منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سلسلة الإعجاز الاقتصادي في القرآن والسنة: (1) -دراسة في المفهوم-

0
اشترك في النشرة البريدية

تقديم:   

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

لقد اتهم علماء هذه الأمة بالإعجاز في القرآن الكريم والسنة النبوية منذ القرون الأولى، وأخذ اهتمـامهم يزداد كلما ازداد عمقهم في آي القران وأحاديث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وكلما تطورت معارفهم ووسائل البحث والمعرفة وتقدم العلم.

ومن وجوه الإعجاز في القرآن والسنة ما عرف بالإعجاز العلمي، وقد ذهب عدد من المفسرين ومنهم الإمام المراغي إلى أن ذلك لا يعني أن القرآن قد اشتمل على جميع العلوم، جملة وتفصيلاً، إنما المعنى أنه أتى بأصول عامة لكل ما يهم الإنسان معرفته لصلاح الدين وإعمار الدنيا.

ومن أنواع الإعجاز العلمي للقرآن والسنة؛ الإعجاز الاقتصادي، حيث تحدثت آيات وأحاديث عن علم الاقتصاد والمعاملات المالية، كما تبيَّـن جليـاًّ مدى إسهام تلك البحث في هذا النوع من الإعجاز في فهم خطاب النص الشرعي.

المزيد من المشاركات
1 من 5

أولا: مفهوم الإعجاز الاقتصادي.

1- الإعجاز العلمي في القرآن الكريم:

الإعجاز يعني التحدي مع عجز الجهة التي تم تحديها، القرآن الكريم معجز في لفظه، وبلاغته وغيبه وتشريعاته، ومن ذلك الإعجاز العلمي؛ فقد أشار القرآن إلى معلومات علميّة كثيرة في عدد من الآيات، وانتشر الاعتقاد بأن القرآن بيّن عدّة نظريات علمية معروفة، قبل اكتشافها بسنين عديدة، والمسلم يؤمن أن الله هو خالق الكون وبما أن القرآن هو كلامه فإنه من المستحيل أن يتعارض مع الحقائق العلمية التي تم وسيتم اكتشافها بعد نزول القرآن.

وعندما نـتدبر الآيات التي وردت في الإعجاز، والتحدي بالقرآن العظيم نجد أن هذا التحدي ليس موجهاً إلى العرب فحسب، ولكن إلى كل الإنسان، مما يشعرنا بأن هذا التحدي بوجوه تعجز هؤلاء جميعاً. ويشمل الإعجاز العلمي في القرآن الكريم الإعجاز الاقتصادي.

2- مفهوم الإعجاز الاقتصادي:
الإعجاز الاقتصادي هو أن يتضمن القرآن الكريم أو السنة النبوية حقائق اقتصادية في المال والأنشطة الاقتصادية والتخطيط الاقتصادي لا يمكن للعقل البشري أن يصل إليها في عصر الرسالة، أو أن يتضمنا أخباراً غيبية في زمن نزول الوحي تحققت في عصرنا الحاضر، مثل الإخبار عن الربا بأنه محق، وعن الصدقات بأنها زيادة.

فالإعجاز الاقتصادي يعني توافق النص القرآني مع مقتضيات العلم الحديث أو وجود تصريحات تؤكد حقائق اقتصادية ومالية عرفت لاحقـاَ، تتعلق بنفسية الإنسان في اكتساب وإنفاق المال، وطرق تعامله مع المال.

ثانيا: الإعجاز الاقتصادي في القرآن الكريم.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 17

يتحقق الإعجاز الاقتصادي من خلال إبراز الجوانب الآتية:

الأول: النظرة الشمولية للإعجاز الاقتصادي.
الثاني: الجانب العلمي والتنظيري، بحيث أثبت القرآن الكريم مجموعة من المبادئ والقواعد العامة والمعلومات الدقيقة حول إدارة الثروة إدارة رشيدة لم يُسبق بها، ولم تصل إليها النظريات الحديثة.

الثالث: التخطيط الإداري الاقتصادي كما في قصة يوسف عليه السلام.

الرابع: ما يتعلق بالتطبيقات العملية والتطبيقية من خلال العقود المنظمة للأنشطة الاقتصادية، أو النظريات العملية الناجحة.
الخامس: الجانب الغيبي المتعلق بالاقتصاد.

ومن الأمثلة على ذلك ما كتبه العالم الاقتصادي الفرنسي موريس آلي، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، كتابا بعنوان؛

“الشروط النقدية لاقتصاد الأسواق: من دروس الأمس إلى إصلاحات الغد”،

ذكر فيه شرطين من أجل إعادة التوازن للأسواق والاقتصاد، وهما:
1- أن يكون معدل الضريبة في حدود دنيا لا تتجاوز 2% في المائة .
2- أن يكون معدل سعر الفائدة في حدود الصفر (أي بدون ربا).
وهذا ما يتطابق وينسجم تماما مع مبادئ الاقتصاد الإسلامي. ولذلك نجد أن الهدف الأسمى للاقتصاد الإسلامي من خلال نصوص الشريعة ومقاصدها هو الوصول إلى اقتصاد متزن ومتوازن.
وقد دلت التجارب والوقائع وأثبت التاريخ أن هذا التوازن لن يستطيع البشر أن يحققه وحده بدون هداية ربانية، ولذلك كانت تشريعات الإسلام قائما على هذا التوازن في جميع أوامرها ونواهيها وإرشاداتها وتوجيهاتها، فبدون الميزان الدقيق لهذا التوازن لن يتحقق العدل قطعاً، بل يكون العالم مرة يميل نحو اليمين، ومرة نحن اليسار، والحق دائماً هو الوسط والصراط المستقيم، ولذلك نرى الآية بوضوح تربط بين الميزان وتحقيق العدل (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)  وأمام فشل الأنظمـة الاقتصادية الدولية الوضعية،وجد العالم الحل المعجز في النظام الاقتصادي الإسلامي حيث تفادى كل العيوب الاقتصادية والمالية التي عرفتها هذه الأنظمة.

ثالثا: الإعجاز الاقتصادي في السنة النبوية.

أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم وبدائع الحِكَم، فكان يقول الكلمات القليلة والألفاظ اليسيرة تحتوي على معاني جامعة وعظيمة. وقد توافقت أحاديث نبوية كثيرة مع مقتضيات العلم الحديث وتضمنت حقائق اقتصادية ومالية تصريحات أو تلميحـاَ عرفت زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أو اكتشفت لاحقـاَ، وأغلبها إما أن تبين طرق التعامل مع المال أو تتعلق بنفسـية الإنسان في اكتساب المال وإنفاقه. كما أثبتت السنة النبوية مجموعة من المبادئ والقواعد العامة والمعلومات الدقيقة حول إدارة الثروة إدارة رشيدة غير مسبوقة.

وتشهد وثائق تاريخية بسبق المسلمين لعلماء الاقتصاد اليوم بنظريات اقتصادية فريدة في مجالات اقتصادية شتى: في التنمية والنمو وسبل القضاء على البطالة والتعطل ودور النظام الضريبي في إرساء العدل أو الخراب وتدمير الثروة.ومرد ذلك كله النهي عن الظلم من خلال نفي الضرر والضرار في آن واحد. لأن الضرر يعيق النمو الاقتصادي والضرار يفسده ويبطل حركته.ولذلك جاء هذا الهدي النبوي في منع الضرر والضرار من اجل جلب المصالح للناس ودرء المفاسد عنهم.

وتُعَـدُّ الإشارات العلمية الواردة في السنة النبوية من أبرز الدلائل على سبق النبي صلى الله عليه وسلم العلمي، وفي بيئة بدائية لا تملك مفاتيح العلم والمعرفة.

وللتعامل مع قضية الإعجاز العلمي في السنة النبوية ضوابط يجب أن تراعى؛ منها:

– اختيار الأحاديث المحتوية على إشارات إلى الكون ومكوناته وظواهره.

– التثبُّت من معرفة درجة الحديث.

– استبعاد كل الأحاديث الموضوعة.

– جمع الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد؛ لأن بعضها يفسر بعض.

– فهم النص النبوي وفق دلالات الألفاظ في اللغة العربية وقواعدها وفي ضوء سياقه وملابساته.

– فهمه في ضوء القرآن الكريم؛ لأن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم شارحة لكتاب الله، ومبيِّنة لدلالات آياته.

– كما أنه ينبغي ألاَّ يُؤَوَّل حديث النبي صلى الله عليه وسلم لإثبات نظرية علمية تحتمل الشكَّ والصواب، ولكن يجب التعامل فقط مع الحقائق العلمية الثابتة.

خاتمة:

لقد قام الشرع الحكيم على التوازن؛ والتوازن في المفهوم الاقتصادي تساوي العرض والطلب في النظام ودواليبه المختلفة وأسواقه المتعددة: تساوي العرض والطلب في سوق النقد فلا يكون هناك تضخم ولا انكماش، وفي سوق العمل فلا بطالة ولا فائض عمالة، وفي سوق السلع والخدمات فلا فائض في الإنتاج يهدر ولا اعتماد على الخارج يكرس التبعية والارتباط بالأجنبي، وفي سوق المال فلا عجز في الميزانية يقود إلى الاستدانة ولا فائض عن الحاجة يرمى به في البنوك الأجنبية تعبث به كيف تشاء، وهكذا.

من هنا تأتي أهمية النماذج التي سنراها من الكتاب والسنة، مثل؛ “يمحق الله الربا ويربي الصدقات”، وحديث “لا ضرر ولا ضرار”، لتحقيق التوازن المفقود اليوم في ظل نظام يعج بالمظالم ويقوم على تكريس الفوارق بتعميق الثراء الفاحش والفقر المدقع. وبالتالي القضاء على مصادر الظلم والحيف الاقتصادي بكل أشكاله ومظاهره.

وسأقدم في هذه السلسلة نماذج الإعجاز الاقتصادي للقرآن الكريم والسنة النبوية، نجد فيه أنهما قد سبقا علم الاقتصاد الحديث في مجال الرشد الاقتصادي، وتثبيت القيم الأخلاقية في السياسة المالية وتعظيم المنافع والأرباح.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.