منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الخطاب بين الممكن والمحبوب والمطلوب

المقالة السادسة

اشترك في النشرة البريدية

أسلوب الخطاب وموضوعه قد يكون مناسبا لشخصية الخطيب وقناعاته الشخصية يجد فيه ذاته فيكون الخطاب محبوبا لديه، وفي نفس الوقت يكون هذا الموضوع في صلب اهتمام الناس ويحمل سائر الخصائص الموضوعية والمنهجية والشكلية فيكون طرحه مطلوبا، يضاف إلى ذلك كون الخطاب مقدورا للخطيب، لا يمنعه عنه مانع ذاتي ولا موضوعي فيكون ممكنا، لكن اجتماع هذه العناصر في موضوع واحد قلما يتيسر، ومن ثم يتعين على الخطيب أن يختار الموضوع بين ما هو ممكن وما هو مطلوب وما هو محبوب، وقبل أن نناقش طريقة تدبير الاختلاف بين هذه العناصر لابد أن نتوقف عند كل عنصر بما يجلي أهميته وتميزه عن باقي العناصر:

  • الموضوع المطلوب:

عندما نتحدث عن موضوع مطلوب فلابد أن له طالبا، والطالب هنا ليس سوى الجمهور المتلقي للخطاب، لكن ما الذي يجعل الخطاب مطلوبا لدى الجمهور؟ للإجابة عن هذا السؤال يمكننا الحديث عن نوعين من الخطاب المطلوب، خطاب مطلوب لذاته وخطاب مطلوب لسبب خارجي:

  • الخطاب المطلوب لذاته:

الخطاب المطلوب لذاته هو الخطاب الذي استوفى شروطه الشكلية والموضوعية: فالشروط الذاتية تتعلق بموضوع الخطاب وأسلوبه والحجج المتضمنة فيه، ويمكننا حصر خصائص الخطاب المطلوب لذاته في ثلاث خصائص، إذا اشتمل عليها الخطاب يمكننا وصفه بأنه خطاب مطلوب لذاته، هذه الخصائص هي: الفائدة والأصالة والتأثير، فالخطاب إذا حمل معنى واضحا يستفيده المتلقي وليس مجرد تموجات صوتية تدندن حول الفراغ فهو خطاب مفيد، وإذا كانت الفائدة التي يحملها الخطاب مؤصلة تأصيلا جيدا بالنصوص والشواهد العقلية والتجربة العملية فهو خطاب أصيل، وإذا ألقي هذا الخطاب المفيد والمؤصل بأسلوب مناسب للجمهور، واستعمل فيه الخطيب أدوات التأثير من ناحية الصوت وحركات الجسد وأجهزة التوضيح فهو خطاب مؤثر.

المزيد من المشاركات
1 من 13

والخطباء متفاوتون في هذه الملكات، فمنهم من يكون خطابه مفعما بالمعاني السامية لكنها غير مؤصلة بما فيه الكفاية، حتى إن بعض الناس ليعرض مشروعا جيدا للفشل بسبب كثرة الأحاديث الموضوعة، والأخبار الإسرائيلية التي يأباها العقل والصناعة الحديثية، وقد حالت هذه التأصيلات الضعيفة بين كثير من الناس وبين إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، الكتاب الذي لم يؤلف مثله في الإسلام، والناس بعده عالة عليه، وحتى الحنابلة الذين قسوا في الرد عليه اهتموا بمضامينه التربوية، فاختصره ابن الجوزي في منهاج القاصدين، استبعد فيه الأحاديث والأخبار الواهية، واختصر ابن قدامة كتاب ابن الجوزي في كتاب سماه مختصر منهاج القاصدين، استبعد منه ربع العبادات والمعاملات واقتصر على المنجيات والمهلكات، وإذا كان هؤلاء الأعلام لم يستسيغوا التفريط بكنوز الإحياء بسبب ما علق بها من ضعف التأصيل فعمدوا إلى خدمة الكتاب حسب اجتهادهم فإن أغلب الناس ضاقت حويصلاتهم ولم يصبروا على وقع الأخبار الموضوعة حتى يتسلموا ذخائر الدقائق القلبية التربوية المكنونة في الكتاب.

ومن الخطباء من  يصول ويجول في تأصيل الأخبار ويتطرق لكل لفظ من ألفاظ الروايات على حدة، لكنه عندما يصل لفقه الحديث لا يكاد يأتي بشيء، بل يكرر المعاني البديهية التي أصبحت من المعلوم بالضرورة، ومنهم من أوتي قدرة في التوفيق بن قوة المعنى وأصالة الاستدلال، لكن أسلوبه يقتل مضمون خطابه، فلا يستثير اهتمام الناس، وسرعان ما ينصرفون عنه فلا يكاد يعرف قدره بين الناس مع ما عنده من علم غزير وكفاءة في الرواية والدراية، ومنهم من أوتى قدرا كبيرا من كل هذه النواحي فيصير بذلك علَما مقدرا بين العامة والخاصة، وهذا هو المطلوب من الخطاب في حد ذاته.

  • المطلوب لسبب خارجي:

لا تتأتى أهمية الخطابات من داخل نصوصها وأساليب الخطباء وحسب، بل إن الأحداث التي يعيشها المجتمع لها أثر بالغ في ترجيح أهمية موضوع الخطاب، وعليه فقد ترتفع قيمة الخطاب بسبب أمر خارجي وإن اختلت خصائصه الذاتية، وقد تهوي قيمته مهما توفر لصاحبه من قدرة في اختيار الموضوع وتأصيله والحجاج عنه بأسلوب جيد إذا كان يسير خارج الاهتمام المجتمعي، ويمكن قياس أهمية الموضوع اليوم بمدى انتشاره على وسائل التواصل الاجتماعي ومحركات البحث، فعلى سبيل المثال في أيامنا هذه إذا كتبت حرف الكاف على محرك البحث فإن الكلمة الأولى التي سيقترحها عليك هي “كورونا”، لذا فإن موضوع كرونا تأتيه الأهمية من حيث هو مرض معد شغل الناس في جميع أصقاع العالم، والناس في حال انتظار دائم لأي جديد حول الموضوع، لا يهم إن كان هذا الجديد حقيقة أم كذبا، ولا يهم الأسلوب كثيرا لأن الموضوع له أهمية خارجية.

ومن الوجاهة أن نطرح هنا سؤالا حول الجهة التي تفرض أهمية موضوع دون آخر؟ والواقع أن هذا موضوع يحتاج تحليلا مستقلا، لكن يكفي أن نؤكد الآن أن أهمية الموضوعات قد تكون بسبب طبيعي لا يد فيه لأحد، بل هي من تصاريف الأقدار الإلهية التي لا يملك الإنسان في ردها شيئا، وهذا شأن الزلازل والفيضانات والأوبئة، وبغض النظر عما يمكن أن نقوله عن كسب الإنسان وأثر انحرافاته في ظهور بعض الجائحات فإن ما هو مسلم أن الإنسان لا يقصد إلى إحداث مثل هذه الكوارث، وبالتالي فالناس فيها سواسية يصدق عليهم قول شوقي: إن المصائب يجمعن المصابين.

ولكن أهمية الموضوع ليست دائما طبيعية خارجة عن إرادة الإنسان، بل هي صناعة أيضا لها أربابها يجيدون حبكها وفرضها على عموم الناس متى شاءوا وينزعونها متى شاءوا، فالإعلام ليس مجرد مرآة لنقل الحديث وتقريبه من المتلقين، بل هو وسيلة لتوجيه الأنظار إلى موضوع دون آخر، ووسيلة لتزيين والتقبيح حسب مصالح القائمين على وسائله، وعلى سبيل المثال فإن شركة عملاقة لها أذرعها الإعلامية إذا كانت مدينة لعدد من الأطراف ولا يريد أصحابها أداء ما بذمتهم، يمكن أن توعز لوسائلها الإعلامية بإبراز المشاكل الداخلية التي تتخبط فيها الشركة، بما يمهد لقبول الناس بإعلان الإفلاس، والحكومة قد تسمح للإعلام العمومي بإثارة بعض الملفات الكبيرة إذا كان ذلك سيشغل الناس عن موضوع أكثر أهمية، وكما تكون أهمية الموضوع صناعة سياسية فقد تكون صناعة اقتصادية وقد تكون محلية أو دولية.

وتبقى هنا إشارة لعلها من الأهمية بمكان هي أن بعض الموضوعات لا تكتسب أهميتها لا من نوع الموضوع ولا من أسلوبه ودرجة تأصيله، ولا تكتسبها من حدث خارجي، وإنما تكمن أهميتها في أهمية الخطيب نفسه، فالخطيب إذا كانت له رمزية معينة في المجتمع، سواء كانت رمزية إيجابية أو سلبية، فإن كل حديث يعد عليه عدا، وينقب عن ما وراء الألفاظ والعبارات من المقاصد والرموز، وسواء أحصينا عدد المعجبين بالخطيب أو الناقمين عليه فإن ما ينتج عن الإعجاب والسخط يعطي للموضوع أهمية خاصة لا تنبع من داخله ولا من حدث خارجي وإنما تأتي من مكانة الخطيب عند الجماهير.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2
  • الموضوع المحبوب:

يكون الخطاب محبوبا لدا الخطباء في رأيي لثلاثة أسباب، إما أن موضوعه يناسب مزاج الخطيب فهو خطاب مزاجي، وإما أنه يصب في تخصصه العلمي فهو خطاب مصلحي، وإما أنه يحمل أفكارا جديدة تطرق ذهن الخطيب لأول مرة فهو خطاب جديد:

  • الخطاب المزاجي:

الخطباء كسائر الناس تختلف طبائعهم وأمزجتهم وتكويناتهم التربوية، فمنهم الحاد الذي يغضب لأدنى سبب، ويمكن أن يستمر غضبه لساعات أو أيام، ومنهم الهادئ الذي لا يرى داعيا للغضب ولو انقلبت الدنيا رأسا على عقب، وما بين هذين الطبعين طباع كثيرة تتردد بين الهدوء والحدة، فالخطيب حين يكون أمام اختيار الموضوع فإن مزاجه وطبعه يؤثر في نوع الاختيار، ولم يتخلص من خصائص الطباع البشرية إلا صفوة من المحسنين الذين صقلوا أنفسهم بالذكر والمجاهدة حتى ارتبط رضاهم برضا الله تعالى وسخطهم بسخطه سبحانه، وهم المذكورون في حديث الولي بقول الله تعالى “فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها..”

 

  • الخطاب المصلحي:

توجد بعض المصالح لدا الخطباء تحبب لهم موضوعا معينا، فالباحثون يحاولون ألا يضاعفوا الجهد في موضوعات متعددة، ويحاولون تركيز الجهد على الموضوع الذي يرتبط بتخصصاتهم العلمية، وقد يكون التخصص العلمي دقيقا لا يدركه كثير من الناس ولا يحسون بأهميته، فالخطيب هنا لا يستحضر في طرح هذه الموضوعات إلا مصالحه الأكاديمية، ويكون الخطاب هنا مجرد أفكار مسموعة ينضج بها الباحث أطروحة بحثه.

        ج- الخطاب الجديد:

قد ينفتح للخطيب موضوع جديد فيتناوله تحت تأثير الإعجاب، ولا ينتظر حتى يختمر الموضوع في ذهنه ويصل إلى مرحلة الاستيعاب والتقييم، فكل موضوع يولد لدى الإنسان جديدا يكتشف جوانبه ثم يتعرف عليه جيدا قبل أن يكتشف ما خفي من عيوبه، وبما أن لكل جديد دهشة كما يقال فالتسرع في طرح موضوع جديد قبل استيعابه يؤدي إلى إفراط في إبراز بعض الجوانب وإغفال كثير منها، فكثير من المفكرين اشتغل طويلا بالحداثة ظانا أنها تحل محل الدين لكنه اكتشف أخيرا أنه وقع تحت تأثير الجديد لما جبل عليه الإنسان من حب الاكتشاف والتحول من حال لحال، وكذلك خطاب التشدد والتكفير ليس سوى مرحلة من مراحل الاكتشاف لموضوع جديد ينقض كثيرا من تقاليد المجتمع البالية، لكنه يؤدي إلى نهايات فاجعة، ولو انتظر أصحابه أمكنهم أن يدركوا أن ذلك الأسلوب لا يمكن أن يكون إسلاميا عقلا ولا نقلا، لكن لسرعتهم لم يكتشفوا ذلك إلا في غياهب السجون وأتون المعارك العبثية التي لا رأس لها ولا ذنب.

  • الخطاب الممكن:

بين الدواعي الذاتية للخطاب المحبوب والدواعي الموضوعية للخطاب المطلوب يمكن أن ينتج الخطيب خطابا لا يصل إلى ما هو مطلوب تماما لكنه يتجنب أكثر ما يمكن من عيوب الخطاب فيكون خطابه خطابا ممكنا يصاغ في حدود الممكن، لا يتساهل فيما يستطيع من شروط الخطاب في جميع مراحله، فإيمان الخطيب بأن خطابه خطاب ممكن يقيه شرين كبيرين: الأول هو الإعجاب بالرأي والثاني هو فقدان الثقة بالنفس، فلا يكون فاجرا جلدا ولا ثقة خوارا، فإذا امتلأ الخطيب بهذا الإحساس الوسطي الذي يبصره بقوته وضعفه بقي عليه أن يتجه لإنتاج خطاب يلائم قدراته الذاتية ومحيطه الخارجي، وهنا نطرح السؤال: كيف يتمكن الخطيب من اختيار الموضوع بين كل هذه الإكراهات الذاتية والموضوعية؟ وهذا موضوع آخر.. نرجو أن يكون فيما ذكر لفت انتباه السادة الخطباء والوعاظ لأهمية مراعاة مقام كل خطاب يتلقونه ينتجونه على حد سواء.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.