منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

موقع آليتي الحوار والقهر السياسيين في العقل السياسي الرسمي

ذ. امحمد طلابي

0
اشترك في النشرة البريدية

نشر هذا المقال بمجلة منار الهدى العدد الثاني

قراءة وتنزيل المقال pdf

كان الاتفاق عمليا تاما بين العقل السياسي الرسمي واليساري حول إقصاء الشريعة وضرورة تفكيك المؤسسات المدنية للمجتمع الإسلامي التاريخية، وكان الاتفاق تاما بينهما بشكل ضمني على تزكية الميراث السياسي العلماني لدولة الاستعمار.

لكن السؤال السياسي المحير هو: بعد هذا التطابق العملي بين الاختيارين في الموقف الرافض لدولة الشريعة، لماذا انطبعت العلاقة بينهما خلال مرحلة الاستقلال وإلى حدود عام 1975 بصراع سياسي إقصائي تناحري؟؟؟

ستزول كل أسباب الحيرة السياسية إذا تفكرنا في الإستراتيجية السياسية لكل عقل واستوعبنا خصائص وأهداف كل منهما. ونظرا لضغط الحيز سأقتصر في الحديث عن العقل الرسمي للدولة وكيف وظف آليتي الحوار والصراع السياسيين ضد خصومه في المغرب المستقل دون الحديث عن خصائص العقل السياسي المعارض.

1ـ خصائص العقل السياسي الرسمي: إستراتيجية الهجوم المتعدد المداخل

المزيد من المشاركات
1 من 27

أريد أن أشير إلى ملاحظة منهجية تهم قصدي بالإستراتيجية. فأنا أقصد بها منظومة الغايات والأهداف الإستراتيجية والأهداف التكتيكية ومراحلها الزمانية ووسائل تنفيذها التي تم تنزيلها فعلا على الواقع الحي.

ولا يهمني إن كانت أعدت قبل التنفيذ أم لا. ولا يهمني أكانت نتائجها النهائية مطابقة للنية الأصل عند أصحابها أم لا.

إن إستراتيجية الخط السياسي الرسمي خطة ممنهجة طويلة الأمد قائمة على غاية سياسية غير محددة بزمان هي: التجميع العملي لكل السلطات (التنفيذية + القضائية + التشريعية + الدينية) في قبضة الفاعل السياسي الأول بقوة الواقع والقانون. طبعا هذا عنوان لنظام الحكم الفردي.

لكن تنزيل هذه الغاية أو الطوبى السياسية إلى الميدان غير ممكن في منظور العقل السياسي الرسمي إلا بتحديد هدف أو أهداف إستراتيجية تصب في الغاية. وقد حدد هدفا إستراتيجيا ملائما لغايته هو: شل روح الجهاد والمقاومة عند المجتمع المغربي وتبديد قواه الحية المنظمة.

أولا: شل روح المقاومة والجهاد عند المجتمع المغربي

من خلال هذا الهدف نفهم لماذا بارك العقل السياسي الرسمي سياسة تدمير الاستعمار لرأسمالنا السياسي التاريخي وأكمل هو المهمة في عهد الاستقلال.

ففي الإقرار بالشريعة الإسلامية كدستور مقدس للشعب تعارض مع نظام الحكم الفردي. فولي أمر المؤمنين حسب الشرع الإسلامي هو منفذ مجتهد لحكم الله ليس إلا.

وحكم الله شامل للشأنين الديني والدنيوي معا. وشامل للأجيال الثلاثة لحقوق الإنسان (جيل الحقوق السياسية والمدنية + جيل الحقوق الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية + جيل حقوق السلام الدولي والتعاون الدولي وسلامة البيئة). ونظام الحكم الفردي يتنافى مع أجيال حقوق الإنسان الثلاثة وفي السماح باستقلال سلطة القضاء الإسلامي في إصدار الأحكام بدون تدخل الحاكم أو وزير الداخلية وباستقلالية المفتي (السلطة التشريعية) في إصدار الفتوى للأمة بدون أمر من الحاكم أو الماسك للسلطة التنفيذية، كما حدث في تاريخ المغرب الإسلامي، والإبقاء على أهل الحل والعقد ومبدأ البيعة المشروطة التي استمرت حتى قبيل الاستعمار مع الملك م. عبد الحفيظ. إن السماح بكل ذلك، يقوض نظام الحكم الفردي.

لذا تم إقصاء تراثنا الإسلامي السياسي التقدمي في مبدأ فصل السلط الذي لم يعهده الغرب إلا مع الثورة الديمقراطية الحديثة خلال القرنين الأخيرين.

كما أن في السماح بممارسة حق الجهاد وحق المعارضة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) كحق سياسي أصيل من حقوق الإنسان في الإسلام تعارض مع الهدف الإستراتيجي للعقل الرسمي ألا وهو شل روح المقاومة والجهاد وسط الشعب المغربي.

وحق (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) مورس في تاريخ المغرب من خلال مؤسسات المجتمع المدني الإسلامي (مجتمع الرعية الأصيل) كالحسبة والفتوى والمسجد والوقف والزاوية والقبيلة…

كل هذه المؤسسات لعبت دورا هاما في صيانة حقوق المواطن من القهر السياسي والاجتماعي للمخزن بل والتمرد على طغيانه في حالات متعددة، يشهد عليها تاريخ المغرب العظيم. لكل هذا عملت سياسة المخزن على فسخ ومسخ هذه المؤسسات التنظيمية. لقد خسر المغاربة (مؤقتا) تراثا سياسيا إسلاميا ثوريا حقا.

والقصد السياسي الرسمي من ذلك هو وضع المواطن الفرد أعزل بلا سلاح عقدي وتنظيمي، ضعيفا ومكشوفا أمام قوة المخزن.

وعلى هذا الأساس يعمل الخط الرسمي بلا كلل للحيلولة دون بناء مؤسسات المجتمع المدني الحديث المكافحة. فهو يدرك خطورتها عليه. فعبرها يتزود المواطن الأعزل بالأسلحة العقدية والتنظيمية اللازمة لمقاومة الاستبداد.

فالوضع السياسي المريح للنهج الرسمي هو استمرار المجتمع فارغا من التنظيم الحي والمؤسسة المدنية المناضلة. وهو وضع سياسي رفضه العقل السياسي اليساري منذ بداية الاستقلال فأدخله ذلك في صراع ساخن مع المؤسسة الملكية لمدة قاربت أربعة عقود من الزمان.

ثانيا: تبديد قوى المجتمع الحية والمنظمة

لقد أضحت فكرة الاستقلال من نير الاستعمار الفرنسي والإسباني عقيدة وطنية عند المغاربة، أحدثت وسطهم نفيرا سياسيا هائلا للمقاومة والجهاد في سبيل الله والوطن ضد النصراني المحتل.

فنظموا أنفسهم في جمعيات وأحزاب ونقابات للمقاومة والجهاد سواء في المنطقة السلطانية (منطقة الاحتلال الفرنسي) أو المنطقة الخليفية (منطقة الاحتلال الإسباني). عرف كل هذا تحت اسم: أحزاب الحركة الوطنية المغربية.

بعد الاستقلال وجد الخط السياسي الرسمي للمخزن نفسه أمام قوة سياسية حية ومنظمة هائلة، مثلها بالأساس حزب الاستقلال والاتحاد المغربي للشغل والمقاومة وجيش التحرير وأحزاب المنطقة الخليفية.

إنها قوة من وجهة نظر العقل السياسي الرسمي تشل إمكانية تحقيق الغاية السياسية المذكورة أعلاه، أي تجميع السلطات الثلاث في قبضة الفاعل السياسي الأول.

فكيف دبر العقل المخزني أمره لمواجهة هذا السد من القوة السياسية الحية والمنظمة؟

منذ الاستقلال تبنى النظام أسلوبا محددا في إدارة الصراع السياسي مع خط المعارضة، فاعتمد أربع آليات في الأداء السياسي اليومي وهي من خصائص عقله السياسي: [آلية الانشقاق الحزبي + آلية الاحتواء للأفراد والهيئات + آلية القمع والإقصاء لتكسير الإرادة + آلية التكيف والمرونة في الشكل مع العناد في المضمون]. وظلت كل هذه الآليات تشتغل في وقت واحد، يسند بعضها بعضا.

أـ الخاصية الأولى: آلية الانشقاق الحزبي

اشتغلت آلية الانشقاق وسط خط اليسار أو خط الحركة الوطنية منذ شهر يناير 1959 وما زالت تشتغل إلى حدود مارس 2001 تاريخ انعقاد المؤتمر السادس للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

ففي سنة 1959 انشق حزب الاستقلال لينبثق عنه الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بزعامة بن بركة وعبد الله إبراهيم والفقيه البصري والزعيم النقابي المحجوب بن الصديق. وفي سنة 1972 انشق الاتحاد الوطني للقوات الشعبية فانبثق عنه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بزعامة عبد الرحيم بوعبيد وعمر بن جلون. وفي سنة 1983 انشق الاتحاد الاشتراكي فانبثق عنه حزب الطليعة الاشتراكي الديمقراطي. وفي شهر شتنبر 1996 انشقت منظمة العمل الديمقراطي الشعبي فانبثق عنها الحزب الاشتراكي الديمقراطي. وبعدها بسنة تقريبا انشقت جبهة القوى الديمقراطية عن حزب التقدم والاشتراكية. كل الانشقاقات المذكورة وسط اليسار هي تصدع كتلة كاملة من جسم الحزب الوطني.

أما الانشقاقات التي اتخذت شكل انسحاب لأفراد ومناضلين ليشكلوا فصائل حزبية لاحقا فيمثلها بالأساس اليسار الجديد الماركسي الذي تأسس في بداية السبعينات. فأصل القيادة السياسية التاريخية لمنظمة 23 مارس الماركسية (منظمة العمل الآن) مناضلون منحدرون من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وأصل قيادة منظمة (إلى الأمام) الماركسية مناضلون منحدرون من الحزب الشيوعي المغربي. وهذه الأخيرة هي التي أعطت ما يسمى بتيار القاعديين الذي هيمن على الجامعات المغربية في السبعينات والثمانينات قبل انهزامه أمام زحف الإسلاميين. هذا التيار نفسه ينشق اليوم إلى ثلاث تنظيمات مجهرية هي: [الحركة من أجل الديمقراطية + المستقلون الديمقراطيون + النهج الديمقراطي].

إلا أن آلية الانشقاق طالت حتى الأحزاب المحسوبة على العقل السياسي الرسمي لانعدام الثقة، واشتغلت بفعالية وسطها. وقد صرح الملك الحسن الثاني في السنوات الأخيرة لإحدى الصحف الغربية بأنه لا يثق حتى في وسادته.

بعد الإعلان عن حالة الاستثناء عام 1965 من طرف الحسن الثاني، انشقت الحركة الشعبية لأحرضان فانبثقت عنها الحركة الدستورية للخطيب. ثم بعده جاء انشقاق لعنصر عن أحرضان واليوم يحدث انشقاق ثالث عن حركة أحرضان. وينشق عرشان عن العنصر.

وفي سنة 1978 يتأسس التجمع الوطني للأحرار من الكتلة البرلمانية. ولم تمر أكثر من سنتين على تأسيسه حتى انفصلت عنه مجموعة أرسلان الجديدي لتكون الحزب الوطني الديمقراطي، مباشرة بعد أحداث يونيه 1980 بالدار البيضاء. ومباشرة بعد سنتين سيحدث انشقاق ثان داخل التجمع الوطني للأحرار ليشكل المنشقون، وعلى رأسهم رئيس البرلمان لاحقا السيد جلال السعيد، حزب الاتحاد الدستوري. كل هذا يحدث لكون السيد أحمد عصمان بعث برسالة إلى الملك، بعد أحداث الدار البيضاء، يبرر فيها جزئيا الأحداث ويحمل فيها المسؤولية لجهاز الأمن. ولكونه أيضا لم يكن من المتحمسين لحل الاتحاد الاشتراكي بعد قراره بمغادرة البرلمان بعد الاستفتاء على الزيادة في عمر البرلمان سنتين عام 1980.

بل إن الانشقاق طال حتى البرلمان نفسه فشقه النظام دستوريا إلى غرفتين [غرفة مجلس النواب + غرفة مجلس المستشارين].

منذ البدء أصرح أني لست من أهل المذهب التآمري الذين يفسرون كل ما يحدث (للأنا) أنه تآمر من الآخر. بصيغة أخرى ليست كل الانشقاقات الواقعة في الحياة الحزبية الغربية هي مؤامرة منظمة ومخطط لها من طرف القصر. بل لابد من البحث عن أسبابها داخل الذات الحزبية. وهي بالأساس:

عوامل سياسية تنظيمية أهمها:

غياب الديمقراطية الداخلية كآلية لانتخاب الأجهزة الماسكة بصنع القرار السياسي الحزبي، غياب آلية التناوب بين رجالات الحزب وأجياله على القيادة، عدم احترام القوانين الأساسية والداخلية للأحزاب.

إننا نطالب بدولة الحق والقانون، وهو مطلب حق نتشبث به، والحزب المغربي ليس حزبا ديمقراطيا ولا يحترم القانون. إننا نطالب بمبدأ التناوب الديمقراطي في الدولة، وهو حق علينا التشبث به، ولكن نرفض ممارسته داخل الحزب.

عوامل سياسية سياسية:

مرتبطة إما بالموقف من المبادرة السياسية للخط الرسمي: كالمشاركة أو عدم المشاركة في الانتخابات، في الحكومة، أو بالموقف من مشاريع الدساتير المطروحة للاستفتاء الشعبي. وإما بالموقف من بعض القضايا السياسية الإستراتيجية كالجدل حول: خط النضال الديمقراطي المدني أم خط الكفاح المسلح الثوري؟ نظام ملكي أم نظام جمهوري؟…

عوامل نفسية شهوانية تهم شخصية القادة السياسيين:

إنه عامل مغمور ومهمش عند تحليل ظاهرة الانشقاقات والصراعات الحزبية الداخلية وهو عيب كبير في منهج التحليل العلمي. وأنا أعرف جيدا من خلال تجربتي السياسية المتواضعة أن البعض يتخذ موقفا رافضا للمشاركة في الحكومة لا لشيء إلا لكون اسمه غير وارد ضمن لائحة الوزراء والعكس صحيح تماما.

فالرأسمال الرمزي أو الجاه المعنوي الذي يكسبه القيادي من موقعه في قيادة الحزب أو النقابة أو في البرلمان أو في الحكومة يحول صاحبه إلى عبد مشقوق الخدين لشهوته هذه، خصوصا إذا كانت شهوة الجاه هذه ليست إلا بابا عنده لتحقيق شهوتي المال والسلطان عن طريق الارتزاق السياسي.

إن كل هذه العوامل الأساس تجعل الانشقاق موجودا بالقوة وممكنا جدا. والآن وعند هذا الوضع الحزبي الحرج يمكن إدخال عنصر التآمر في التحليل، بدون أن نسقط في منهج التحليل المؤامرة.

لقد أكدت الوقائع والروايات النزيهة المنشورة وغير المنشورة والمنطق السياسي للأحداث وقتها أن الخط الرسمي للدولة فعلا ساهم في نقل الانشقاقات من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل وبارك ذلك إن سرا أو علانية من أول انشقاق في حزب الاستقلال إلى آخر انشقاق مع منظمة العمل الذي انبثق عنه الحزب الاشتراكي الديمقراطي. هذا الأخير عشت لحظات تنفيذه من طرف الداخلية باعتباري كنت مسؤولا في قيادة منظمة العمل الديمقراطي الشعبي:

يوم الأحد 08 شتنبر استدعي السيد محمد بن سعيد الأمين العام للمنظمة من طرف الداخلية ليخبر بأن الجهات العليا في البلاد تلح على أن تغير المنظمة موقفها المعارض لمشروع دستور 1996 مع التلويح بالتهديد.

ولما رفض محمد بن سعيد التهديد، في اليوم التالي مباشرة أعلن المنشقون في ندوة صحافية بأوطيل حسان بالرباط مباركتهم للدستور. مع العلم أن بعض الناطقين باسم المنشقين في الندوة كانوا في اجتماع سابق للكتابة الوطنية قبل الانشقاق من المعارضين للدستور. فكيف انقلب بهذه السرعة من موقف المعارضة إلى موقف المساندة للدستور؟ إنه التدخل السريع للداخلية في الأمر.

وسيتأكد ذلك بمحاولة تسهيل المأمورية على المنشقين للسيطرة على جريدة أنوال. وبعد فشل ذلك بفضل لجان الحراسة ليل نهار والتي كلفت شخصيا من الكتابة الوطنية بالإشراف على إعدادها وتنظيمها، استصدر النظام حكما بتوقيف جريدة أنوال لإخراس لسان حال حزبها. كل ذلك لأن هذا الفصيل “بوَّز” الإجماع. وفي عرف الحاكمين الإجماع بيعة سياسية.

والتفعيل الدائم لآلية الانشقاق غرضه تبديد قوة الخصم وإضعاف للمعارضة وقوة إضافية للسياسة الرسمية وغايتها المذكورة.

ب ـ الخاصية الثانية: آلية الاحتواء للأفراد والهيئات والمنظمات

من الآليات التي اعتمدها العقل السياسي الرسمي في أسلوبه لإدارة الصراع السياسي ضد معارضيه آلية الاحتواء.

والاحتواء تعريفا هو تمكن الخط السياسي الرسمي من إقناع منظمة أو هيئة مناضلة سياسية أو نقابية أو ثقافية أو أفراد لهم شخصية لها وقعها في الساحة الوطنية، إما بتبني العقيدة السياسية الرسمية، أو عرقلة حركة النضال والجهاد داخل صف المعارضة في الميدان.

والمدخل غالبا يكون بالتركيز في التواصل والتعامل مع عناصر مفردة لها موقع وازن في هيئاتها. تؤكد تقارير المخبرين أنها قابلة للإفساد. أو تؤكد التقارير أن أصولها من عائلات مخزنية، كان آباؤهم أو أجدادهم قوادا للمخزن أو في عهد المستعمر.

أما المدخل لإفسادها سياسيا فهو تحريك القوة الشهوانية داخلهم حتى يتحولوا إلى عبيد لسلطان الشهوة هذه، عن طريق فتات المال أو فتات المواقع في أجهزة الدولة أو خارجها وفتات الجاه بإعطاء اعتبار ووزن مصطنع لأشخاصهم. فتضعف قناعاتهم الفكرية والسياسية، وتخمد فيهم الروح الكفاحية. وداخل أحزابهم وهيئاتهم يبدؤون في ترويج أشكال من الخطاب كلها تدعو في الواقع إلى رفع الراية البيضاء راية الاستسلام للغاية السياسية الرسمية. تحت شعارات متعددة مثل: [الواقعية + ميزان القوة + التدرج + العقلانية + النضج السياسي + الخوف من الانفلات السياسي + توحيد الجبهة الوطنية ضد العدو الخارجي + إعطاء حسن النية للنظام القائم + العزوف السياسي في المجتمع… ].

طبعا نحن مع جل هذه الشعارات، نحن مع الواقعية لكن المناضلة والمجاهدة. نحن مع حساب ميزان القوة في الصراع لكن من أجل تغييره لا عبادته. فكل الشعارات المعلنة غايتها ليس إشعال جذوة الحماس والأمل بل غالبا ما تساهم في نشر ثقافة اليأس وسط الشعب ليس إلا، وإبعاده عن العمل السياسي.

وعملية الاحتواء للأفراد والمؤسسات انطلقت فور الإعلان على الاستقلال القانوني للمغرب. فتم احتواء المقاومة وجيش التحرير داخل الجيش الملكي وجهاز الأمن الوطني. ثم تمكن النظام من احتواء الاتحاد المغربي للشغل وأقنعه بفصل العمل النقابي على العمل السياسي حيث رفع المحجوب بن الصديق منذ 1963م شعار نعم للخبز لا للسياسة ووقع الطلاق مع الاتحاد ومع المهدي بن بركة.

ومنذ انتخابات 1976/1977م النيابية تمكن النظام من احتواء شريحة هامة من حزب الاستقلال وإفسادها سياسيا وأخلاقيا برئاسة مجالس الجماعات البلدية والقروية والمشاركة في الحكومة. لقد كانت ضربة قوية للنفس النضالي لحزب الاستقلال في عهد المرحوم علال الفاسي.

ونفس النهج اتبعه النظام مع الاتحاد الاشتراكي بمشاركته في الحياة النيابية المغربية وإن ظل رافضا للمشاركة في الحكومة إلى حدود 1996/1997م. إذ تمكن العقل السياسي الرسمي من إفساد شريحة معتبرة من مناضليه في كل المدن التي تحملت فيها العناصر الاتحادية مسؤولية رئاسة المجالس البلدية أو القروية وهي بالعشرات، من وجدة إلى أكادير مرورا بالرباط والبيضاء وكل المدن الكبرى.

ونفس النهج سيتبعه النظام مع مشاركة الحركة الإسلامية في الانتخابات المقبلة عام 2002 وما بعدها. وسيفسدها لا محالة 2010م بالتمام إذا لم تستوعب الدرس الاتحادي والاستقلالي، وتسلح أبناءها بالعقيدة الإسلامية الحق بعيدا عن النفاق الديني وبعيدا عن الميكيافيلية المتفشية وسط العقلين السياسيين العلمانيين عند الدولة واليسار. وسيفسدها أيضا إذا لم تتسلح بآليات حزبية للمراقبة الخارجية لسلوك مناضليها الإسلاميين وأهمها آلية الديمقراطية الداخلية والمحاسبة للقيادة قبل القاعدة، باعتبارها الآليات الوحيدة لتنظيف الجماعة السياسية إسلامية كانت أم علمانية من النفايات السياسية الضارة بالعمل الجاد لنهضة أمتنا. فالله قد سوى النفس البشرية وألهمها فجورها وتقواها. والشورى أو الديمقراطية وسيلة لنصر النفس الأمارة بالتقوى على النفس الأمارة بالفجور والفساد.

مع ملاحظة جوهرية فأنا مع المشاركة كخط استراتيجي، لكن مع خط المقاطعة التكتيكية حين تستدعي الحالة السياسية ذلك. خصوصا في بلد لم نتمكن فيه بعد من بناء الطريق الديمقراطي إلى السلطة، كما حدث في أوروبا.

لكن بعد 20 سنة من الاحتواء الجزئي أو الاحتواء بالتقسيط (1976/1977 إلى 1996/1997) تمكن النظام السياسي الرسمي من إنجاز أكبر عملية احتواء بالجملة لليسار كيهئات، في تاريخ المغرب المستقل. تمت العملية بنجاح مع حكومة عبد الرحمن اليوسفي غير التناوبية.

فرجالات اليسار التقليدي والجديد يلهثون اليوم وراء سلطان الشهوة وفتات مائدة الدولة، منبتون بالمئات في كل إدارات الدولة وأجهزتها كوزراء وكتاب عامون ومستشارون وموظفون في الوزارات والدواوين ومندوبون في الأقاليم والعمالات، بدون أي مشروع سياسي نهضوي.

مع العلم أن حكومة اليوسفي ليست حكومة سياسية ولا حكومة تناوب. فهي حكومة وظيفية كباقي الحكومات السابقة تنفذ اختيارات رئيس الدولة لا غير. وليست حكومة تناوب لأنها تنفذ برنامج الحكومات السابقة. والفرق الوحيد أنها أكثر علمانية في ممارستها وإيديولوجيتها من الحكومات العلمانية السابقة.

ج ـ الخاصية الثالثة: آلية القمع بقطع الأعناق والأرزاق واعتقال الأبدان

ذكرت فيما سبق أن كل الآليات تشتغل في وقت واحد وبنظام وانتظام يسند بعضها بعضا. فإذا فشلت آلية الانشقاقات أو الاحتواء أو غيرها تتقدم آلية القمع للطليعة والعكس بالعكس.

لقد كان القمع أشرس الآليات التي استعملها النظام ضد معارضيه وعبرت على أكثر اللحظات التاريخية ألما وحلكة في تاريخ المغرب المستقل. لقد غطى مرحلة طويلة تمتد ما بين 1965 إلى 1990م، كانت حصة الأسد فيها لليسار. لكن يبدو أن هذه الآلة في العقد الأخير بدأت في تصويب سهامها بالأساس تجاه رجالات الحركة الإسلامية، والتي قد تكون القوة السياسية المرشحة عند النظام لنيل حصة الأسد من القمع مستقبلا. نسأل الله العافية للدولة والأمة معا. والقمع اتخذ أشكالا متعددة:

ـ قطع الأرزاق على المناضلين وتشريد عائلاتهم وحرمانهم من العيش الكريم. وهذا الشكل من القمع طال آلاف المناضلين المغاربة خلال أربعة عقود من الاستقلال. وهذه قضية إنسانية ما زالت بعض ملفاتها عالقة حتى ما بعد عهد الحسن الثاني، في عهد حكومة اليوسفي، رغم التقدم الحاصل في مسطرة حلها.

ـ التعذيب بكل أصنافه للمناضلين في مقرات الشرطة القضائية والمخابرات لشهور قبل نقلهم للسجن. غالبا ما ينتهي التعذيب بعاهات دائمة، وأحيانا بالموت تحت سوط الجلاد.

ـ تبني أحكام الإعدام والمؤبد أو عشرات السنين لآلاف المناضلين في كل فترة قمع وما أكثرها [63 ـ 65 ـ 69 ـ 71 ـ 72 ـ 73 ـ 79 ـ 81 ـ 84 ـ 90…] والزج بهم في مؤسسات السجن المعلنة والسرية الرهيبة، وفق محاكمات شكلية لا سلطة مستقلة للقاضي فيها. إضافة إلى اختطاف واختفاء السياسيين بدون محاكمة مع الإبقاء على مكان اعتقالهم أو دفنهم سرا عن الأسر والرأي العام المغربي…

إن حالة القمع الشرس الذي عرفته بلادنا في مرحلة الاستقلال، وخصوصا بعد وفاة الملك محمد الخامس إلى وفاة الحسن الثاني، يمكن فهمها بتلمس ثلاثة خيوط في العمل السياسي والربط بينها.

الخيط الأول: تمثله غاية النظام السياسية كما أسلفنا وهي التمكين العملي لرئيس الدولة من السلطات الثلاث (التنفيذية + التشريعية + القضائية) زائد السلطة الدينية، بتوجيه من عقيدة ميكيافل السياسية.

الخيط الثاني: بداية تشكل قناعة سياسية جديدة عند قسم وازن من يسار الحركة الوطنية فيما بين أعوام 1965 ـ 1975. مفاد هذا الحلم أن الملكية كنظام سياسي أصبح معيقا للتقدم والنهضة لذا علينا تغييره بالجمهورية كنظام.

يبدو أن هذه الغاية السياسية الجديدة لم تكن واردة أصلا عند أجيال الحركة الوطنية، بدليل أن من آمن بالفكر الجمهوري في عهد الاستقلال هم من كافح واعتقل في عهد الاستعمار من أجل عودة الملك محمد الخامس إلى عرشه أي عودة الملكية كنظام. فعقيدة الإقصاء عند النظام ولدت عقيدة إقصاء مضاد.

فعقيدة الجمهورية هي الابن غير الشرعي لعقيدة الإقصاء الرسمية وحالة الاستثناء السياسي ما بين 65 ـ 75 غير المشروعة.

ففكرة العنف المسلح والثورة والانقلاب العسكري ولو مع أوفقير وحدوث القطيعة، كل ذلك سيساهم في تفعيل آلية القمع إلى أقصاها، وإن كنا لا نبرر هذا القمع أبدا. بل نعتبره وصمة عار في تاريخنا المعاصر. وإن كنا أيضا ندخل فكرة الجمهورية والثورة المسلحة اليوم في باب المراهقة السياسية لا غير. وفي نفس الوقت أيضا ما زلنا نعتقد أن الدولة المغربية نفسها في حاجة اليوم إلى كفاح وجهاد مدني لإخراجها من منطقة المراهقة السياسية وإدخالها في سن الرشد السياسي: سن الديمقراطية السياسية الراشدة.

الخيط الثالث: لفهم شراسة القمع، هو فلسفة القمع عند العقل السياسي الرسمي فهو مؤمن فعلا بأن حبس الإنسان وجلد جسده والمس بعزته وكرامته وهدر آدميته كلها فنون سياسية لتكسير إرادة المقاومة والصمود فيه إن آجلا أو عاجلا. والمؤلم حقا أن نعترف بأن النظام نجح في ذلك نجاحا كبيرا.

إنني أدعو العاملين في حقل العلوم السياسية والمحللين السياسيين أن يتتبعوا لائحة أسماء المناضلين الذين ذاقوا عذاب سوط الجلاد وعاشوا سنين طوالا أو قصارا في مؤسسة السجن الرهيبة. ويقارن بين مبادئهم ومواقفهم بالأمس واليوم:

سيجد أن القلة القليلة هي التي نجت مما خططه لها الجلاد أي ما زالت على إيمان بمعتقداتها. في حين نجح الجلاد ومؤسسة السجن في تكسير الروح الكفاحية عند الأغلبية الساحقة من المعتقلين، ونفثت في جوفهم روح اليأس. بل وحولهم اليوم إلى رواد التنظير لفلسفة اليأس السياسي والواقعية المفلسة.

وبعكس ذلك سيجد الباحث أن جيل السياسيين الذين حفظهم الله من الجلاد والاعتقال والمسلحين بإيمان عميق في قناعتهم، هم أملك للعزيمة والصمود السياسي اليوم من غيرهم.

وغالبا ما تواكب القمع بالإقصاء السياسي، فمنع التنظيم الحزبي أو تم حظره مع لوازمه. هذه الظاهرة اليوم خفت تجاه جل الحركات العلمانية، لكنها مستمرة بثقل اتجاه الإسلاميين، فعملية الحظر شبه الشامل للعمل السياسي الإسلامي أمر فاضح اليوم في بلادنا.

د ـ الخاصية الرابعة: آلية المرونة التكتيكية في الشكل والعناد السياسي في المضمون:

من المفيد لفهم آلية التكيف والمرونة التكتيكية أو الشكلية عند النظام وتوضيح مكرها السياسي أن نبسط المبدأ الفلسفي للعبة الكاراتيه الرياضية:

فالمبدأ الرياضي لهذه اللعبة هو الاستعداد الدائم لاستقبال ضربة الخصم ولكن في نفس الوقت الاستعداد الدائم لتفادي الضربة المستقيمة بامتصاصها وتحريف اتجاه مركزها بعيدا عن النقطة التي يستهدفها الخصم من جسدك قبل تسديد الضربة له. إنها قمة المرونة في التكتيك وقمة الصلابة في الهدف. فالتلقي للضربة المستقيمة يؤلم الجسم وقد يهلكه، ورفض التلقي يوقف ممارسة اللعبة.

هذه هي جدلية الإستراتيجية والتكتيك في الممارسة السياسية الرسمية ما بين 1956 ـ 65، وما بين 1975 إلى الآن.

أما في مرحلة الاستثناء 65 ـ 75. فقد غابت المرونة التكتيكية والتنازلات الشكلية من النظام للمعارضة واعتبر حتى التنازلات الشكلية هزائم.

لكن حصيلة هذه المراهقة عند الدولة والتزمت السياسي الرسمي كادت أن تكون كارثة على النظام الملكي نفسه. إذ دفعت إلى تحالفات غير طبيعية بين أوفقير وجناح من اليسار المغربي التقليدي كما جاء في رسالة الفقيه البصري إلى اليوسفي وعبد الرحيم بوعبيد. وفي ما بين 1971 ـ 1972 ـ 1973 شجعت هذه التحالفات العسكر وليس الجيش على محاولتين انقلابيتين. واندلعت حرب عصابات مسلحة في جبال الأطلس. كما عرفت هذه السنوات الثلاثة اكتساح اليسار الماركسي للجامعات المغربية.

كل هذه الضربات القوية دفعت نظام الحكم ببلادنا إلى إعادة تشغيل آلية المرونة في التكتيك لامتصاص التناقضات بين فئات الطبقة الحاكمة نفسها خصوصا مع العسكر من جهة، وبين الطبقة الحاكمة وباقي فئات المجتمع.

وتوافق إعادة التشغيل لآلية المرونة التكتيكية مع بروز قضية الوحدة الوطنية سنة 1975م، حيث وظفت هي الأخرى في استيعاب التناقضات. وتزامنت مع المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي تبنى خط النضال الديمقراطي المدني كخط استراتيجي.

هذه هي الشروط العامة التي تبنى فيها النظام المبدأ الفلسفي للعبة الكاراتيه: أي الاستعداد لتلقي الضربات (المطالب) السياسية للخصم وتحريف اتجاهها خارج النقطة المستهدفة في جسمه. والنقطة المستهدفة في جسم النظام وفق حساباته الخاصة هي تمليك ممثلي الشعب حصصا من السلطات الأربع المجمعة في قبضة الملك.

لقد علمته حالة الاستثناء أن رفض تلقي مطالب المعارضة السياسية هو توقيف للعبة. وتوقيفها يعني فتح الباب أمام المغامرات السياسية بالبلاد. فمنذ 1975، ولمدة قاربت ربع قرن من الزمان، دأب النظام على استقبال مطالب المعارضة الأساس والقبول بها من حيث الشكل السياسي والرفض لها من حيث المضمون إلا نادرا وتحت ضغط قوي كما سنرى.

لقد ناضلت المعارضة السياسية خلال الربع الأخير من هذا القرن من أجل أربعة حزم مطلبية هي:

ـ الحزمة الأولى: الخروج من حالة الاستثناء السياسية وعودة الحياة النيابية يمارسها ممثلو الشعب من خلال مؤسسات الجماعات المحلية ومجلس النواب المنتخبة انتخابا نزيها.

ـ الحزمة الثانية: الإقرار بهامش ديمقراطي للممارسة السياسية في مجال التعددية الحزبية والنقابية والحقوقية والإعلامية، وفي أساليب النضال والاحتجاج والمعارضة السياسية.

ـ الحزمة الثالثة: توسيع هامش العدل الاقتصادي والاجتماعي لقوة الشغل ببلادنا ومكافحة الفساد الإداري والاقتصادي.

ـ الحزمة الرابعة: التقدم في الإصلاح الديمقراطي كمعركة تنظيمية في أبوابها الثلاث [(باب المعركة الحقوقية): تصفية ملف الاعتقال السياسي + (باب المعركة السياسية): نزاهة الانتخابات + (باب المعركة القانونية): تعديل دستوري يفضي إلى التقدم بمبدأ فصل السلط واستقلاليتها، ويفوت حصة من سلطة صنع القرار السياسي في بلادنا للوزير الأول كممثل للسلطة التنفيذية وأخرى للبرلمان كسلطة تشريعية].

لقد تلقى الملك الحسن الثاني كل هذه المطالب ولم يرفضها. لكنه عمل في نفس الوقت على إفراغها من مضامينها السياسية الحقيقية وفق مبدأ امتصاص الضربة السياسية. تحت شعار: (نعم… ولكن لا…). وهذه بعض الأمثلة من المجال السياسي على سبيل المثال لا الحصر:

أجاب العقل السياسي الرسمي: (نعم) لمطلب إلغاء حالة الاستثناء شكلا. فعادت الحياة النيابية بانتخاب المجالس الجماعية عام 1976م ومجلس النواب عام 1977م. و(لكن لا) لمضمونه السياسي، إذ ظلت غالبية أعضاء المجالس الجماعية ومجلس النواب إلى وفاة الحسن الثاني ممثلين للخط السياسي الرسمي للدولة أكثر منهم ممثلين لإرادة الشعب المغربي، بسبب التزوير السياسي المنظم للانتخابات الجماعية والبرلمانية، المباشرة وغير المباشرة من طرف وزارة الداخلية.

وقال أيضا: (نعم) لمطلب تشكيل لجنة وطنية للإشراف على الانتخابات. وتشكلت لجنة وطنية من اليمين واليسار السياسي تحت إشراف وزير الداخلية وصاغت قانونا انتخابيا بسرعة مذهلة مررت على اليسار قانونا يعاقب من يدعو إلى مقاطعة الاستشارات الشعبية وتمت فعلا محاكمة من دعا إلى مقاطعة الانتخابات الأخيرة. وهذه عودة إلى قانون (كل ما من شأنه) الاستعماري.

وقال المخزن أيضا: (نعم) لتجديد لوائح التسجيل في الانتخابات و(نعم) لإعادة النظر في التقطيع الانتخابي لمكافحة التزوير السياسي للانتخابات. فكان التقطيع الانتخابي الجديد أكثر تعبيرا عن التزوير غير الشفاف للانتخابات:

لقد تم إخراج خريطة وطنية للدوائر الانتخابية الجماعية والبرلمانية يحكمها هدف مزدوج هو:

ـ رسم الدوائر البرلمانية ودوائر المستشارين الجماعيين بكيفية تجمع القوة الانتخابية الموالية للسلطة لفائدة مرشحي أحزاب السلطة من جهة وتشتت القوة الانتخابية للمعارض السياسي لخط السلطة بتوزيعها أشلاء على باقي الدوائر، ولو أدى هذا التقطيع إلى تشويه التقسيم الإداري، بضم جزء من المدينة إلى القرية وجزء من البادية إلى المدينة، وتشويه التقسيم الاجتماعي بتقسيم العائلة أو العشيرة أو القبيلة الواحدة إلى أشلاء موزعة على دوائر لتشتيت قوة الخصم السياسي أو تجميع القوة للحليف السياسي.

أما التعاطي الرسمي مع حزمة مطالب الشعب حول العدل الاقتصادي والاجتماعي وصيانة عيشه الكريم فالذي يمكن قوله هو أن العقل الرسمي تبنى أسلوبا ماكرا للغاية مع هذه الحزمة المطلبية. وهو (أسلوب التقسيط في الإجهاز على مكاسب الشعب).

فالعيش الكريم للشعب هو بلغة الاقتصاديين الحفاظ على القيمة الحقيقية للأجور والمداخيل عند الفئات المتوسطة والفقيرة حتى تتمكن من تغطية أسعار الاستهلاك والخدمات الضرورية. ووضع مثل هذا لن يتأتى إلا بتبني الدولة لسياسة مراقبة الأسعار واعتماد السلم المتحرك للأجور من جهة، واستمرار الدولة الوطنية في القيام بوظائفها الاقتصادية والاجتماعية وتقديم الخدمات للمجتمع.

إلا أن حزمة مطالب العيش الكريم هذه ستصطدم منذ بداية الثمانينات بإرادة سياسية أجنبية تتجاوز إرادة الدولة المخزنية. إرادة اصطلح عليها لاحقا بعصر (العولمة). أما اسمها الحقيقي في نظري فهو (الغزوة الاستعمارية الثانية). وغاية هذه الغزوة تحكم الرأسمال المتخطي للقوميات في صناعة القرار السياسي داخل الدولة الوطنية القطرية في عالم الجنوب. والمغرب دولة من عالم الجنوب. مما يفيد عودة استيلاء الأجنبي مرة ثانية على سيادة الدولة الوطنية بعد تحررها من حكم الغزوة الأولى.

والغزوة الاستعمارية الثانية في بلدنا الحبيب بدأت مع بداية الثمانينات تحت شعار (إعادة الهيكلة) وستكتمل عام 2010 بتحرير السوق المغربية من أي قيد وطني. والغزوة الاستعمارية الثانية عملت وتعمل على: تجريد الدولة المغربية من وظيفتها الاقتصادية بتفويت القطاع العام الناجح إلى الخواص وتجريدها من وظيفتها الاجتماعية والخدماتية كتوفير الشغل والتخطيط له والتربية والتعليم والصحة للمجتمع.

وتعمل على تحرير الأسعار بإلغاء صندوق المقاصة. وتحرير السوق بتفكيك نظام الحماية الجمركية والذي سيكتمل إنجازه عام 2010..

وكل أهداف الغزوة تتعارض مع حزمة مطالب العيش الكريم للمغاربة. والدولة المخزنية التابعة ومصالح فئاتها النافذة وضغط العولمة، كل ذلك، يلزمها بتقديم مصالح الغزوة على مصالح العيش الكريم. فكيف دبر العقل السياسي الرسمي هذا التعارض؟

من أحداث يناير 1984م تعلم حكام البلاد بعض الحيل السياسية الجديدة في إدارة أزمة مثل هذه. منها اعتماد (أسلوب الإجهاز بالتقسيط على مكتسبات الشعب المغربي):

كما هو معلوم أن الدولة زادت في أسعار المواد الغذائية الأساسية كالسكر وغيره دفعة واحدة في شهر غشت 1983م.

وفي شهر يناير 1984 فارت المدن المغربية في مظاهرات ومسيرات عمت كل ربوع الوطن احتجاجا على الزيادة بالجملة في الأسعار. مما أرغم الدولة على التراجع عن الزيادة فورا في خطاب رسمي من الملك الحسن الثاني.

من هذا الاحتجاج الكبير للشعب المغربي استخلص العقل السياسي الرسمي أن الزيادة بالجملة وليس بالتقسيط في الأسعار تثير غضب الشعب المغربي وتحفزه أكثر على الاحتجاج على الظلم.

فتبنى منذ تلك اللحظة إلى الآن أسلوب الزيادة بالتقسيط في سعر السلعة الواحدة بتوزيع السعر الجديد على الأيام والشهور، والزيادة بالتقسيط في النوع الواحد من السلعة بدل المجموع. بالزيادة في هذه السلعة اليوم وبعد شهر من ذلك تتم الزيادة في سلعة أخرى وهكذا دواليك. فتصبح الزيادات غير محسوسة في سيكولوجية الجماهير المغربية وبالتالي لا تثير غضبا ولا احتجاجا.

وستعمم أسلوب الإجهاز بالتقسيط على المكاسب الشعبية ليشمل مجالات أخرى كتجريد الدولة من وظائفها الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية بالتقسيط والتدريج.

واليوم تنتقل عدوى هذا الأسلوب إلى ميدان التربية والتعليم، كما جاء في الميثاق، بحيث ستفرض رسوم مالية على التلميذ في الثانوي والطالب في الجامعة. تقديري أن هذا الرسم ليس إلا قسطا تليه أقساط تجهز على مكسب المجانية. وتحرر الدولة من إحدى خدماتها الاجتماعية، كهدف من أهداف الغزوة الاستعمارية الثانية.

تلك هي خصائص العقل الرسمي في خطوطها العريضة وتلك هي استراتيجيته الهجومية المتعددة المداخل لخدمة مخرج واحد هو الإمساك بقبضة رجل واحد على السلطات الأربع لصناعة القرار السياسي ببلادنا بدون تفويض من (رعية إسلامية) أو (مجتمع مدني) فاعلين.


[i]ـ عضو المؤتمر القومي الإسلامي وعضو سابق في الكتابة الوطنية لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.