منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في ظلال آية – يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ –

0
اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيقول الله عز وجل في كتابه الحكيم:” يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ[1]“. هذه الآية وردت في سورة فاطر، وقد سميت بهذا الاسم في كثير من التفاسير، وسميت في تفاسير أخر وفي صحيح البخاري وسنن الترمذي سورة الملائكة، وهي سورة مكية باتفاق، وهي الثالثة والأربعون حسب ترتيب النزول، نزلت بعد الفرقان وقبل مريم، وعدد آياتها خمس وأربعون وقيل ست وأربعون.

وقد اشتملت هذه السورة – كعادة السور المكية – على ما يتعلق بالتوحيد، وإثبات صدق الرسول، وإثبات البعث والنشور إجمالا، أما تفصيلا فقد تضمنت السورة “إثبات تفرد الله تعالى بالإلهية، فافتتحت بما يدل على أنه مستحق الحمد على ما أبدع من الكائنات الدال إبداعها على تفرده تعالى بالإلهية.

المزيد من المشاركات
1 من 31

وعلى إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، وأنه جاء به الرسل من قبله. وإثبات البعث والدار الآخرة.

وتذكير الناس بإنعام الله عليهم بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، وما يعبد المشركون من دونه لا يغنون عنهم شيئا، وقد عبدهم الذين من قبلهم فلم يغنوا عنهم.

وتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما يلاقيه من قومه، وكشف نواياهم في الإعراض عن إتباع الإسلام لأنهم احتفظوا بعزتهم، وإنذارهم أن يحل بهم ما حل بالأمم المكذبة قبلهم،  والثناء على الذين تلقوا الإسلام بالتصديق وبضد حال المكذبين، وتذكيرهم بأنهم كانوا يودون أن يرسل إليهم رسول فلما جاءهم رسول تكبروا واستنكفوا، وأنهم لا مفر لهم من حلول العذاب عليهم، فقد شاهدوا آثار الأمم المكذبين من قبلهم، وأن لا يغتروا بإمهال الله إياهم فإن الله لا يخلف وعده .

والتحذير من غرور الشيطان والتذكير بعداوته لنوع الإنسان[2]“.

قوله تعالى”:  يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ”، نداء عام يشمل الكافر والمؤمن، وقيل هو خطاب للمشركين كما غالب اصطلاح القرآن[3].

والغالب في الخبر أن يرد منكرا، فلماذا جاء هنا معرفا؟ جاء الخبر هنا معرفا لأنه” قصد بذلك أن يريهم أنهم لشدة افتقارهم إليه هم جنس الفقراء، وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين إليه من الناس وغيرهم، لأن الفقر مما يتبع الضعف، وكلما كان الفقير أضعف كان أفقر، وقد شهد الله سبحانه على الإنسان بالضعف في قوله :{ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً } وقال سبحانه وتعالى :(الله الذى خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ) ولو نكر لكان المعنى أنتم بعض الفقراء[4]“.

ومن افتقر إلى شيء استغنى بوجوده، وعليه يمكن تقسيم الفقر إلى قسمين باعتبار المفتقر إليه” فقر إلى الله، وفقر إلى شيء هو من الله، معلوم أو مرسوم وغير ذلك. ومَنْ افتقر إلى شيءٍ استغنى بوجود ذلك الشيء؛ فالفقيرُ إلى اللَّه هو الغنيُّ بالله، والافتقار إلى الله لا يخلو من الاستغناء بالله، فالمفتقر إلى الله مُسْتَغْنٍ بالله، والمستغني بالله مفتَقِرٌ إلى الله[5]“.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 24

وكما أن الغنى يورث غالبا الكبر وهو آفة الآفات، فعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر” قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، قال: ” إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس[6]“، فإن الفقر يورث غالبا التواضع، وهو من جميل الصفات، فعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله[7]“، قال الإمام القشيري – رحمه الله- “ومن شرف الفقر اقترانه بالتواضع والخضوع، ومن آفات الغنى امتزاجُه بالتكُّبر، وشَرَفُ العبد في فقره، وكذلك ذُلُّه في توهمه أنه غنيّ،ٌ

وإِذا تذلَّلَتْ الرِّقابُ تَقَرُّباً            مِنَّا إليكَ فعِزُّها في ذُلِّها[8]

والافتقار إلى الله تعالى ليس شيئا مندوبا أو مستحبا بل هو أصل من أصول الدين، ولذلك حرمة الجنة على من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، سئل أبو عبد الله الصبيحي عن أصول الدين فقال: ” اثنان: صدق الافتقار إلى الله عز وجل، وحسن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. وفرعه أربعة أشياء: الوفاء بالعهود، وحفظ الحدود، والرضا بالموجود، والصبر على المفقود[9]“.

وإذا كان الافتقار أصلا من أصول الدين، وبابا من أبواب الخير، فإن الدعوى – وهي نقيض الافتقار – أصل من أصول الهلاك، قال سهل بن عبد الله:” أصل الهلاك الدعوى، وأصل الخير الافتقار. وقال: حكم المدعي أنه تصحبه هذه الثلاثة الخصال: تصحبه التزكية لنفسه وقد نهي عن ذلك، وجهله بنعم الله عليه، وجهله بحاله[10]“.

وإذا كان الافتقار واجبا على كل عبد لله، فوجوبه على العالم أحرى، لأن العلم يجعل صاحبه عارفا بنفسه وبذلك ينعدم الادعاء، عارفا بربه وبذلك يصح الافتقار، قال ابن القيم – رحمه الله-:” ينبغي للمفتي الموفق إذا نزلت به المسألة ان ينبعث من قلبه الافتقار الحقيقي الحالي لا العلمي المجرد الى ملهم الصواب ومعلم الخير وهادي القلوب ان يلهمه الصواب ويفتح له طريق السداد ويدله على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق وما أجدر من أمل فضل ربه ان لا يحرمه إياه فإذا وجد من قلبه هذه الهمة فهي طلائع بشرى التوفيق فعليه ان يوجه وجهه ويحدق نظره الى منبع الهدى ومعدن الصواب ومطلع الرشد وهو النصوص من القرآن والسنة وآثار الصحابة فيستفرغ وسعه في تعرف حكم تلك النازلة منها فان ظفر بذلك اخبر به وان اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والاكثار من ذكر الله فإن العلم نور الله يقذفه في قلب عبده والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفئ ذلك النور أو تكاد ولا بد أن تضعفه[11]“.

وابن القيم هنا لم يكتف بالتنظير، بل جاوزه إلى التمثيل بنموذج حي من زمانه، كان عظيم العلم، صحيح الافتقار، قال ابن القيم وهو شاهد عيان:” وشهدت شيخ الإسلام قدس الله روحه اذا اعيته المسائل واستصعبت عليه فر منها الى التوبة والاستغفار والاستغاثة بالله واللجأ اليه واستنزال الصواب من عنده والاستفتاح من خزائن رحمته فقلما يلبث المدد الالهي ان يتتابع عليه مدا وتزدلف الفتوحات الالهية اليه بأيتهن يبدأ ولا ريب ان من وفق لهذا الافتقار  علما وحالا وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد فقد أعطى حظه من التوفيق ومن حرمه فقد منع الطريق والرفيق فمتى اعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحق فقد سلك به الصراط المستقيم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم[12]“.

وأقدر الناس على تعريف الافتقار إلى الله هم أهل الحقيقة مع الله – وقد وقفنا مع كلمات نورانية لواحد منهم هو الإمام القشيري، وقال الإمام الرفاعي معرفا حقيقة الافتقار إلى الله: «من حقيقة الافتقار الاستكفاء بالكافي، وطرح النفس السقيمة بين يدي المُعَافي. وأيضا حقيقته انتظار السبب مع المسبِّبِ مع رؤية السبب، والاشتغال بالمسبب مع نسيان السبب. وأيضا من حقيقته دوام التبَصْبُصِ والاعتذار، بلسان صدق الافتقار، مع غاية الانكسار. ومن حقيقته تخليص الأسرار من رؤية الأعمال، وترك الاعتماد على حسن الحال. ومن حقيقته أن لا ينصرف العبد عنه بخَلْقِه ولا بمُلْكه (…)”

ويقال: الافتقار فَرَاغَة في رِعاية، ورعاية في ولاية، وولاية في عناية، وعناية في هداية. فمن لا فراغة له لا رعاية له، ومن لا رعاية له لا ولاية له، ومن لا ولاية له لا عناية له، ومن لا عناية له لا هداية له (…).

“واعلم أن الافتقار أجل مراتب المحبين، وأرفعُ منازل المنيبين، وأزلف حالات المريدين، وأعظم آلات الأوابين، وأجل مقامات التائبين، وأعلى وسائل المقربين. وهو أصل العبودية، وصدر الإخلاص، ورأس التقوى، ومخّ الصدق، وأساس الهدى. فمن أراد أن يدخل في عُصبة أهل الافتقار فينبغي أن لا يهتم بأمر نفسه وعياله (قلت: هذا عين الهروب والعجز غفر الله لنا ولكم. ويسعنا ويسعكم الشكر والعذر)، وأن يتملق بين يدي الله تعالى، وأن يكون آيِسا مما سوى الله، مع الافتقار إلى الله[13]“.

وبعد أن وصف الله جل وعلا عباده بأنهم فقراء إليه، وصف نفسه بالغنى، فبضدها تميز الأشياء، قال تعالى:” وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ”، فهو جل وعلا المتصف المطلق، “المستغني عن الخلق بقدرته، وعز سلطانه[14]“. كما أنه جل وعلا المغني على الحقيقة، مغن لخلقه بعضهم عن بعض، “وإغناء الله تعالى لعباده على قسمين: منهم من يغنيه بتنمية أمواله، ومنهم من يغنيه بتصفية أحواله، وهذا هو الغنى الحقيقي[15]“.

وبعد أن وصف الله جل وعلا نفسه بالغنى، أضاف إليه وصفا آخر وهو كونه مع الغنى حميدا، أي محمودا “وهو فعيل بمعنى مفعول، محمود بحمده لنفسه، وحمد خلقه له، ويكون فعيلا بمعنى فاعل، حامد لنفسه، وحامد لعباده المؤمنين[16]“، وقد علل الزمخشري –رحمه الله- هذه الإضافة بقوله: “فإن قلت: قد قوبل الفقراء بالغنى، فما فائدة الحميد؟ قلت: لما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم – وليس كل غني نافعاً بغناه إلاّ إذا كان الغني جواداً منعماً فإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم واستحق – بإنعامه عليهم أن يحمدوه، الحميد على ألسنة مؤمنيهم[17]“.

[1]  سورة فاطر، الآية 15.

[2]  التحرير والتنوير، لابن عاشور، ج 22، ص 247/248.

[3]  نفس المرجع، ص 285.

[4]  الكشاف، للزمخشري، ص 884.

[5]  لطائف الإشارات، لإمام القشيري، ج 3، ص 65.

[6]  رواه مسلم في صحيحه.

[7]  رواه مسلم في صحيحه.

[8]  لطائف الإشارات، ج 3، ص 65.

[9]  شعب الإيمان، للبيهقي.

[10]  حلية الولياء.

[11]  إعلام الموقعين، لابن القيم، ج 4، ص 172.

[12]  نفس المرجع، ص 173.

[13]  أهل الحقيقة مع الله، ص 185/187.

[14]  تفسير أسماء الله الحسنى، للزجاج، ص 63.

[15] شرح أسماء الله الحسنى للقشيري، ص 248.

[16]  شرح أسماء الله الحسنى، للقشيري، ص 198.

[17] الكشاف للزمخشري، 884.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.