منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإيمان بوجود الإله عند الإنسان: قاعدة لازمة؟ أم حالة عارضة؟

اشترك في النشرة البريدية

مقدمة

أصبح شبابنا يصدمون بكم هائل من الأسئلة المشبوهة التي في ظاهرها تخاطب العقل وتنير الطريق، ولكنها في الحقيقة جرعات سم تسري في عقولهم الغضة الطرية. وللأسف أخذتنا الغفلة عنهم بسذاجتنا، وقلة انتباهنا إلى المتغيرات المتسارعة من حولنا، فوجدوا أنفسهم عُزَّلاً لا يملكون أجوبة يدافعون بها عن معتقداتهم ومُسَلَّماتهم، ومن لا يستطيع أن يجيب سيراوده الشك لا محالة، ثم بعد ذلك سيجد نفسه مضطرا إلى التخلص من هذه الشكوك بتغيير القناعات، وترك الإيمان الذي درج عليه منذ صرخ صرخته الأولى في هذه الحياة.

كثير من خيرة شبابنا أخلاقا وتفوقا ورجاحة عقل يتفلتون من بين أيدينا تفلت الزئبق. هذا أقنعه عبدة الشيطان بأن إبليس مظلوم فأصبح منهم، وآخر أوهموه بأن الحياة هي ما نعيش ونرى بأم أعيننا وما عداها خرافات وأساطير، فلم يعد يؤمن بالغيبيات الثابتة في ديننا، بل لم يعد يعتقد بوجود الله أصلا، أما من يعملون على إفساد القيم والمبادئ فحدث ولا حرج.

من خلال هذه المقالة وما سيعقبها من مقالات أخرى بإذن الله تعالى أريد أن أسهم في ترميم جزء من أخطاء مجتمعاتنا الإسلامية التي اقتصرت على توريث العقيدة الإسلامية للأجيال خالية من أدوات الفهم والإقناع. أريد أن يمتلك شبابنا هذه الأدوات ليكونوا على بينة من أمرهم فلا يتلاعب بعقولهم أحد، ولا يجدون أنفسهم محرجين أمام الكم الهائل من الشبهات الباطلة التي يقذف بها دعاة الإلحاد والإفساد، حتى أصبحت تُخَيِّل إليهم الباطل حقا والحق باطلا، تماما كما يفعل السحرة الذين يجبرون جمهورهم على أن يروا خلاف الحقيقة بخدعهم وخفة حركتهم.

1- لا اعتراض على وجود الإله في كل العصور:

عندما نتتبع قصص الأمم الغابرة في القرآن الكريم، نلحظ بوضوح أن صراع الأقوام مع أنبيائهم ورسلهم لم يكن قط حول قضية الإيمان بوجود الله. فكل الأقوام الذين ذكروا إما اتخذوا مع الله إلها آخر، أو عبدوا آلهة دونه سبحانه. ولهذا كان التحدي البارز عند جميع المرسلين هو دعوة الناس إلى عبادة الله المستحق للألوهية والعبودية، وتصحيح كل الاختلالات التي وقعت فيها البشرية في مسألة مصيرية وحاسمة (مسألة اتخاذ الإله).

ولنتأمل هذه الطائفة من الآيات القرآنية عن صراع الأنبياء مع أقوامهم:

-قوم نوح عليه السلام: “قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا” (سورة نوح الآيات من 21 إلى 26)

-قوم هود عليه السلام: “وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ” (سورة الأعراف من الآية 64 إلى الآية 69)

-قوم صالح عليه السلام: “وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ” (هود 60/61/62).

-قوم لوط عليه السلام: “وَلُوطًا إذْ قالَ لقَوْمه إنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحشَةَ ما سَبَقَكُمْ بها منْ أَحَدٍ منَ الْعالَمينَ أَإنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبيلَ وَتَأْتُونَ في ناديكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمه إلاَّ أَنْ قالُوا ائْتنا بعَذاب اللَّه إنْ كُنْتَ منَ الصَّادقينَ قالَ رَبّ انْصُرْني عَلَى الْقَوْم الْمُفْسدينَ” (العنكبوت من الآية 27 إلى الآية 30).

-قوم إبراهيم عليه السلام: “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ” (سورة الأنعام الآية 75) 

-قوم موسى عليه السلام: “وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ” (الآية 126 من سورة الأعراف)

-قوم عيسى عليه السلام: “وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ” (الآية 118 من سورة المائدة)

-قوم خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم: “وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ”* (الآية 36 من سورة الزمر). وقال سبحانه: “وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ” (الآية 3 من سورة الزمر).

اللافت لانتباه العاقل في هذه النصوص القرآنية أن إنكار وجود الله حالة لم يواجهها الأنبياء والمرسلون كما واجهوا الوثنية والألوهية الباطلة. ولهذا من يقرأ القرآن قراءة متفحصة لا يجده يتحدث عن ظاهرة “الإلحاد” كما تحدث عن الكفر والشرك والنفاق. لم يعر القرآن أي اهتمام لهذه الحالة الشاذة في البشرية، وأنى لها أن يُتَحَدَّثَ عنها وهي لا تعدو أن تكون كنُتُوء متورم على سطح الجلد؟ لا يحتاج إلا إلى الزمن حتى يَنْفَقِئ من تلقاء نفسه ويختفي.

قد يقول قائل: أنت هنا لم تتجاوز دائرة القرآن إلى الآن. من يعترض على وجود الله لا يؤمن بقرآنك، فلا قيمة لما قلت في نظره. قلت له: تمهل، فأنا لست بصدد الإقناع بما جاء به القرآن، إنما أريد التنبيه إلى أن من يأتي إلى الناس بدعوة معينة لابد أن يجيب على اعتراضاتهم، ولابد أن يخاطبهم بما يواجهونه به. فإذا كان إنكار وجود الله هو الغالب وهو الحالة السائدة فلا يعقل ألا يحتوي القرآن على إشارات مباشرة حول ذلك. بل إن ما عرضه القرآن وفصل فيه تفصيلا تمحور بشكل كلي حول قضيتي التصدي لظاهرة المعبودات المتعددة التي حكمت معتقدات الناس عبر مر الأزمان والعصور، وترسيخ عبادة الإله الواحد الأحد دون غيره.

ثم إن هذه الصورة التي صورها القرآن عن البشرية جمعاء، تتوافق وتتطابق كليا مع الواقع الذي نعيشه. غالبية الناس يميلون إلى اتخاذ إله مهما كانت طبيعته، ومهما بلغت تفاهته (أقصد هنا من يتخذون آلهة باطلة). أنظر من حولك، أنظر إلى الشعوب والقبائل والأمم المنتشرة على وجه هذه البسيطة، ديانات وآلهة لا حصر لها تسيطر على حياة الناس. فالهند على سبيل المثال، تضم أزيد من مائة وثمانين ديانة مختلفة، وكل طائفة بإله خاص تعبده وتقدم له الولاء والقربات.

قد يكون مثيرا للاهتمام أن نسأل هذا السؤال: من أكثر الشعوب إيمانا بوجود إله يعبد ويلجأ إليه؟ لا يحتاج الجواب إلى كثير بحث وطول تقص، فهو واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، فبغض النظر عن الأمم التي لها مصادر غيبية تثق بها وتعتقد بصحتها كالمسلمين الذين يستمدون معتقداتهم من القرآن الكريم والحديث النبوي الصحيح، أو المسيحيين واليهود الذين يستندون إلى كتابهم المقدس، فإن أقرب الناس إلى الإيمان بوجود إله هم الذين يعيشون حياة فطرية خالية من المشوشات المادية التي جرفت الكثير إلى هاوية الشذوذ عن الطبيعة الإنسانية. قال هوبير ديشان[1] في كتابه: الديانات في إفريقيا السوداء: “يبدو أن جميع شعوب إفريقيا تعتقد بوجود إله متعال خالق للكون، إلا أنهم يختلفون اختلافا كبيرا في تقدير سلطانه في تصريف أمور الدنيا. والفكرة السائدة بينهم هي أن هذا الإله يبعد بعدا شاسعا عن العالم، بحيث يصعب على الناس الاتصال به، وأن الأحرى أن توجه العبادة إلى من دونه من الآلهة. إذ أنهم المكلفون من قبله بالسهر على أمور هذه الأرض وهم رسله ووكلاؤه. وتطلق قبائل “دوجون” اسم “أمَّا /amma” على الإله الخالق. وله عندهم المكانة العليا يتضرعون له في كل مناسبة ويذكرون اسمه قبل اسم أجدادهم. وفي كل بيت عظيم من بيوت الأسرة يقام له محراب… ويقدم رب الأسرة القرابين إليه”[2].

الفطرة السليمة لا تقود إلا إلى الإيمان بوجود إله تفوق عظمته الوجود بأسره، ومن يقول خلاف ذلك يجد نفسه محاصرا من كل جانب بمن يخالفونه ولا يميلون إلى ميله.

وإن نظرة خاطفة في تاريخ الإلحاد، لتجعلك تتيقن بأن هذه الظاهرة لم يكن لها أتباع يحملون مشعلها ويجمعون عليها الأمم والشعوب كما فعل أصحاب المعتقدات الدينية على اختلافهم وبغض النظر عن صحة ما يدعون إليه.

لعل الطفرة التي أعطت بريقا للمشككين في وجود الإله، هي ما حدث ابتداء من القرن السابع عشر عندما انفجرت الثورة العلمية في أوربا، فعاكست الأبحاثُ والاكتشافاتُ والاختراعاتُ العلميةُ معظم المعتقدات الدينية المسيحية السائدة آنذاك، ونشبت حرب إبادة بين رجال الدين ورجال العلم، فكانت النكسة الكبرى للكنيسة. وهذا ما فسح المجال واسعا أمام دعاة النزعة الإلحادية ليوسعوا نشاطاتهم في عصرنا الحديث.

وللإشارة فكل ما خالفه العلم حينها من معتقدات دينية لا يلامس مطلقا صميم الدين الحق البتة. فما كان رائجا وقتئذ مجرد ضلالات ابتدعها رجال الكنيسة خدمة لمآربهم ومصالحهم الشخصية.

ورغم تفوق هذه الحركة الفكرية الجديدة في ربوع أوربا، وتمكنها من أخذ السلطان من يد الكنيسة التي تمثل القداسة الدينية، فإن الإلحاد ظل محدودا لا يلامس إلا قليلا من الناس. “في استطلاع رأي أجراه مذيع الإذاعة البريطانية BBC الشهير جون همفري في مدخل القرن الحادي والعشرين شارك فيه 2200 بريطاني حول موقفهم من الإله كانت النتيجة كالآتي: %28 يؤمنون بالإله و%26 يؤمنون بشيء لكن غير متأكدين من كنهه و%16 اعتبروا أنفسهم ملاحدة و%9 لا أدريون منهم همفري نفسه والباقي إما لم يفكروا في الأمر أو لا يعرفون أو لم يجيبوا.

وفي دراسة أجرتها أيضا BBC عام 2004 في عشر دول أوروبية كانت نسبة الملاحدة %8. وفي الولايات المتحدة أجرى معهد “كالوب” عام 2005 دراسة أظهرت أن نسبة الملاحدة تبلغ %5… أما في بلاد الشرق فليست هناك إحصائيات دقيقة لكن الانطباع العام أن المشكلة أقل من الغرب بكثير”[3].

 خلاصة القول فإن الواقع والتاريخ يثبتان لكل منصف وصاحب بصيرة أن البشرية عبر العصور لا تعترض على وجود إله كان حقا -وهو الله الواحد الأحد- أم باطلا، إلا قلة قليلة لا ترقى إلى مستوى صرف الناس عن هذه الحقيقة اليقينية الكبرى.

المزيد من المشاركات
1 من 13

2- شبهة حول تعدد الآلهة عند الإنسان:

يرى بعض الذين يعترضون على وجود الله أن كثرة الديانات وتعدد الآلهة دليل كاف لاعتبارها خرافة من خرافات السذج، وحيلة من حيل من لهم حاجة في أنفسهم بهذه الصنيعة “التافهة”. ويزيد هؤلاء على قولهم بأننا لو قضينا عمرنا كله لما كفانا ووسعنا في البحث عن صاحب الحقيقة. هذه شبهة من الشبه التي تنقض نفسها بنفسها من الأساس، ولا تحتاج إلى جهد كبير لدحضها. فلو طلبنا من أصحابها أن يُلْزِموا أنفسهم بمنطقهم الذي أسسوا عليه كلامهم، لما قدروا على ذلك. لأنهم سيجدون أنفسهم ينكرون كل شيء من الوجود. لو قلنا بأن كل أمر كثر مدعيه ليس حقيقة ولا وجود له فإننا بذلك سنلغي من الوجود الحقائق كلها ولن تستقيم حياة الإنسان. لنفترض أن عشرات الآباء ادعوا أبوتهم لطفل واحد، فمنطق هؤلاء يفرض أن نقول: هذا الطفل لا أب له أصلا، لأن كثيرا من الرجال ادعوا انتسابه إليهم، وبما أنهم كثر ولا يسعنا الوقت لإثبات صاحب الادعاء السليم، فهو بدون أب. هل يعقل هذا؟ هل تسير حياة الناس بهذا المنطق؟ أعتقد أن أي إنسان سوي سليم العقل لا يمكن أن يقبل بهذا الهراء.

إن التعدد في الادعاء بأمر ما يقتضي أن نحتمل الصحة في الادعاءات كلها، أو في بعضها، أو أحدها، وعليه فإن المنهج العقلي يلزمنا أن نخضع جميعها للدراسة والتحليل والتجربة. الطبيب عندما يريد أن يصف دواء لعلاج مرض ما فيجد نفسه أمام عدة مقترحات واختيارات، لن نقبل منه مطلقا أن يقول: لا يوجد دواء، لأن هناك احتمالات متعددة. بل يقوم بالتجربة ويحلل النتائج ويقارن ويرجح حتى يحصل على الدواء المناسب.

فهل أعطيتمونا قليلا من سعة صدركم يا أصحاب شبهة تعدد الآلهة والديانات لنستعمل المنطق السليم ونحسم جزء كبيرا من هذه القضية؟ بقليل من النظر والتفكر، نجد أن الناس المتدينين فريقان، فريق يؤمن بآلهة مادية صرفة تُرَى وتُلْحَظ، وفريق يؤمن بإله غيبي لا تدركه الأبصار. أما من يعتقدون الألوهية في الماديات المحسوسة، فدعواهم باطلة جلية البطلان. لأن الإله الحق لابد أن تتوافر فيه صفات الكمال المطلق، فلا يمكن أن يكون ضعيفا أو عاجزا أو غير قادر أو غير عالم أو فانيا أو فقيرا إلى غيره أو مرتبطا وجودُه بغيره، الإله الحق لا يجب أن يكون كمثله شيء على الإطلاق، الإله الحق يفترض فيه أن يكون أكبر من كل الموجودات مهيمنا عليها ومسيطرا على شؤونها لا تخفى عليه خافية، الإله الحق ينبغي أن نجد له أثرا في حياتنا، بل يجب أن نجده معنا أينما كنا وتعينا، وبهذا يمكن الجزم بأن كل الماديات كيفما كانت لا تصلح أن تكون آلهة على الإطلاق، ولا ينازع في هذا إلا معاند ومكابر. وهؤلاء ليسوا معنيين بقضية إثبات أو نفي الوجود من الأصل.

أما من يعتقدون بإله غيبي هو الله عند أصحاب الرسالات السماوية -ونحن المسلمين على رأسهم- وهو بادعاءات كثيرة عند أصحاب الديانات القديمة، فهذه قضيتهم وهم المعنيون بإثبات صحة معتقدهم في الألوهية. وهنا أجزم بأن كل الديانات القديمة والتي مازال لها أتباع إلى الآن كالبوذية والهندوسية أو البراهمية والكونفوشيوسية وغيرها تنطلق من الإيمان بإله غيبي واحد، ولكنها انحرفت وظلت الطريق فأصبحت تعطي صفات الإله إلى غيره من الموجودات.

مثلا الهندوسيون يعتقدون التثليث في الإله، ويجعلون لكل واحد من الثلاثة وظيفته وعمله، فالمسمى “براهما” هو إله الخير عندهم وهو سيد الآلهة وخالق الوجود. أما الإله الثاني فهو المسمى “فيشنو” وهو رب الماضي والحاضر والمستقبل، وهو الذي يدعم ويحفظ ويحكم الكون ويطور كل ما فيه. وأما الثالث فهو “شيفا” ويوصف بالمسيطر أو المدمر. وهذا الإله الثلاثي يحل في ذات إنسانية هي ذات المسمى عندهم “كريشنا”. أما العقيدة البوذية فنجدهم يؤمنون بأن بوذا هو ابن الله –عند طائفة منهم-  فيقيمون له المعابد ويتقربون إليه بطقوس خاصة. جاء في كتاب “أخلاقيات البوذية: مقدمة قصيرة جدا” للمحاضر داميان كيون[4]: “كان هناك اعتقاد أيضا بأنه (أي بوذا) يوجد في عالم روحاني متسام… واعتقدوا أنه مازال موجودا في مكان ما يعمل بفعالية من أجل سعادة الكائنات تماما مثلما كان يفعل على الأرض. وتماشيا مع هذا المعتقد ظهرت طوائف دينية متشددة تمجد وتبجل بوذا وتطلب منه الشفاعة”[5]. وهكذا إذا تتبعت كل الديانات القديمة فإنك تجدها تنطلق من أصل واحد انحرف عن حقيقته بتعاقب الأجيال ودوران الزمن. فإذا قارنت ما يدعو إليه أصحاب التوحيد مع ما أضفاه أصحاب الديانات على آلهتهم المزعومة، تجد نفسك أمام نفس الإله بمسميات مختلفة ابتدعها الناس جهلا أو قصدا. وهذا ما يفسر بعثة الأنبياء والرسل الذين كانت مهمتهم الأساسية تصحيح العقيدة الدينية وإرجاعها إلى سكتها الأولى، إلى الإيمان بالله إلها واحدا دون سواه.

أقول لأصحاب شبهة تعدد الآلهة: نحن في الواقع أمام إله واحد عبر تاريخ البشرية جمعاء، غير أنه ادعي معه أو دونه آلهة باطلة، فلماذا توهمون الناس بما لا يتوافق مع المنهج العقلي الذي تمجدونه وتجعلونه مرجعا لكم فيما تدعون؟

الحقيقة الماثلة أمامنا بالتقصي والبحث العلمي أن أصحاب هذه الشبهة يريدون أن يصرفوا الأنظار عن جوهر الموضوع بدفعه إلى هوامش لا تستحق حتى الإشارة والذكر، فهم كمن يصطاد في الماء العكر، لا غرض لهم في تجلية الحقائق بقدر حرصهم على صرف أصحاب الحق عن حقهم.

3- هل أنا مضطر أن أعبد إلها؟

وُجِدْنا في هذه الأرض لنقضي حياة -تطول أو تقصر- مليئة بالأحداث المتعاقبة والمتتالية تحكمها علاقات مركبة ومتداخلة، حياة بالتأكيد تتضارب فيها المصالح، ويغوص في حمأتها كل إنسان يريد أن يجعل لنفسه موطئا آمنا يضمن له العيش الكريم، فكيف يمكن أن تستقيم هذه الحياة وتصلح للجميع؟ وكيف يأخذ كل ذي حق حقه بالعدل والقسط؟

الواقع يؤكد أن الإنسان إذا تُرِك لنفسه يعيش حياته وفق هواه، فلن تخرج عن دائرة القوة والسلطة والنفوذ. من له القوة والسلطان يسيطر ويسود، والضعيف لا تقوم له قائمة إلا بالمقدار الذي يرضي القوي. إنه قانون الغاب بحذافيره، لا فرق فيه بين الإنسان والحيوان من حيث استعمال القوة، وجعلها وسيلة لبسط السيطرة وفرض الوجود إلا في أمر واحد، هو أن الحيوان تقتضي طبيعة خلقه أن يعيش كذلك، أما الإنسان فإنه يعطل بهذا السلوك إنسانيته التي كرم وفضل بها على سائر المخلوقات.

صحيح في العصر الحديث يوجد تقدم ظاهر في مجال الحقوق والمساواة بين الناس. هناك اتفاقيات ومعاهدات وبروتوكولات دولية مؤطَّرة بما يسمى القانون الدولي، تحت رعاية منظمة تجمع معظم أمم العالم، ولكن الإنسان مَثَلُه في هذا كمَثَل من يغطي قبحه بمساحيق قد تزينه لبعض الوقت وسرعان ما يعود الحال لحاله. لأن منطق “الغلبة للأقوى” هو الذي يسود في تدبير شؤون البشرية، فالقوانين والتشريعات تُفَصَّل على مقاس القوى الكبرى لضمان الهيمنة والسيطرة.

إذا ما الحل؟ ما الحل الذي يجعل الجميع خاضعا لقوة أكبر، قوة لها قدرة مطلقة على تدبير شؤون الناس في كل الأزمنة والأمكنة بما يضمن لهم العدل والعيش الكريم؟

لا أجد جوابا يحترم عقلي إلا أن تكون هذه القوة هي مصدر هذا الوجود. من أوجد الإنسان وغيره هو القادر على كبح جماحه والتحكم في زمام أمره. ولن يكون هذا إلا الله عز وجل، الله الذي تؤمن بوجوده الغالبية الساحقة من البشرية.

لولا هذا الإيمان المتعاقب عبد العصور، لفني الإنسان وما عرف له وجود، وأنا هنا لست أبالغ ولا أهرف، فقد سبق وأن قلت بأن النزعة الإلحادية نشطت في القرون الثلاثة الأخيرة بعد الثورة العلمية التي فصلت العلم عن الإيمان، وجردته من أي ارتباط بعالم الغيب، فنشأت بذلك حضارة مادية لا تؤمن إلا بما تثبته التجربة، هذه الحضارة ما جلبته من كوارث على الإنسانية لم يسبق له مثيل. نعم جعلت الحياة تتطور وتتقدم في كل المجالات، وجعلت بين يدي الإنسان كل الوسائل الملبية لاحتياجاته الغرائزية، ولكن، كم من الشعوب داستها الأقدام في خضم هذه المعركة المادية المجردة من الأخلاق والقيم والمثل العليا؟ كم من الحروب نشبت لا يَرْقَبُ أصحابها فيها إِلاًّ ولا ذمة في كثير من الخلق؟ كم من الآفات والأزمات أصبحت تقض مضجع الإنسانية بسبب انعدام وجود وازع يحيي الضمائر والقلوب التي لا ترى إلا المصالح المادية ولو هلكت كل البشرية؟  

المؤمن بالله مهما بلغت قوته، ومهما علا سلطانه، فإنه يستشعر رقابة صاحب القوة المطلقة، فلا يتمادى في تصرفاته، ولا يتجاوز حدود ما شرع له.

فما عرفت البشرية عدالة أكبر من عدالة تتحكم فيها تعاليم الدين الحق، ولا عرفت عيشا كريما أفضل مما عاشته تحت جناح الدين الحق، فالفرق شاسع بين من يستحضر مراقبة الله ويخاف الله، ومن يستحضر مراقبة إنسان مثله ويخاف إنسانا مثله.

إن وجود الله في حياة الناس يعطي لها معنى، ويجعلها تنضبط بما يحقق السعادة للجميع مهما كانت الفوارق واختلفت الظروف، وجود الله يجعل من أراد أن يطغى ويتجبر في الأرض يرتدع ويكف أذاه عن الناس. وهذا كاف أن يجعل الإنسان يلوذ إلى الله ويحتمي به، أحرى أن يجادل في وجوده من عدمه.

من زاوية أخرى، فالإنسان وجد بطبيعة مزدوجة خلاف غيره من الموجودات من حوله، فهو جسد وروح. الجسد يحتاج إلى تلبية غرائزه الشهوانية كالأكل والشرب والنوم والراحة والاستجمام واللهو إلى غير ذلك، والروح تحتاج إلى الهدوء والاستقرار والانضباط والتحكم، ولا يمكن أن ينكر أحد حاجته إلى الموازنة بين مطالبه المادية ومطالبه الروحية.

كثير من الناس بين أيديهم كل ملذات الدنيا وشهواتها المادية، ولكنهم لا يجدون السعادة والطمأنينة في أنفسهم، لأنهم أخلوا بالتوازن. غلبوا جانبا من ذواتهم على آخر، غلبوا المادة وجعلوا قلوبهم فرغة، فهؤلاء وأمثالهم في حضارتهم المادية قد يصل بهم الأمر إلى الإحساس بانعدام قيمة الحياة التي يعيشون، حياة لا يجدون لها أي طعم أو ذوق. فإما يصابون باضطرابات نفسية واجتماعية، أو يلجؤون إلى الانتحار كحل سهل يضع حدا لمعاناتهم. بالمقابل فالمتدين الذي يلجأ إلى الله ليوازن بين المطالب المادية والروحية، يجد السعادة والطمأنينة في الحياة بكل ظروفها ومتغيراتها.

مما نحفظ من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه حيث قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيءٌ فَلاَ تَقُلْ لَوْ أَنِّى فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّه وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ”[6]. أي توازن هذا الذي يرسخه الإسلام في قلوب أبنائه بين مطالب المادة والروح؟ أي سعادة وطمأنينة سيجدها المؤمن عندما يلوذ بالله ويحتمي به ويوكل أمره إليه إذا عاكسته مطالب الحياة المادية؟

أجزم قطعا أن من يبحث عن الحقائق ويحترم المنطق السليم لن يجد نفسه إلا مضطرا للإقرار بحاجته إلى الله وحاجته إلى عبادته، لينعم بالحياة التي من أجلها وجد في هذه الأرض.


[1] أستاذ بمعهد الأجناس البشرية وبمعهد الدراسات السياسية بباريس، كان قد شغل منصب حاكم المستعمرات الفرنسية في غرب إفريقيا.

[2] الديانات في إفريقيا السوداء، هوبير ديشان، المركز القومي للترجمة عدد 1796 ترجمة: أحمد صادق حمدي، ط 2011  ص44.

[3] الإلحاد مشكلة نفسية، الدكتور عمر شريف، ط الأولى 2016 نيو بوك للنشر والتوزيع، ص38

[4] داميان كيون: أستاذٌ فخريٌّ لمادة أخلاقيات البوذية في كلية جولدسميث بجامعة لندن. من مؤلَّفاته: «أخلاقيات البوذية: مقدمة قصيرة جدًّا»، بالإضافة إلى العديد من الإصدارات الأخرى حول البوذي

[5] أخلاقيات البوذية: مقدمة قصيرة جدا، داميان كيون، ترجمة صفية مختار، ط الأولى 2016، منشورات مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة ص73.

[6] رواه مسلم في كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة بالله، وتفويض المقادير لله

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.