منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

4- الإعجاز الاقتصادي في نظام الإرث، وحفظ أموال اليتامى

سلسلة؛ الإعجاز الاقتصادي في القرآن والسنة-الدكتور أحمد الإدريـــسي

0
اشترك في النشرة البريدية

مقدمة:

رأينا في المقالات السابقة نماذج من الإعجاز الاقتصادي للقرآن الكريم، نجد فيها أن القرآن قد سبق علم الاقتصاد الحديث بقرون طويلة، في مجال الرشد الاقتصادي وتعظيم المنافع والأرباح. وقد وجدنا أثر ذلك على علماء المسلمين الذين فسروا هذه الآيات، كل منهم بقدر علمه، مع ما قد يظهر من أن هذه الآيات يمكن أن يفهمها في الظاهر كل أحد. وقد ذكر الإمام الغزالي أن في القرآن مجامع علم الأولين والآخرين، ورموزاً ودلالات يختص أهل العلم بإدراكها، وأن في معاني القرآن متسعاً لأرباب الفهم، والعقول السليمة.

أولا: في أموال اليتامى:

قال الله تعالى عن أموال اليتامى: “وَلا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” (الأنعام:152). فالمعنى الاقتصادي هو أن أموال اليتامى يجب أن تكون محفوظة الأصل، وأن يكون نماؤها موفوراً أعظم ما يكون. قال الإمام الرازي: (يسعى في تنميته، وتحصيل الربح به، ورعاية وجوه الغبطة[1] له)[2].

وقد فهم الفقهاء من هذه الآية وجوب ترتيب الولاية على مال القاصر ترتيباً يقصد منه تعظيم مصالح القاصر، فالأب أولى بالولاية من غيره، قالوا: لحرصه على مصالح ابنه، ووفور شفقته عليه، واهتمامه بجلب أعظم ما يمكن من المصالح له، ودرء أقصى ما يمكن من المفاسد عنه.

المزيد من المشاركات
1 من 6

كما فهم الفقهاء من هذه الآية أيضاً وجوب الحرص على منافع اليتيم، بالسعي إلى أعظم ثمن ممكن، إذا بيع ماله أو عُرض للكراء.

وتحدث الماوردي في باب تصرف الوصي بمال اليتيم، عن: الاجتهاد في توفير الثمن حسب الإمكان، فإن باعه بثمن هو قادر على الزيادة فيه لم يجز… لأن ترك الزيادة، مع القدرة عليها، عدول عن الحظ (النفع العظيم) لليتيم. كما أوجب الماوردي: (أن يكون البيع عند انتهاء الثمن، أي؛ وصوله إلى النهاية العظمى، وكمال الربح، من غير أن يغلب على الظن حدوث زيادة فيه، لما في بيعه قبل كمال الربح من تفويت باقيه، فإن باعه مع غلبة الظن في حدوث الزيادة في ثمنه لم يجز، لعدم الحظ لليتيم في بيعه)[3].

وشدد القرآن الكريم في عقوبة أخذ مال اليتيم بغير حق، قال عز وجل: “إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرًا” (النساء:10). ولا يقتصر هذا على مال اليتيم، بل يمتد إلى مال الوقف، والمال العام، وإلى كل ولاية على مال الغير، كولاية الوكيل والمضارب، ولكن نص في القرآن على اليتيم لضعفه.

وقد ربط الإسلام بين الميراث وأموال اليتامى، روى الإمام الطبري عن ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: “إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرًا” قال، قال أبي: إن هذه لأهل الشرك، حين كانوا لا يورَّثونهم، ويأكلون أموالهم.

ثانيا: في نظام الميراث؛

من الإعجاز المستنبط من نظام الإرث أن الشريعة الإسلامية وازنت بين قوة القرابة والحاجة إلى المال، فأقرباء الهالك أحق الناس وأولاهم بثروته. فمنع تكديس الأموال وتجميعها بإحداث نظام التوريث للأموال وتقسيمها بين الورثة من الذكور والإناث بنسب مفروضة ومحددة على الأصول والفروع والحواشي، ما يجعل الثروة تتفتت وتتوزع خلافا للنظم -القديمة والحديثة- التي تجعل المال الموروث في أياد قليلة سواء وصية أو قانونا.

ثم وضع الإسلام قواعد عامة للمواريث واحترم الملكية الفردية، وهذا من الدوافع التي تحفز الإنسان على بذل الجهد في تكثير المال وحمايته من التبذير والعبث، وعلى الاستثمار والإنتاج. ويتجلى جانب الإعجاز في الإرث فيما يلي:
1- نظام الميراث في التشريع الإسلامي جاء كاملاً، ولم يحتاج لأية إضافة أو تعديل، أو تطور، بخلاف غيره من النظم التي احتاجت إلى الكثير من الوقت حتى تتبلور وتتضح معالمها.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 19

2- راعت صياغة هذا النظام في القرآن الكريم مصلحة الإنسان فرداً وأسرة ومجتمعاً.
3- جاء نظام الميراث منتظما ومتكاملا في ثلاث آيات من القرآن الكريم في سورة النساء بنفس الأسلوب القرآني الذي يخاطب العقل والوجدان.

4- يراعي نظام الميراث في الإسلام مصلحة الإنسان، ويتناسق مع فطرته، لأنه تشريع رباني أنزله الذي خلق الإنسان، ويعلم ما يصلحه.
5- نظام الميراث في التشريع الإسلامي لم يستفد من النظم السابقة عليه، ولم يتأثر بها، ولم يقتبس منها.

6- تأثر القانون الفرنسي بالفقه الإسلامي في نظام الإرث، خاصة في الفقه المالكي، أمر معروف مشهور في الأوساط العلمية.

وقد قدم المولى عز وجل الوصية والدين على الميراث، كما قدم الوصية على الدين، قال تعالى: “من بعد وصية يوصى بها أو دين”، وقال تعالى: “من بعد وصية توصون بها أو دين”، مع العلم أن الوصية مندوبة في أكثر أحوالها وقضاء الدين واجب.

وتمام الإعجاز هنا في تقديم الوصية على الدين وذلك تنبيه وحث المسلم على تنفيذ الوصية، حتى لا تضيع الحقوق المالية، أو يلحقها الإهمال.

كما أن؛ “صفة العلم جاءت في أواخر جميع آيات المواريث؛ “إن الله كان عليما حكيما”، “والله عليم حكيم”، “والله بكل شيء عليم”، تؤكد أن الله تعالى هو العالم بمصلحة العبد في المواريث، وغيره. واقترن العلم بالحلم في أحد آيات المواريث، “وهذا تحريض على أخذ وصية الله وأحكامه بقوة وتنبيه إلى أنه تعالى فرضها وهو يعلم ما فيها من الخير والمصلحة”[4].

ومن الأحاديث الموقوفة عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم؛ روى الإمام مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (اٍتَّجٍرُوا فٍي أَمْوَالٍ اَلْـيَتَامَى لا تَأْكُلُهَا اَلزَّكَـاةُ). جاء في كتاب القبس لابن العربي: (روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حث على التجارة في أموال الصبيان أولياءَهم؛ لئلا تأكلها الصدقة…)[5]. وهنا تأكيد آخر لحفظ الحقوق المالية.

خــاتمـة:

التشريعات المتعلقة بالميراث تعالج قضية مهمة في الواقع الإنساني؛ ألا وهي قضية التعامل بالمال، إذ تشتد المنافسة في طلبه والحرص عليه، وكثيرا ما تقع بسببه الخصومة والعداوة، والشحناء بين الأقارب. كما أن الورثـة هـم أقرب الناس لبعضهم في الغالب والشرع الحكيم يحرص في أحكامه علـى حفظ الحقوق، وحفظ العلاقة الاجتماعية في المجتمع المسلم لاسيما بين الأقرباء.

إن التشريعات والأحكام التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية والمتعلقة بالفرد والأسرة والمجتمع في كافة مجالات الحياة تشريعات ربانية متكاملة لا تترك من أمور الحياة صغيرة ولا كبيرة إلا عالجتها وقننتها، ووضعت لها ضوابط لصلاح الفرد والمجتمع.

والحمد لله رب العالمين.


[1]– مصطلح فقهي بمعنى المنفعة القصوى.

[2]– تفسير الرازي ج: 13/ ص: 234. (دار الفكر، طبعة: 1401هـ-1981م).

[3]– الماوردي، الحاوي. تحقيق محمد مطرجي. ج: 6/ ص: 446. (دار الكتب العلمية،

الطبعة الأولى، 1414هـ1994م).

[4] – محمد رشيد رضا، تفسير المنار. (طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1973م). ج:4/ ص:420.

[5]– القبس في شرح موطأ ابن أنس، لابن العربي، تحقيق أيمن نصر الأزهري وعلاء إبراهيم الأزهري.

(دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى: 1419هـ-1998م). ج: 2 / ص: 85-86.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.