منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التعليم/ أثر مناهج التعليم في ترسيخ مفهوم الاقتصاد الاسلامي

الدكتور حسن محمد أحمد محمد

0

التعليم/ أثر مناهج التعليم في ترسيخ مفهوم الاقتصاد الاسلامي

الدكتور حسن محمد أحمد محمد

يقول الإمام محمد عبده: أمر التربية هو كل شئ …، وعليه يبنى كل شئ …، وكل مفقود يفقد بفقد العلم، وكل موجود يوجد بوجود العلم ..، وكل اصلاح للشرق والشرقيين لابد أن يستند إلى الدين، حتى يكون سهل القبول، شديد الرسوخ، عميق الجذور في نفوس الناس …، والناس، في التعليم، طبقات ثلاث: العامة …، والساسة …، والعلماء…، ويجب تحديد كل ما يلزم لكل واحدة من هذه الطبقات من تعليم، كمًا ونوعًا[1]، ويشمل التعليم، كل ما يتلقاه المتعلمون في المدارس النظامية، وهو يسمى بالتعليم المدرسي، أو التعليم النظامي، حيث يلتحق التلاميذ، في أغلب البلدان بشكل من أشكال التعليم النظامي، خلال السنوات الأولى من العمر، وفي التعليم النظامي يتولى المسئولون عن التربية في الدولة وضع المناهج التي ينبغي تدريسها، وعلى التلاميذ أن يدرسوا ما حدده المسؤولون بإشراف عدد من المدرسين، وعلى كل تلميذ أن ينتظم في الحضور إلى المدرسة وفي الوقت المحدد، كما عليه أن يبذل جهدًا لكي يحصل على درجات تنافسية تصل إلى50% أو تتجاوزها في الامتحانات، والتي يتحدد، على ضوئها، انتقال التلميذ من صف إلى صف، أو من مرحلة إلى أخرى[2]. ويقوم التعليم على ثلاثة أضلاع، تعد من الأهمية بمكان، وهي: المعلم، المنهج، التلميذ، فمهمة المعلم هي تقديم المناهج، المعدة من قبل مختصين في مجال التربية والتعليم، إلى التلاميذ بشكل يتوافق مع أذهانهم، كل حسب المقرر المحدد له، والمنهج أكثر شمولية من المقرر، فهو يحتوي على المقررات الدراسية وله أهداف تربوية محددة يسعى لتحقيقها، من خلال الخبرات والأنشطة المخططة والتي يوفرها خبراء التربية والتعليم؛ لمساعدة المعلمين في أداء مهمتهم التربوية[3]. كما أن التعليم هو مصطلح واسع وفضفاض، يشتمل على مجموعة من الأساليب والطرق التي تسهم في تعديل السلوك أو تغييره من خلال تلقي واكتساب المهارات المعرفية؛ مما يسهم في إحداث قدر عال وكبير في بناء المجتمعات الإنسانية. من هذا الباب نجد أن التعليم يحتاج من المجتمع إلى المتابعة بشكل مستمر ودون انقطاع، فهو (التعليم) يحتاج إلى الاصلاح، أو التطوير، وربما التغيير الجذري، أي إعادة البناء من جديد، ويحمل كل مفهوم من المفاهيم السابقة معناه الخاص به[4]:

مفهوم الاصلاح:

الاصلاح هو مفهوم يقصد منه التعديل الجزئي، في أي جانب من جوانب التعليم نحو: دمج بعض المراحل، حذف أو اضافة السنوات، اضافة أو تغيير المناهج ومقرراتها، تقسيم المسارات العلمية والأدبية، وغير ذلك مما تتطلبه العملية التربوية والتعليمية في المجتمع. ويرى الكثير من علماء التربية والتعليم، أن عملية الإصلاحات الجزئية هي أشبه ما تكون بالحجارة التي يتم وضعها في مجري نهر عظيم؛ بهدف احداث تغيير لمجرى النهر المتدفق، أي أنها بمثابة ترقيع للثوب لا أكثر ولا أقل.

التطوير:

مفهوم التطوير هو شكل من أشكال التعديل للعملية التعليمية في المجتمع، ولكنه تعديل يختلف عن سابقه (الاصلاح)، لأنه يحدث قدرًا أشمل وأعمق من التغيير في مضمون العملية التعليمية، كالتغيير الذي يجري في الأهداف والاستراتيجية، فهو يتطلب إحداث الكثير من التغيير في محتوى المنهج، وكليات وأقسام التربية التي تعنى بإعداد وتدريب المعلمين وطرق التدريس، وعملية التقويم[5].

إعادة البناء:

إن القصد من هذا المصطلح (إعادة البناء)، هو العمل على بناء مؤسسات تعليمية تختلف، اختلافًا جذريًا، عما كان سائدًا من قبل عملية إعادة البناء، أي أن اعادة البناء تمثل عملية إبدال وإحلال، ليحل النظام الجديد مكان القديم، بشكل أعمق وأشمل مما تتطلبه عمليات الاصلاح والتطوير السابقتين.

عليه فإن العملية التعليمية تحتاج، من علماء وخبراء التربية، إلى أسس وضوابط أساسية، لابد من توفرها لكي تتحقق الأهداف القومية للتربية في الأمة. وبالإمكان أن نجمل الحديث عن تلك الأسس والضوابط في ما يلي من نقاط:

  1. غايات التعليم: تتضمن طرق وأساليب التفكير، والتعلم الذاتي المستمر.
  2. التعليم والعمل: من المهم أن يكون للتعلم عائد ومردود، ولكن لابد من اعادة بناء مفهوم ربط التعليم بالوظيفة، سواء أكانت حكومية أو لم تكن.
  3. التعليم والتلقين: يجب أن يشعر المتعلم بأنه جزء أصيل في عملية التعليم؛ وذلك من خلال التعلم، أي أن يشعر المتعلم بأنه ركن أصيل في العملية التعليمية والتربوية وأنه قد اكتسب المعلومة بجهده، وليست من خلال جهد المعلم.
  4. التعليم والانفجار المعرفي: لابد أن يواكب التعليم تلك الطفرة المتسارعة والقفزة العالية التي حدثت في وسائل التقنيات المستحدثة، وأن يستفيد من التقنية العلمية التي جعلت التعلم، وليس التعليم، في متناول الجميع.
  5. التعليم والهوية: العمل الأساسي للتربية والتعليم، في كل مجتمع، هو ترسيخ الثوابت الدينية والثقافية للأمة؛ مما سيسهم في علاج المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، والأخلاقية.

مما سبق تجب الإشارة إلى أن التعليم الجيد يمثل خطوة بل قفزة في فضاء الوصول إلى التعلم، إذ إن التعليم، في العديد من دول العالم الثالث، لا يعدو كونه تلقين وتلقٍ للمعلومات ومن ثم استظهارها في أوراق الاختبارات، بينما يشكل التعلم الممتاز القدرة على اكتساب المعرفة بشكل ذاتي[6]، يقول الإمام محمد عبده: من يريد خير البلاد فلا يسعى إلا في التربية، وبعد ذلك يأتي له جميع ما يطلبه…، بدون اتعاب فكر ولا اجهاد نفس[7]، ولا ينحصر دور التعلم ومفهومه في القدرة على اكتساب المعرفة، وإنما يتعداه إلى آفاق أبعد وأرحب، ألا وهي القدرة على الاستفادة من التعليم في المواقف الجديدة التي لم يتم تعلمها في حجرات وقاعات الدراسة، حيث تروي لنا سيرة اسحاق نيوتن أنه حينما كان في الثانية والعشرين من عمره (1665م) انتشر مرض الطاعون في في جنوب إنجلترا؛ فتم إغلاق الجامعة التي كان ينتسب إليها وهي جامعة كمبريدج؛ فقضى نيوتن تلك الفترة في منزله، بعيدًا عن ممارسة التعليم التقليدي، في وقت كان فيه شديد التوق واللهفة إلى المزيد من التعليم، ويصف نيوتن تلك الحالة بقوله: كنت في ربيع عمري شديد التوق للكشف العلمي، بهذه اللهفة وبمزاج صبياني كنت جالسًا في حديقة أمي فرأيت تفاحة تسقط على الأرض، فخطرت لي فكرة أن الجاذبية الأرضية نفسها التي تصل إلى قمة الشجرة، ربما تمتد إلى ما وراء الأرض وهوائها وإلى فضاء بلا نهاية[8]. وإذا توقفنا عند المغذى الرئيس من هذه الحادثة؛ نجد أن نيوتن قد استفاد من التعليم في التعلم ليبدع للبشرية أفكارًا مبتكرة وليست بالنمطية التقليدية. أما البرت أينشتاين فيقدم لنا نموذجًا يختلف عن سابقه (نيوتن) فيقول: لقد كان على المرأ أن يحشو عقله بكل هذه المواد، سواء أكان يحبها أم لا، وكان لهذا الإجبار أثر بلغ من سوئه عليّ، أنني وجدت، عندما اجتزب الامتحان النهائي، أن أنظر في أي مشكلات علمية أمر بغيض لمدة عام كامل[9].

لقد انعكست تلك الأساليب التعليمية غير السليمة واللاسوية على عدد غير قليل من العلماء الأمر الذي أسهم، في بعض الأحيان، في نفورهم من التعليم النظامي، وهم مدركون تمامًا لأهمية التعليم وقيمته التي لا يقدرها إلا ذووه، لذلك نجدهم قد تركوا مقاعد التعليم وسعوا إلى التعلم، أي أنهم عملوا على التعلم الذاتي وهو أرقى وأسما من التعليم النظامي، فكانت لهم إسهامات أفادت منها الإنسانية بقدر فاق تصور العقل البشري، وخلدوا أسماءهم في سفر الخلود بأحرف نورانية ومداد من ماء الذهب، فكان من بينهم الفلاسفة والمفكرون والعلماء الأفذاذ، أمثال: اسحاق نيوتن (1642-1727م)، الذي لم تظهر عليه أي ملامح للذكاء وقد لاحظت والدته مهارته اليدوية فأخرجته من الدراسة لعله يفلح في نجارة أو حدادة ..، إلا أنه قد تخطى الحدود بعبقريته واكتشافاته، أما بنيامين روزفيلت (1706-1790م)، فقد ترك مقاعد الدراسة مبكرًا إلا أنه قدم للإنسانية، خلال خمس سنوات (1747- 1752م)، ما لم يقدمه يقدمه غيره من العلماء طوال سنوات حياتهم، وقد اسهم بعدد من المخترعات بجانب أنه كان صحفيًا لامعًا وسياسيًا وسفيرًا ناجحًا ورسامًا برعًا ..، وهو من بين الخمس الذين وقعوا على وثيقة استقلال أمريكا، وهذا هو كارل شيلي (1743-1786م)، والذي لم ينل حظًا من العليم يوازي منجزاته واكتشافاته لثاني أكسيد المنجنيز، وأكسيد الباريوم وفلوريد الهيدروجين..، وهناك تشارلز داروين (1809-1881م) الذي قضى، في المرحلة الثانوية، سبع سنوات لم ينل فيها سوى القليل من التعليم وكتب عنه المدير، في تقريره، أنه أبله، وقرعه والده، وهو طبيب، بقوله: إنك لا تعنى بشئ سوى صيد الكلاب واقتناص الجرزان، وسوف تكون عارًا على نفسك وعلى أسرتك، إلا أن حب المعرفة دفع داروين إلى تعلم الطب ولكنه تركه قبل أن يكمل دراسته، وبالرغم من كل هذا فقد نال داروين حظًا وافرًا من النجاح والشهرة وذيوع الصيت في مضمار العلوم الإنسانية بنظريته النشوء والارتقاء والمعروفة بنظرية التطور، والتي ضمنها كتابه (أصل الأنواع 1859م). ونختم بحادثتين أو واقعتين، الأولى للعالم جون جريجوري مندل (1822-1884م)، وتكمن الطرافة في أنه لم يفلح في الحصول على مؤهل دراسي بسبب رسوبه في مادة الأحياء، ولكن عندما بدأ بعض العلماء أبحاثهم في علم الوراثة أدركوا أن مندل قد سبقهم، بعدة عقود، في هذا المضمار، إذ أن بحثه القيم، في مجال الوراثة، والذي أرسله للنشر (1866م) قد تم اهماله الأمر الذي سبب له الكثير من الاحباط فلم ينجز شيئًا سواه حتى أدركته الوفاة. والثانية تتعلق بولهلم كونرد رونتجن الذي طرد من المدرسة عندما ضبط وهو يضحك ساخرًا من رسم كريكاتوري للمدير، وفيما بعد أصبح ولهلم عالم فيزياء ذاعت شهرته باكتشافه لأشعة (X) وقد أسهم امتشافه في كثير من الأعمال الهامة بعد ذلك، وهو أول من حصل على نوبل 1901م[10]. وغير هؤلاء هناك استيف جوبز (1955-2011م) والذي تحدثنا سيرته الذاتية بأنه لم يكمل تعليمه الجامعي ولكنه أسس أضخم وأكبر شركة في مجال الحواسيب الإلكترونية (شركة أبل) للكمبيوتر، وكان نجمًا من نجوم التكنولوجيا، ولن ننسى أسطورة التقانة والبرمجيات الحاسوبية بيل جيتس الذي أبهر العالم بإنجازاته في مضمار الحواسيب وما نجم عنها من تقدم تقني ما زال يدهش كل العالم  بخدماته المتطورة يومًا بعد  الآخر[11].

ومما يذكر في مضمار تغيير السياسات العليمية أنه في العام 1957م شعر الأمريكان بلتخلفهم، في مضمار التعليم؛ وذلك حينما أطلق الاتحاد السوفيتي، سابقًا روسيا حاليًا، أول قمر صناعي، وفي العام 1959م أطلقوا أول رائد فضاء (يوري قاقرين)، فما كان من الأمريكان إلا أن عادوا إلى مناهجهم التي لم تمسها يد التغيير منذ العام 1917م، فعملوا على بنائها واصلاحها وتطويرها، الأمر الذي ساعدهم على التفوق على منافسهيم الروس، بعد مرور غقد من السنوات، في العام 1969م حيث أنزلوا أول رائد فضاء (نيل آرم استرونج) ليمشى على سطح القمر[12].


[1]/ محمد عمارة: الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده، ص:151، ج1، دار الشروق (القاهرة)، 2008م.

[2]/ الموسوعة العربية العالمية، اصدار 2004م,

[3]/ محمد الباتع محمد عبد العاطي: المزج بين التكنولوجيا والمنهج، ص: 16، المكتبة التربوية، (مصر) 2010م.

[4]/ عمر هارون الخليفة، علم النفس في اليابان، مجلة العلوم التربوية والنفسية، العدد: الأول، ديسمبر2000م، ص:78.

[5]/ الدماغ والادراك والذكاء والتعلم: محمد زياد حمدان، ص: 36، دار التربية الحديثة، عمان – الأردن 1986م.

[6]/ حسن أحمد عيسى: الابداع في الفن والعلم، ص: 200، سلسلة عالم المعرفة (الكويت 1978م).

[7]/ محمد عمارة: الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده، ص: 39، ج1، دار الشروق (القاهرة)، 2008م.

[8]/ محمد الدنيا، هل بلغ الذكاء البشري حدوده القصوى؟، مجلة العربي العلمي، ص: 20، العدد: 22، السنة: أكتوبر2013م

[9]/ دين كيث سايمنتن، العبقرية والابداع والقيادة، ترجمة: شاكر عبد الحميد، عالم المعرفة الكويت 1993م، ص: 99.

[10]/ أكرم عبد الوهاب: 100 عالمغيروا وجه العالم، ص: 71 وما بعدها، دار الطلائع (مصر) 2005م.

[11]/ كارن بلومنتال: ستيف جوبز، ص: 9، ترجمة عبد المقصود عبد الكريم، مؤسس قطر للنشر (قطر) 2012م.

[12]/ محمد الباتع محمد عبد العاطي: المزج بين التكنولوجيا والمنهج، ص: 13، المكتبة التربوية، (مصر) 2010م.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.