منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

جملة المفعول لأجله في دراسات الدكتور أيمن الشوا

اشترك في النشرة البريدية

تفرَّد الدكتور أيمن الشوا بتفرُّدات ميزته من سواه في القدرة على البحث وسبر أغوار اللغة بتؤدة وتأمل عميقين ومن ذلك ما قدمه في دراسة رصينة في مجلة محكمة بعنوان (وجهة نظر في إعراب الجمل الجملة الواقعة مفعول من أجله)1 فرغم حداثة العنوان وما فيه من تشويق، فهو عنوان جاد موضوعي ينم على اجتهاد تحليلي ودراسة استنتاجية.

انطلق الباحث في دراسته من بيان أهمية الجملة في اللغة ومن ذلك قوله: (النحو هو آلية يقتصر أثرها على إنتاج جمل صحيحة في هذه اللغة) ثم ذكر قاعدة نحوية لا جدال فيها في إعراب الجمل وهي (أن الجمل إذا أولت بمفرد فإنها تعرب إعرابه وإذا لم تؤول بمفرد فليس لها محل من الإعراب) وهذه قاعدة بنى عليها رأيه وأسس عليها اجتهاده، وقد كشف عن اختلاف النحويين في إعراب الجمل وتقسيماتها فمنهم من تفرَّد بذكر جملة المصدر (المفعول المطلق) كابن الحاجب ومنهم من عدها اثنين وأربعين قسما كأبي حيان الأندلسي، ويشار في هذا الصدد إلى أن أول من رأى أن المفعول لأجله قد يكون مصدراً مؤولًا هو السيوطي2، كما في قوله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا}.

وبعد هذا السرد المنهجي يطرح الباحث رأيه بأن المفعول لأجله قد يأتي جملة داعما ذلك بشواهد كثيرة من القرآن والحديث والشعر والنثر.

ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إني أعطي أقواما أخاف ظلعهم وجزعهم”. وقابل هذا الحديث بحديث آخر” إني معطٍ أقواما مخافةَ هلعهم وجزعهم”

وعلى هذا بنى رأيه بأن جملة (أخاف) في محل نصب مفعول لأجله، ذاكرًا المسوغات الآتية:

المزيد من المشاركات
1 من 51

1ـ اتحاد الفاعل في أعطي وأخاف.

2ـ اتحاد الوقت في أعطي وأخاف.

3ـ (أخاف) فعل قلبي.

4ـ يجوز تقدير اللام في مصدره (لخوفي).

5ـ يجوز أن يكون الفعل أخاف جوابًا لـ(لِم فعل؟).

ومثل هذا يقال في جملة (يبتغون) من قوله تعالى: {تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا}

 أي: ابتغاء، وجملة الترجي نحو قوله تعالى: {فاقصص القصص لعلهم يتفكرون}(لعلهم يتفكرون) مفعول لأجله أي: رجاء تفكيرهم.

وفي الحديث الشريف” من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله  بنى الله له مثله في الجنة”. أي: ابتغاء، وذكر أن النحويين اختلفوا في إعراب جملة (يبتغون) بين الحال والاستئناف التعليلي، وانتهى الدكتور أيمن الشوا إلى القول: إن  المصدر (ابتغاء) ورد في ثلاث عشر آية وإجماع النحويين على أنه مفعول لأجله ولعل أغلب الأحاديث التي ورد فيها الفعل (يبتغي) تعرب جملته مفعولًا لأجله.

ومن شواهد الشعر التي أوردها لجملة المفعول لأجله قول الأحوص:

فصددت عنك وما صددت لبغضة           أخشى مقالة كاشح لا يغفل 

ومن شواهد النثر قول الحكماء: (لا تطلب العلم تبتغي به الدنيا). فجملتا (أخشى) و(تبتغي) مفعول لأجله، تنطبق عليهما جميع مسوغات المفعول لأجله. 

وتطول قائمة الشواهد في هذا المقام، فالمعنى هو الذي وجه إعراب الجملة في هذه الشواهد، والإعراب والمعنى وجهان لسياق لغوي واحد إذ إن الإعراب فرع المعنى.

ولكن لا يمكن موافقة الباحث على إعراب جملة (أنا ربكم) مفعول لأجله، من قوله تعالى: { وأنا ربكم فاعبدون) وإن كان ابن جني قد نص أن المبتدأ والخبر قد يأتيان في موضع المفعول له، فهذا من حيث المعنى لا من حيث الصناعة النحوية، والله أعلم بالصواب.

مناقشة رد المجلة على رأي الدكتور أيمن الشوا:

جاءت دراسة الباحث مرفقة برأي المجلة للرد على اجتهاده، وأرى أن الصواب قد جانبها ويظهر البعد عن الموضوعية في ردها من جوانب عديدة، ومنها:

1ـ وضع الرد على الدراسة في أولها والأصل أن يوضع في نهايتها تعقيبًا عليها.

2ـ القول: إن الباحث قد خلط بين الحال والمفعول لأجله غير صحيح وإنما هو اختلاف في التأويل والقصد.

3ـ رأت المجلة أن الباحث أغفل المعنى في دراسته، وهذا رأي غريب فإنه حلل مسوغات المفعول لأجله التي تقوم على المعنى النحوي .

4ـ رأت المجلة أنه لا يجوز تأويل الفعل بمصدر إلا إذا سبق بحرف مصدري، والحق أنه رأي واهن فالمصدر المؤول يرجع إلى المصدر الصريح في تحديد الوظيفة النحوية.

5ـ لا يمكن عدُّ اختلاف التأويل بين الباحث والمفسرين منقصة في البحث لكون تأويل الباحث انتظم في سياق لغوي فصيح.

6ـ رأت المجلة أن الحال صفة ولا تكون مفعولًا لأجله، والحق أن الباحث لم يخلط بينهما فلكل منهما توجيه نحوي وهذا ظاهر في تحليل الشواهد التي أوردها في دراسته.

7ـ قول المجلة: (كل الجمل التي مثَّل بها الكاتب من القرآن الكريم على أنها مفعول لأجله جاءت في أعاريب القرآن جملاً حالية) وهذا أمر طبيعي لكونهم لم ينصوا على جملة المفعول لأجله ولكنهم لم يغلقوا الباب فتركوه مواربًا فبعضهم صنفها ضمن الاستئناف التعليلي.

8ـ رأت المجلة أن الباحث اتخذ من التعليل معيارا لتحديد جملة المفعول لأجله وهناك أساليب كثيرة للتعليل لا يمكن عدها من قبيل جملة المفعول لأجله، والحق أن الباحث لم يتخذ من التعليل وحده معياراً وإنما ذكر مسوغات عديدة هي نفسها شروط المفعول لأجله.

9ـ رأت المجلة أن في كلام الباحث تناقضًا، ففي قوله: إن معرفة الوجه الإعرابي لا يدرك إلا بثاقب الرأي ودقيق النظر وقوة الطبع واستقامة الذهن ، وبين قوله: إن الذوق السليم هو أهم شروط الإعراب.

والحق أنه لا تناقض فالذوق السليم هو السليقة الفصيحة المرادفة لقوة الطبع، فسلامة الذوق مرتبطة بقواعد اللغة وأساليبها.

وتبقى للباحث الأستاذ الدكتور أيمن الشوا فضيلة الاجتهاد وشجاعة الطرح وموضوعية التحليل.

ـــــــــــ

1 نشرت الدراسة في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق المجلد(89) الجزء (1).

2 السيوطي، همع الهوامع، ج2، ص101.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.