منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أمثال الإنفاق بين أهل الإيمان والنفاق

0
اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة الأمثال القرآنية: ـ 4 ـ أمثال الإنفاق بين أهل الإيمان والنفاق:

تمهيد:

تحدث الله تعالى عن المال في القرآن الكريم وأولاه عناية بالغة، فنسبه إليه سبحانه فقال:{وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} (النور ـ 33)، وعدَّ الإنسان مستخلفا فيه، عليه أن يأتمر بأمر صاحب المال فقال: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} (الحديد ـ 7)، ونبه إلى أن به قوام الدين والدنيا فقال عز من قائل: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما} (النساء ـ 5)، وجعله عدلا للنفس في الجهاد فقال سبحانه: {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} (التوبة ـ 41)، وقرن بين إنفاقه زكاة مفروضة وبين إقام الصلاة فقال عز وجل: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين} (البقرة ـ 43)، واشترط لبلوغ درجة البر الإنفاق مما نحب فقال: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (آل عمران ـ 92)، وأثنى على المنفقين وبشرهم بجنة عرضها السماوات والأرض فقال سبحانه: {الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} (آل عمران ـ 134).

وأعظم الوعيد لمن يبخلون بما آتاهم الله من فضله ولمن لا يحض على طعام المسكين ولمن يمنعون الماعون ولمن يأكلون أموال اليتامى ولمن يأكلون الربا ولمن ينفقون أموالهم رياء وصدا عن سبيل الله.

المزيد من المشاركات
1 من 30

ونوع سبحانه الخطاب تحفيزا وتحذيرا، وترغيبا وترهيبا، وتذكيرا بأجر الدنيا والآخرة وتخويفا من عقابهما، وضرب الأمثال زيادة في البيان وسياسة للنفس البشرية المجبولة على حب المال.

نقف هنا مع جملة من الامثال القرآنية والنبوية في موضوع الإنفاق، نستخلص منها فضائل الإنفاق في سبيل الله ونقارن بين إنفاق وإنفاق، إنفاق المؤمنين وإنفاق أهل الكفر والنفاق.

 

المثال الأول: الإنفاق في سبيل الله تجارة لن تبور:

قال تعالى:{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} (سورة البقرة: 261).

في سورة البقرة حض متكرر على الإنفاق وثناء على المنفقين وتبشير لهم بالأجر العظيم.

هو اللطيف الخبير سبحانه مطلع على شح النفس البشرية وحبها للمال وسعيها للاستزادة منه فضرب سبحانه هذا المثال تشجيعا على الإنفاق لطائفة من الناس، لما تسمو إلى إرادة وجه الله، أو لما تتحرك إرادتها لبلوغ مقامات البر والإحسان، والفوز بمحبة الله تعالى امتثالا لقوله سبحانه: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} (البقرة ـ 195)، أو لما توقن أن ما تنفق ستجده عند الله {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير} (البقرة ـ 110)، أو لما تخش يوما لا تنفع فيه أموال ولا خلال {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} (البقرة ـ 254)، أو لما تتعظ بمن كانوا أحرص الناس على حياة ومال فبادوا وما سادوا {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة} (البقرة ـ 96)، أو لما تعتبر بالذين جحدوا وما شكروا نعمة الله فضربت عليهم الذلة والمسكنة، أو لما تسترشد وتقتدي بالمتقين {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} (البقرة ـ 3) سيما الكريم أبو الكرماء خليل الرحمان المتكرر اسمه في السورة عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.

ضرب سبحانه هذا المثال لطائفة من الناس ذات عقلية تجارية حسابية، أو زراعية فلاحية. تعمل وتحصي المصاريف، وتنتظر المداخيل والأرباح. فبين سبحانه أن الأرباح من الإنفاق في سبيله هي فوق ما يحصي العادون، في صورة بيانية جميلة صورت نفقة المنفق في قلتها بحبة تضاعفت سبعمائة مرة. فضلا عن كون الزرع الخصب تعشقه النفوس وتقر به العيون.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 11

يقول ابن القيم: شبه سبحانه نفقة المنفق في سبيله سواء كان المراد به الجهاد أو جميع سبل الخير من كل بر بمن بذر بذرا فأنبتت كل حبة سبع سنابل اشتملت كل سنبلة على مائة حبة والله يضاعف بحسب حال المنفق وإيمانه وإخلاصه واحسانه ونفع نفقته وقدرها ووقوعها موقعها فان ثواب الانفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الايمان والاخلاص[1].

يقول الشعراوي: فالإنفاق في سبيل الله يرده الله مضاعفا، وما دام الله يضاعفه فهو يزيد، لذلك لا تحزن ولا تخف على مالك؛ لأنك أعطيته لمقتدر قادر واسع عليم. إنه الحق الذي يقدر على إعطاء كل واحد حسب ما يريد هو سبحانه؛ إنه يعطي على قدر نية العبد وقدر إنفاقه. وهذه الآية تعالج قضية الشح في النفس الإنسانية.[2]

وفي آية اخرى سبقت هذا المثال جعل المولى الكريم الإنفاق قرضا حسنا وعد بقضائه مضاعفا فقال: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} (البقرة ـ 245).

مضاعفة الأجر والثواب ومضاعفة المال لقوله سبحانه: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} (سبأ ـ 39).

وفي مثال نبوي آخر أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المعاني وقربها للناس. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل”.[3]

في هذا المثال النبوي يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم قوما كان غالب طعامهم التمر فحثهم على النفقة من القليل كالتمرة أو ما يعادلها. وهم قوم كانت عنايتهم بالخيل بالغة فشبه عناية الله بنفقتهم القليلة بعناية أحدهم بفلوه (وهو المهر، صغير الفرس) حتى يكون فرسا يركبه في سفره ويجاهد به عدوه وقبل هذا وذاك هو زينة يسر الناظرين. بيد أن تلك التمرة تصير جبلا في الأجر والثواب الدنيوي والأخروي. بشرط أن تكون طيبة خالصة لله تعالى.

 

المثال الثاني: الإخلاص في الإنفاق بركة والرياء محق:

قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون} (سورة البقرة 264 ـ 266).

نهي منه سبحانه عن المن وهو التحدث بالصدقة افتخارا وإذاية للمتصدَق عليه لما فيه من إبطال الصدقات كما تبطل صدقات الكافر المرائي.

في هذا المثال مقارنة بين منفقين أحدهما مراء ممتن لا يؤمن بالله تعالى ولا باليوم الآخر والثاني يريد بنفقته مرضاة الله. فشبه الأول في محق نفقته وذهاب أجرها وخراجها بصخر أملس عليه تراب أصابه وابل من السماء فتركه صلدا أملسا لا أثر عليه من التراب الذي كان فوقه. فأموالهم تذهب هباء دون أن يحصلوا على ما كانوا يرجون منها وتبقى الحسرة تملأ قلوبهم. قال تعالى: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون} (الأنفال 36).

ينفقون أموالهم بسخاء في كل اتجاه صدا عن سبيل الله، إشاعة للفاحشة وإفسادا للأخلاق والعقول وسفكا للدماء وإهلاكا للحرث والنسل. ويأبى الله إلا أن يقيض لهذا الدين من عباده المصلحين من يدافع عنه وينصره بجهد المقل، فيباركه المولى الكريم وتأتي ثمار أعمالهم مبهرة كما هي مبهرة ثمار الجنة في مثال المنفق ماله ابتغاء مرضاة الله.

جنة بربوة، ارتفاعها على الأرض يزيدها جمالا، ولا يحجب عنها الشمس والرياح شيء، ويصيبها من السماء ما يكفيها إن وابل أو رذاذ فهي في كلتا الحالتين تؤتي أكلها بإذن ربها.

ذاك هو المؤمن عالية همته، حي بالقرآن قلبه، متقبل عمله، موفق سعيه، مضاعف أجره.

وصخر صلب لا ينبت زرعا، ولا يمسك قطرا، كل هاطل من السماء يكشفه ويعري قسوته ذاك هو قلب الكافر مختوم عليه، لا يثمر عملا ولا يتعظ بالوحي المنزل من السماء، إنما يكشف سوأته وقسوته.

وفي مثال بليغ آخر صور الله عز وجل ذهاب نفقتهم وفساد أعمالهم تصويرا يوحي بسرعة محقها في وقت يكونون فيه أشد فرحا بظهور نتائج أعمالهم مما يجعل الحسرة أكبر، نكالا من الله العزيز الحكيم. قال تعالى: {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته. وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون} (ال عمران ـ 116 ـ 117).

يقول سيد قطب: ” إننا ننظر فإذا نحن أمام حقل قد تهيأ للإخصاب فهو حرث ثم إذا العاصفة تهب. إنها عاصفة باردة ثلجية محرقة، تحرق هذا الحرث بما فيها من صر. واللفظة ذاتها كأنها مقذوف يلقى بعنف فيصور معناه بجرسه النفاذ، وإذا الحرث كله مدمر خراب، إنها لحظة يتم فيها كل شيء يتم فيها الدمار والهلاك”. [4]

 

المثال الثالث: الصدقة حصن وستر:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مثل البخيل والمنفق؛ كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه، وتعفو أثره. وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها ولا تتسع”.[5]

يقول ابن حجر: والمعنى أن الصدقة تستر خطاياه كما يغطي الثوب الذي يجر على الأرض أثر صاحبه إذا مشى بمرور الذيل عليه… وقال المهلب المراد أن الله يستر المنفق في الدنيا والآخرة بخلاف البخيل يفضحه.[6]

المنفق محصن من عدوه بدرع من حديد يستر جسده كله فلا يخلص إليه شيء يكرهه. وكما تحصنه نفقته من أذى الأعداء كذلك تستر عيوبه وتمحوها. أما البخيل فمكشوف صدره لعدوه بادية عيوبه للناس.

 

خاتمة:

إنفاق المال لإشباع جوعة جائع في يوم ذي مسغبة، هو اقتحام للعقبة، عقبة النفس الشحيحة، الحريصة على مالها. الواثقة بما في يدها أكثر من وثوقها بما في يد الله. وهي عقبة كأداء لا يقتحمها إلا المؤمنين المتواصين بالصبر والمرحمة. لكن ثمة عقبة أكبر من هذه وأشد على النفس، وهي عقبة إنفاق المال نصرة لدعوة الله، من أجل فك رقاب عباد الله، وتحريرهم من العبودية لغير الله.


[1] ـ الأمثال في القرآن ـ ابن قيم الجوزية المحقق: أبو حذيفة إبراهيم بن محمد ـ ص50

[2] ـ تفسير الشعراوي – الخواطر

[3] ـ رواه البخاري، كتاب الزكاة، رقم (1410)

[4] ـ في ظلال القرآن ـ سيد قطب ـ ج 4 ـ ص451

[5] ـ صحيح البخاري ـ رقم: (1443)

[6] ـ فتح الباري شرح صحيح البخاري ـ ابن حجر العسقلاني ـ ج 3 ص306

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.