نفسه

[3] المرجع نفسه

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.