منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سلسلة؛ الإعجاز الاقتصادي في القرآن والسنة.

(5) أهمية الإعجاز الاقتصادي في فهم النصوص الشرعية د. أحمد الإدريـــسي.

0

 

أولا: أهمية الإعجاز الاقتصادي في فهم الخطاب الشرعي من حيث اللغة.

ألفاظ القرآن دقيقة ومحكمة وهناك لون من ألوان إعجازه هو الحديث عن بعض المسائل العلمية التي ثبت صدقها مؤخراً، وذلك للدلالة على أن القرآن ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم، بل هو من عند لله العليم الخبير. ‏
وإذا التأمل في بعض هذه التعبيرات نجد أنها محايدة في الأمور التي يختلف الناس عليها ولم يصلوا بعد إلى معرفة أسرارها، وذلك ليدع مجال الفكر مفتوحاً للباحثين، ليصلوا إلى آخر شوط ممكن. ولمزيد من البيان، أقدم أمثلة:

1- مصطلح الرشد:

يُـعد الرشد الاقتصادي من الفروض الأساسية التي ينبني عليها علم الاقتصاد المعاصر ويعتبر معظم الباحثين أن السلوك الاقتصادي هو سلوك رشيد بوجه العموم. وحقيقة الرشد كما بينه علماؤنا رحمهم الله هو صلاح الدين والدنيا، والطاعة لله، وضبط المال، وبه قال الحسن والشافعي[1]، قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: “وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ “[2]: (واختلف العلماء في تأويل “رشدتً”، فقال الحسن وقتادة وغيرهما: صلاحا في العقل والدٍّين، وقال ابن عباس والسّدي والنووي: صلاحا في العقل وحفظ المال)[3]. وقال ابن العربي: (وإذا سُلّم المال بوجه الرشد، ثم عاد إلى السّفَه بظهور تبذير وقلة تدبير عاد عليه الحجر)[4].

المزيد من المشاركات
1 من 7

وأصبح مفهوم “الإنسان الاقتصادي” الرشيد، محور علم الاقتصاد الحديث. وكانت المصلحة الذاتية تعتبر المنبع الذي تصدر عنه أفعاله. كما كان سلوكه كله مطابقًا لما دعاه أحد كبار الاقتصاديين جيفونز Jevons “آلية المنفعة والمصلحة الذاتية”. و”مسئوليته الاجتماعية الوحيدة هي أن يزيد ربحه” كما قال فريدمان (Friedman) وقد سوّت النظرية المحضة بين التصرف الرشيد والعمل للمصلحة الذاتية. بل إنّ أدجورث (Edgeworth) أعلن بفخار: “إن المبدأ الأول لعلم الاقتصاد وهو أن كل عامل لا تحركه إلا المصلحة الذاتية”.

2- مصطلح “الضٍّـرار”:

لقد جاءت تعاليم السنة النبوية لتبين مواطن عديدة من الظلم في شتى أنواع المعاملات الجارية بين الناس مثل الضرار في البيع كبيع المضطر: وهو أن يكون الرجل محتاجاً لسلعة ولا يجدها، فيأخذها من بائعها بزيادة فاحشة عن ثمنها المعتاد. أخرج أبو داود من حديث علي رضي الله عنه: أنه خطب الناس فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر. وكذلك الغَبْنُ الفاحش: إذا كان المشتري لا يحسن المماكسة (المفاصلة) فاشترى بغبن كثير، لم يجز للبائع ذلك. وفي مذهبي مالك وأحمد أنه يثبت له خيار الفسخ أي التراجع عن البيع لوجود الضرر.

3- مصطلح “النَّـجَش:

الأصل في هذا المصطلح الحديث الذي رواه الإمام البخاري وغيره، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهٍ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ النَّجْشِ)[5]. قال الإمام مالك: (وَالنَّجْشُ أَنْ تُعْطِيَهُ بِسِلْعَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا، وَلَيْسَ فِي نَفْسِكَ اشْتِرَاؤُهَا فَيَقْتَدِىَ بِكَ غَيْرُكَ)[6].

فبيع النجش يكون من خلال تواطؤ البائع مع مشتري وهمي ليرتفع السعر وهو عين ما يجري اليوم في الأسواق المالية عبر المضاربات الصورية وترويج الإشاعات بهدف رفع الأسعار وقيمة الأسهم.

ثانيا: أهمية الإعجاز الاقتصادي في فهم النص الشرعي من حيث التشريع.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 20

إن فهم النصوص الشرعية وفق دلالات الألفاظ في اللغة العربية، ووفق قواعدها، وفهم النص النبوي في ضوء سياقه وملابساته، وفهمه في نور القرآن الكريم؛ لأن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم شارحة لكتاب الله، ومبيِّنة لدلالات آياته. ثم إن النقص إذا كان يعتري بعض الدراسات في مجالي التأويل العلمي أو التفسير العلمي فإنه لا يصح أن يكون ذلك حكما على جميعها. كما يجب أن لا يحملنا إسراف بعض المسرفين إلى إنكار التفسير العلمي إنكاراً تامـاًّ.
وقد أيَّـد أصحاب الرأي المعتدل التفسير العلمي، فسيد قطب، مثلا، بعد اعتراضاته الكثيرة على التفسير العلمي قال: (ولكن هذا لا يعني ألا ننتـفع بما كشفه العلم من نظريات ومن حقائق عن الكون والحياة والإنسان في فهم القرآن.. كلا! إن هذا ليس الذي عنينا بذلك البيان ولقد قال الله سبحانه “سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق” ومن مقتضى هذه الإشارة أن نظل نتدبر كل ما يكشفه العلم في الآفاق وفي الأنفس من آيات الله تعالى، وأن نوسع بما يكشفه مدى المدلولات القرآنية)[7]. ويقول الدكتور الذهبي: (وحسبهم أن لا يكون في القرآن نص صريح يصادم حقيقة علمية ثابته، وحسب القرآن أنه يمكن التوفيق بينه وبين ما جد ويجد من نظريات وقوانين علمية تقوم على أساس من الحق وتستند إلى أصل من الصحة)[8].
والحقيقة أن المؤيدين للتفسير العلمي والمعترضين عليه كلهم يقرون ويعترفون أن القرآن الكريم لم ولن يصادم حقيقة علمية، وقد يحسب أحد أن السلامة من مصادمة الحقائق العلمية أمر هين وما على المتكلم إلا أن يتجنب الخوض في المجالات العلمية وأسرار الكون وبذلك يظفر بالسلامة.

إن استخدام المعلومات والمعارف العلمية في تفسير آيات القرآن الكريم سيجعل معاني الآيات، خاصة آيات القرآن الكونية، وآيات الأحكام الاقتصادية والمالية أكثر وضوحاً، وربما أكثر صواباً من تلك التفاسير التي أكثرت من الاعتماد على الفهم المجازي وعلى صرف الآيات إلى أحداث يوم القيامة. وسيضاف إلى التفاسير التفسير العلمي يفسر الآيات على ضوء المعلومات العلمية، لذلك ستتسع دائرة فهم القرآن الكريم كما تدرك الحكمة من بعض التعاليم والتشريعات الواردة بالقرآن الكريم. وفي رأيي لا يجوز للباحث أن يسارع إلى الخوض في التفسير العلمي عموما، والتفسير الاقتصادي خصوصا إلا بعد استيفاء شروطه وضوابطه، وأهمـها:
1 – أن يكون التفسير العلمي للآيات الكونية مطابقاً لمعنى النظم القرآني.
2 – أن لا يخرج عن حد البيان إلى عرض النظريات العلمية المتضاربة.
3 – أن يتحقق الباحث من ثبوت القضايا العلمية التي يفسر بها معاني الآيات الكونية.
4 – أن لا يحمّل الآيات حملاً على النظريات العلمية.
5 – أن يلتزم بالمعاني اللغوية للآيات، لأن القرآن عربي مبين.
6- تجريد البحث عن جميع الاحتمالات المظنونة، فلا تفسير إلا بما هو ثابت.
7- جعل الآيات الكونية أصلاً في البحث لا تبعاً له.

ثالثا: مسك الختام.

لقد أسس القرآن الكريم النموذج الذي يعطي للأخلاق والقيم الأخلاقية الدور الأبرز في تحديد السلوك الاقتصادي للأفراد والمجتمعات فمن واجبنا أن نغرف في ذلك المخزون الكبير ونطوّر المفاهيم لنجعلها أدوات تحليلية تمكنّنا من استخلاص العبر والسياسات الملائمة لمعالجة كافة التحديات التي تواجهنا سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

كما قام الشرع الحكيم على التوازن[9]، حيث؛ تساوي العرض والطلب في سوق النقد فلا يكون هناك تضخم ولا انكماش، وفي سوق السلع والخدمات فلا فائض في الإنتاج يهدر ولا اعتماد على الخارج يكرس التبعية والارتباط بالأجنبي، وفي سوق العمل فلا بطالة ولا فائض عمالة، وفي سوق المال فلا عجز في الميزانية يقود إلى الاستدانة ولا فائض عن الحاجة يرمى به في البنوك الأجنبية تعبث به كيف تشاء، وهكذا، ومن هنا تأتي أهمية حديث “لا ضرر ولا ضرار”، والنماذج التي قدمناها في هذه السلسلة من الكتاب والسنة؛ لتحقيق التوازن المفقود اليوم في ظل نظام يعج بالمظالم ويقوم على تكريس الفوارق بتعميق الثراء الفاحش والفقر المدقع. وبالتالي القضاء على مصادر الظلم والحيف الاقتصادي بكل أشكاله ومظاهره.

وكلما جـدَّ البحث بشخص نظر إلى الآية أو الحديث النبوي رآهما كأنهما معه في كل خطواته، فيغريه ذلك على متابعة البحث إرضاء لشهوة العقل وحب الاستطلاع، ‏ حتى إذا وصل إلى الحقيقة العلمية الثابتة وجد النص الشرعي معه أيضاً.

ومن النتائج التي توصلت إليها من خلال هذه النماذج من الإعجاز الاقتصادي في القرآن الكريم والسنة النبوية:

– مرونة أحكام الشريعة وصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، وتعامله مع معطيات الحياة الاقتصادية واحتياجاتها المعيشية، بوسطية واعتدال وواقعية ورحمة، وحرص على حقوق الفقراء والأغنياء معا.

– أن تحقيق العدل في الأموال يقتضي حصولها على وجه لا ظلم فيه، ووضعها موضعها الذي خلقت من أجله، وإتباع أرشد السبل في إنفاقها وتنميتها.

– يتحقق الإعجاز في ميزان العدل في جميع العقود الشرعية،

– نجد في القرآن الكريم الإعجاز الاقتصادي في التخطيط الإداري الاقتصادي. كما نجد في السنة النبوية مجموعة من المبادئ والقواعد العامة والمعلومات الدقيقة حول إدارة الثروة إدارة راشدة.

– تضمنت أحاديث نبوية كثيرة حقائق اقتصادية ومالية تصريحات أو تلميحـاَ عرفت زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أو اكتشفت لاحقـاَ، وأغلبها إما أن تبين طرق التعامل مع المال أو تتعلق بنفسـية الإنسان في اكتساب المال وإنفاقه.

والحمـد لله رب العالمـين.


[1]– يُنظر: أحكام القرآن لابن العربي، ج: 1/ ص: 420. تخريج وتعليق: محمد عبد القادر عطا،

(طبعة دار الفكر، “دون تاريخ”).

[2]– سورة النساء / من الآية: 6.

[3]– الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي، ج: 2/ ص: 190.

[4]– أحكام القرآن لابن العربي، ج: 1/ ص: 420.

[5]– رواه الإمام البخاري، كتاب: البيوع، باب: النجش، حديث رقم: 2142.

والإمام مالك، كتاب: البيوع، باب: بيع الملامسة والمنابذة، حديث رقم: 31-45-590.

[6]– يُنظر الموطأ، الصفحة: 422.

[7]– في ظلال القرآن لـسيد قطب. (طبعة دار الشروق، “دون تاريخ”).

[8]– التفسير والمسرون، للدكتور محمد حسين الذهبي، ج: 2 / ص: 392. (مكتبة وهبة،

الطبعة السابعة، 2000م).

[9] – والتوازن في المفهوم الاقتصادي تساوي العرض والطلب في النظام ودواليبه المختلفة وأسواقه المتعددة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.