منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تعامل الصحابة مع القرآن؛ فهما وتدبرا وعملا.

0
اشترك في النشرة البريدية

مقدمة:

تعلم الصحابة رضي الله عنهم القرآن الكريم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقوه بنية التنفيذ، فحرصوا على تعلمه رسما ومعنى ونقله كما أنزل إلى غيرهم، وبذلك تعددت أعمالهم وتنوعت بحسب ما تلقوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان قرآنا يمشي على الأرض، ولهذا طبقوه على عدة مستويات، جسدت فهمهم العميق والدقيق والشامل للقرآن، وهذه المستويات يمكن إجمالها في سبع مستويات، وهي:

– الإيمان قبل القرآن.

– التخلق بأخلاق القرآن.

– الفهم بأن القرآن يلزم منه الجهاد.

المزيد من المشاركات
1 من 30

– تحكيم القرآن في جميع الشؤون.

– جمعه وحفظه من الضياع.

– حفظه علما وعملا.

– التأثر به والخشوع عند تلاوته.

1- الإيمان قبل القرآن:

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معلما، ومربيا، ومزكيا يتلو القرآن على الناس  فيتأثرون بحسب صدقهم واستعدادهم ويتجدد إيمانهم، وقد بين الحق سبحانه هذا التجدد وهذه التزكية الإيمانية في قوله تعالى: “هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياتنا ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا منة قبل لفي ضلال مبين” (الجمعة:2). يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن وتنزل  السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده كما تعلمون أنتم القرآن ثم قال لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما أمره ولا زاجره، ولاما ينبغي أن يوقف عنده منه ينثره نثر الدقل)[1]. والدقل هو رديء التمر.

من خلال هذا الأثر، يتبين أن الصحابة تشربوا الإيمان من رسول الله بالمصاحبة، والمجالسة والتلمذة، وجاءت بعدهم أجيال معظمهم تعلموا القرآن قبل الإيمان، وقد أخبر  رسول الله صلى الله عليه وسلم في معرض ما حصل له مع ذي الخويصرة،  لما جذبه هذا الأخير من ثيابه جذبا شديدا أثر في عنقه الشريف، وقال يا رسول الله اعدل، فقال: (ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أعدل)، فقال عمر يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه فقال: (دعه فإن له  أصحابا  يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل تدي المرأة أو مثل البضعة تدردر (أي تضطرب) ويخرجون على حين فرقة من الناس)[2].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

لهذا فلا نعجب إن وجد فينا من يحفظ القرآن ولا يعمل به، أو يعمل به في حيز ضيق، أو يدعي أنه يعلم  وهو لا يفقه شيئا بسبب أنه لم يتشرب معاني القرآن كما تربى عليها الصحابة الكرام بصحبتهم لرسول الله  والتي تتجدد معانيها بمصاحبة العلماء العاملين، والأولياء العارفين من الناس، ومجالستهم والتعلم على أيديهم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه قال: (العلماء أمناء الرسل)[3]. وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: (الأمانة تنزل في جذر قلوب الرجال)[4].

2- التخلق بأخلاق القرآن:

لقد اقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي زكى الله عز وجل خُـلقه، فقال عنه “وإنك لعلى خلق عظيم” (القلم:4). وقال عن نفسه عليه السلام: (أدبني ربي فأحسن تأديبي). وهو كما وصفته أمنا عائشة كان خلقه القرآن، ومن النماذج التي تدل على ذلك ما روي عن سيدنا الحسين أن جارية أهدته عود أرك، أي سواك فقام على الفور بعتقها، فقيل له لم فعلت هذا؟ فقال أهدتني هدية فلم أجد أفضل ما أرد به عليها سوى عتقها ألم تقرؤوا قول عز وجل: “وإذا حييتم بتحية فحييوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا”. (النساء:85).

3- الفهم بأن القرآن يلزم منه الجهاد:

والجهاد بمفهومه الشامل لا بمفهومه الجزئي المختزل في جهاد السيف، ولذلك جاهد الصحابة بالقرآن والحجة والبرهان، والوقت والعلم، وبالمال والنفس، كما عرف أهل القرآن بالعلم والشجاعة والبذل والجهاد بكل أبوابه. فهذا الإمام علي كرم الله وجهه الذي قال: (سلوني عن كتاب الله، فإنه ليست آية في إلا وقد عرفت بليل نزلت أو بنهار، في سهل أو جبل، والله ما نزلت آية إلا وقد علمت  فيم أنزلت، وأين نزلت، وإن ربي وهب لي قلبا عقولا، ولسانا سئولا)[5]. فقد عرف بشجاعته فما من أحد إلا أنصف منه، وهذا عبد الله بن الزبير وكان من كتبة الوحي فقد اشتهر بمبارزته للأعداء في المعارك، كما تميز حملة القرآن في ميدان الجهاد، ففي معركة اليمامة استشهد العديد من الصحابة والتابعين، ومن بينهم سبعون من حملة القرآن، بعدما أبلوا البلاء الحسن، وكانوا يتنادون بينهم، ياأهل القرآن  زينوا القرآن بالفعال؟ فقام على إثر هذا النداء سالم مولى أبي حذيفة، وكان حاملا لكتاب الله، يلوم نفسه ويقول بئس حامل القرآن أنا إن هزم المسلمون اليوم بسببي، فانطلق يقاتل حتى استشهد

4- تحكيم القرآن:

فهم الصحابة رضي الله عنهم معنى قوله عز وجل “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولــئك هم الكافرون” (المائدة:46). فابتعدوا عن تحكيم الأهواء ،وشاهدوا رسول الله عليه الصلاة والسلام يقتص من  نفسه، ولا يحابي في الحق أحدا مهما كانت مكانته ،وشاهدوا غضبه لما أراد أسامة أن يشفع للمرأة المخزومية لما سرقت فقال له: “أتشفع في حد من حدود الله؟” ثم قام فخطب وقال: (إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)[6].

وقد سار على دربه خلفاؤه من بعده، فهذا أبو بكر الصديق  يضرب أروع الأمثلة حين حارب مانعي الزكاة باعتبارها حقا من حقوق الله، لا ينبغي التساهل فيه، فقال قولته الخالدة: “أينقص الدين وأنا حي؟”. أما سيدنا عمر رضي الله عنه فكان لا يحكم في مجلس قضاءه، حتى يفتح المصحف، و يقرأ ما تيسر من  كتاب الله، فسئل عن ذلك، فقال أخشى أن يشكوني القرآن يوم القيامة، ويقول يا رب إن عمر اتخذني مهجورا.

5- الاهتمام بجمعه وحفظه من الضياع:

فهِـم الصحابة رضي الله عنهم جميعا من قوله عز وجل: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” (الحجر:9) أن الأمر يقتضي منهم أن يتأهبوا لجمعه، ويبذلوا قصار جهدهم في ذلك، ولهذا قام كوكبة من الصحابة بعملية  جمع القرآن، على رأسهم زيد بن ثابت بعزمة من أبي بكر الصديق، بعد إلحاح من عمر، فكان الجمع الأول ثم الثاني ثم الثالث والأخير على يد عثمان رضي الله عنهم جميعا.

6- تعلم القرآن علما وعملا:

روي أن عمر  مكث ثمان سنين في سورة البقرة، حتى حفظها علما وعملا وتدبرا وهذا الحرص الشديد على تعلم القرآن بهذه الكيفية، هو الذي أهله أن يحاسب نفسه صباح مساء، فأقام العدل في ربوع البلاد الإسلامية

7- الخشوع عند تلاوته وسماعه:

هذا الفهم الشامل للقرآن هو الذي جعلهم يخشعون، فقد تبث أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان إذا صلى بهم سمع لصدره أزيج كأزيج المرجل من البكاء (القدر الذي يغلي)، فتأثروا به. فكان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه رجلا أسيفا، لاتميز قراءته من كثرة البكاء، وسمع عمر رضي الله عنه قول الله عز وجل: “بسم الله الرحمان الرحيم، والطور وكتاب مسطور، في رق منشور، والبيت المعمور، والسقف المرفوع ، والبحر المسجور، إن عذاب ربك لواقع” (الطور:1-7)، فخـرّ مغشيا عليه، ومرض على إثر ذلك شهرا كاملا، والناس يزورنه.

أما سيدنا عثمان رضي الله عنه فله تعلق كبير بالقرآن، فقد روي عنه أنه كان يقوم الليل إلا هجعة من أوله، وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن معنى قوله عز وجل: “أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكر أولو الألباب” (الزمر:10)، فقال هو عثمان بن عفان ففسر آية بنموذج بشري، كما كان يختم القرآن في ليلة واحدة ،وفي ليلتين، وفي ثلاث ليال. وقد استُـشهد رضي الله عنه وهو يقرأ القرآن وسال الدم على المصحف عند  قول الله عز وجل:  “فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم” (البقرة:136)، فكفاه الله أعداءه وانتقم منهم شر انتقام.

خاتمة:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلو آيات الله على الناس، ويزكيهم وكذلك صار على ذلك أصحابه، فقد سمع عمر النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ أواخر سورة الحاقة، وكان خلف ستار الكعبة، والنبي صلى الله عليه وسلم في جوفها، فتحول من الكفر إلى الإسلام، ثم ما لبث أن شهد شهادة الحق.

وسمع أسيد بن حضير من مصعب بن عمير آيات من القرآن، بعد ما جاء شاهرا حربته يريد قتله، فقال ما أحسن هذا الكلام! ماذا يصنع من أراد أن يدخل في هذا الدين؟ فقيل له يغتسل ويتوضأ، فذهب سريعا ورجع يقطر شعره من الوضوء، وشهد شهادة الحق، ثم ذهب وأرسل ابن خالته سعد بن معاد فذهب إلى مصعب متغيظا، يريد الفتك به، ويأمره بمغادرة المدينة وإلا قتله، فقال مصعب اسمع مني كلاما إن أعجبك فذاك ما نريد، وإن أبيت كففنا عنك ما تكره ، فجلس فاستمع فأخذت سرارير وجهه تتغير، ثم ما لم يلبث أن قام فشهد شهادة الحق، وذهب سريعا فجمع قبيلته بني عبد الأشهل من الخزرج، وخطب فيهم وقال: ما تقولون في، قالوا سيدنا وابن سيدنا، قال: فإنكم أنتم ونساؤكم، وأموالكم علي حرام حتى تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقاموا فأسلموا جميعا.

 

وتبقى الشواهد كثيرة لا يتسع المقام لذكرها، فهي وإن كثرت ليست، مقصودة لذاتها، وإنما للتأمل فيها لأخذ العبرة، والسلوك مسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم في معاملتهم مع القرآن والاقتداء بهم.

[1] – رواه الحاكم في “المستدرك”.

[2] – رواه البخاري، حديث رقم: 3610 والإمام مسلم، حديث رقم: 1064، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[3] – رواه الإمام العقيبي.

[4] – اخرجه البخاري في كتاب الرقائق البخاري.

[5] – رواه الحاكم في المستدرك.

[6] – رواه البخاري حديث رقم: 3475. ومسلم حديث رقم: 1688.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.