منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإعجاز الاقتصادي في تحريم الربا

سلسلة؛ الإعجاز الاقتصادي في القرآن والسنة -2-

0
اشترك في النشرة البريدية

إن المقصود بالإعجاز الاقتصادي هو أن يتضمن القرآن الكريم أو السنة المشرفة (منفردين أو مجتمعين) حقائق اقتصادية في المال والأنشطة الاقتصادية والتخطيط الاقتصادي، يعجز العقل البشري أن يصل إليها في عصر الرسالة، أو أن يتضمن القرآن الكريم أو السنة أخبارا غيبية في عصر الرسالة تحققت في عصر من العصور، مثل الإخبار عن الربا بأنه محق، وعن الصدقات بأنها زيادة. لذلك اهتم العلماء بهذا النوع من الإعجاز كلما ازداد عمقهم في آي القران وأحاديث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وكلما تطورت معارفهم ووسائل البحث والمعرفة وتقدم العلم؛ زاد اهتمـامهم بهذا البيان والإعجاز.

أولا: البيان اللغوي في ءايات الربا

1- مصطلح المحق، في قوله تعالى: “يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا”. المحق: كلمة تدلّ على النقصان، ومحقّه: نقصه، والمحاق: آخر الشهر إذا تمحّق الهلال. ومحقه الله: ذهب ببركته.

والجانب الغيبي الذي تحدث عنه القرآن الكريم هو محق الربا حيث يقول تعالى: “يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ” (البقرة:175). وهذا ما تحقق فعلاً خلال الأزمات المالية وبخاصة الأزمة المالية منذ سنة 2008 وما زالت آثارها إلى اليوم.

2- التخبط من المس: ورد في قوله تعالى: “الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ” (البقرة:274). أي أنه لما سلبت عقولهم في طلب المكاسب الربوية خفت أحلامهم وضعفت آراؤهم، وصاروا في هيئتهم وحركاتهم يشبهون المجانين في عدم انتظامها وانسلاخ العقل الأدبي عنهم. قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: (قال ابن عطية: وأما ألفاظ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بحرص وجشع إلى تجارة الدنيا بقيام المجنون؛ لأن الطمع والرغبة تستفزه حتى تضطرب أعضاؤه، وهذا كما تقول لمسرع في مشيه يخلط في هيئة حركاته إما من فزع أو غيره: قد جن هذا!)[1].
3-“يـأكلون”: هذا الفعل له دلالة اقتصادية، وهي أنهم يكسبون الربا ويفعلونه. وإنما خص الأكل بالذكر لأنه أقوى مقاصد الإنسان في المال، ولأنه دال على الجشع وهو أشد الحرص، يقال: رجل جشع بين الجشع وقوم جشعون، قاله في المجمل. فأقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب كله، فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال داخل في قوله:”الذين يأكلون”)[2].

المزيد من المشاركات
1 من 6

4- فأذنوا بحرب: من معاني هذه الكلمة أن يسلط الله على آكل الربا المشاكل في حياته، وتُـنزع البركة من رزقه، فيبقى دائما في صراع مع أمواله وشهواته. كما أن الربا يسبب حروبا اقتصادية وسياسية واجتماعية، ويسبب أخطارا جسيمة ومدمرة للدولة والمجتمع وهو سبب رئيسي لحدوث الفساد المالي والاقتصادي محليا ودوليا.

ثانيا: التنبأ بالانهيار الاقتصادي:

أمام فشل النظامين الدوليين نجد أن النظام الاقتصادي الإسلامي قد تفادى كل هذه العيوب الجوهرية والعملية، فحينما ساد الفكر الشيوعي طبق على أشلاء الدكتاتورية الظالمة وحينما طغت الرأسمالية الحرة ترتب عليها رد فعل عنيف أكثر ضرراً.

وقد ورد هذا التنبأ في القرآن الكريم في قوله تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا). وتحقق فعلاً خلال الأزمات المالية وبخاصة الأزمة المالية الحادة 2007- 2008 والتي لا زالت آثارها قائمة إلى اليوم. وتوصل بعض الاقتصاديين إلى ذلك من خلال الدراسات التحليلية، منهم: الدكتور شاخت مدير بنك الرايخ الألماني سابقاً في محاضرة له بدمشق عام 1953م، ومنهم الشيخ أبو الأعلى المودودي في كتابه: “أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة”.

فحينما يكون العقد عقد ربا تجتمع جميع الايجابيات لصالح المقرض، فقرضه مضمون، والزيادة المشروطة أيضاً مضمونة، في حين أن المقترض محمل بكل السلبيات، فهنا اختل التوازن، ويترتب على هذا الاختلال اختلال اقتصادي واجتماعي له آثاره الخطيرة التي ظهرت خلال الأزمات الاقتصادية ولا سيما خلال الأزمة المالية الأخيرة.

وكلما اختل هذا التوازن يصبح العقد باطلاً ومحرماً، فمثلاً في عقد القرض وضع في كفة المقرض ايجابية وسلبية : فالايجابية هي ضمان مبلغه في جميع الأحوال بمجرد قبضه، والسلبية هي انه ليس له حق المطالبة بأي زيادة مهما كانت النتائج، وأما كفة المقترض فتضح إجيابية تتمثل في عدم مطالبته بأي زيادة حتى ولو استثمر القرض وحقق أرباحاً، ولكنها تضم أيضاً سلبية ضمان المقرض له في جميع الأحوال.

ثالثا: الإعجاز في البدائل الشرعية وفي ميزان العدل.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 19

قدم الشّـرع الحكيم بدائل تُحقق العدالة والتوازن الدقيق بين حقوق وواجبات العاقدين، مثل المضاربة حيث إن كفة المضارب فيها ايجابية عظيمة وهي حرية التصرف فيه، وعدم ضمانه لرأس المال إلاّ في حالة التعدي والتقصير والإهمال ومخالفة الشروط، والعرف التجاري، وفي مقابلها سلبية أن الأرباح التي حققها المضارب بخبرته العظيمة يشارك فيها رب المال الذي لم يشترك في الإدارة أصلاً، وأما كفة رب المال فتضم إيجابية وهي المشاركة في الأرباح المحققة حسب الاتفاق، وفي مقابلها أن ماله ليس مضموناً إلاّ في حالات معدودة ومضبوطة.

ويتحقق الإعجاز في ميزان العدل في جميع العقود الإسلامية، والظلم والاختلال في الربا ونحوه فالله تعالى أنزل نظاماً دقيقاً يقوم على أساس التوازن، والمساواة الحقيقية بين الحقوق والواجبات لكل من العاقدين -المقرض والمقترض- لتصبح كفتا الميزان متعادلتين، وأن الربا هو ظلم وخلل في هذا الميزان كما سماه القرآن الكريم بالظلم فقال تعالى: “وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ” (البقرة:178)، حيث وزع الإسلام حقوق العقد وواجباته على كفتي الميزان (أي العاقدين) بعدالة ومساواة دقيقة.

وشرع الإسلام أيضا المشاركة في الأموال والمساقاة والمزارعة، ففي هذه الحالات فإن رأس المال يأخذ قسطاً من الأرباح المحققة ما دام في مقابله، وهذا يدل على أن للزمن قيمة محسوبة لرأس المال ولكن ليس له وحده وإنما عندنا تطبق قاعدة “الغنم بالغرم”.

ونجد كذلك الإعجاز الاقتصادي في التخطيط الإداري الاقتصادي كما في قصة يوسف عليه السلام، وفي سبق الإسلام بمبدأ سلطان الإرادة. كما سنرى في مقالات مقبلة إن شاء الله تعالى.

خاتمة:

الخلاصة أن الإعجاز التشريعي في تحريم الربا -الذي يعرف باسم الفائدة- عن طريق ثلاثة جوانب ثلاثة، وهي:

– أن الربا يخالف المنهج العلمي السليم ويتوافق مع المنهج المالي الإسلامي ومع المنهج العلمي المنطقي؛ “وأحل الله البيع وحرم الربا”، حيث يوجب البيع تحمل الخسائر واستحقاق العائد الفعلي، واستبدل المشرع بالربا القرض الحسن والشركة ووضع أركانها وقواعد توزيع العائد.

– أن التشريع الإسلامي حرم الربا مع تقنين بدائل متكاملة تقوم بالوظائف الاقتصادية والمالية التي تغني المجتمع عن الحاجة له، فقدم تنظيما متكاملا لوظيفة النقد حتى لا يستخدم سلعة بما يؤدي لتذبذب قيمته وضياع وظائفه الأصلية معيارا لقياس القيمة، مع ملاحظة صلاحية هذه البدائل للتطبيق في كل زمان ومكان.

– أن الربا يسبب أخطارا جسيمة ومدمرة للمجتمع كله، وهو سبب أساس للفساد المالي والإداري محليا ودوليا.

يقول سيد قطب رحمه الله: (لم يبلغ من تفظيع أمر أراد الإسلام إبطاله من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الربا. ولا بلغ من التهديد في اللفظ والمعنى ما بلغ التهديد في أمر الربا – في هذه الآيات وفي غيرها في مواضع أخرى – ولله الحكمة البالغة… فهذه الجملة المفزعة البادية في هذه الآيات على ذلك النظام المقيت، تتكشف اليوم حكمتها على ضوء الواقع الفاجع في حياة البشرية)[3].

[1]– الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي، ج: 1/ ص: 388-389.

[2]– الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي، ج: 1/ ص: 389.

[3]– سيد قطب، في ظلال القرآن. ج: 1/ ص: 318.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.