منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الذكاء الاصطناعي في المدرسة المغربية (المتطلبات والشروط والتفعيل)

عبد العزيز قريش

0

الذكاء الاصطناعي في المدرسة المغربية

(المتطلبات والشروط والتفعيل)

Artificial intelligence in the Moroccan school

(Requirements, conditions and activation)

عبد العزيز قريش[1]

ـ ملخص:

تأت هذه الورقة في سياق تحول المدرسة المغربية من الممارسة التقليدية إلى الممارسة الهجينة في التدريس انطلاقا من جائحة كوفيد19، مسايرة مع تطورات الثورة الصناعية الرابعة المحملة بجيل ما بعد المعلومات من تقنيات واختراعات ونظم بما فيها الذكاء الاصطناعي الذي يقف تحديا أمامها. يساومها عن مدى إمكانياتها في توظيفه داخل العملية التعليمية التعلمية، ضمن متطلباته وشروطه وتفعيله ومشاكله.

فتهدف هذه الورقة إلى الإضاءة على هذا الموضوع المستجد راهنا، من حيث مفهومه وماهيته ومتطلباته وشروطه وآليات تفعيله، وعائده، وإكراهاته في نطاق توطينه في المدرسة المغربية. ومنه تنبع أهمية الورقة من خلال أهمية الذكاء الاصطناعي في الفعل التعليمي التعلمي، الذي سيحدث تحولا جذريا في مفهوم التعليم والتعلم، وفي أساليبه وطرقه فضلا عن تغيير مكوناته المادية وتجهيزاته وكفايات طواقمه البشرية. فإلى أي حد يمكن أن يساهم فهم الذكاء الاصطناعي والوعي بدوره وأهميته في توطينه بالمدرسة؟

 

Summary:

This paper comes in the context of the transformation of the Moroccan school from the traditional practice to the hybrid practice in teaching starting from the COVID-19 pandemic, in keeping with the developments of the fourth industrial revolution loaded with the post-information generation of technologies, inventions and systems, including artificial intelligence, which stands a challenge in front of it. He bargains with her about the extent of her capabilities to employ him within the educational-learning process, within its requirements, conditions, activation and problems.

                This paper aims to shed light on this emerging subject at present, in terms of its concept, what it is, its requirements, conditions, mechanisms for its activation, returns, and its constraints within the scope of its settlement in the Moroccan school. And from it stems the importance of the paper through the importance of artificial intelligence in the educational-learning act, which will bring about a radical shift in the concept of teaching and learning, and in its methods and methods, as well as changing its material components, equipment, and the competencies of its human staff. To what extent can an understanding of artificial intelligence and awareness of its role and importance contribute to the settlement of it in the school ?

 

ـ الكلمات المفتاحية: الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence ـ التحول الرقمي Digital Transformation ــ الرقمنة Digitization ـ المجتمع الرقمي Digital Society ـ تكنولوجيا التربية Breeding Technology ـ تكنولوجيا التعليم Educational Technology ـ التحيزات الخوارزمية Algorithmic Biases.

ـ المدرسة في سياق التحول الرقمي للمجتمع المغربي:

تعيش المدرسة المغربية في سياق التحول الرقمي للمجتمع المغربي تغيرات وتطورات جذرية، تقودها الثورة الصناعية الرابعة، ومنتوجها الفكري والتقني، ويتصدرها الذكاء الاصطناعي في تقديم خدمات تعليمية متنوعة، فضلا عن حلول عملية لقضايا إشكالية، كالقضية اللغوية تعليما وتوظيفا.

فهو يجري التغيرات في بنية المدرسة ووظيفتها ومجتمعها وثقافتها واجتماعيتها واستراتيجياتها، ويكسر فيها بذكائه الفائق الفواصل والحواجز والفوارق بين الإنساني والآلي؛ مما يوجب عليها:

إعادة النظر في إطارها التقليدي … وإلى تخليق بنى جديدة وتشكيلات جديدة تفيد من التقنيات الحديثة جميعها … وإن عليها أن تدرك أنه لابد من استخدام النتائج التي يقدمها لنا العلم … من أجل الوصول إلى تعليم أفضل وأسرع … وإن عليها فوق هذا كله أن تنتبه إلى أن دور ها الأساسي في عصر العلم والتقنية هو أن تعد الإنسان لمرحلة ما قبل الإنتاج … وأن مهمتها الأساسية بالتالي تعد الأطر العلمية والفنية والإدارية اللازمة لمرحلة ما قبل الإنتاج. (عبد الدائم، 1981، صص.:117 ـ 118)

 في سياق هذا التحول، ستضطر المدرسة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي، مما يطرح عليها تحديات عديدة.

ـ الإشكالية:

 توطين الذكاء الاصطناعي في المدرسة، يتطلب تجاوز أولا؛ تحديات تأسيس البنية التحتية التكنولوجية. وثانيا؛ تحديات بناء المعمار العلمي المعرفي لهذه البنية وثالثا؛ تجاوز تحديات تفعيلها. فتجاوز هذه التحديات في المدرسة يؤهل توطين الذكاء الاصطناعي فيها، بما يطرح سؤال مرجعيات التوطين، وسؤال المتطلبات، وسؤال الشروط، وسؤال العائد، وسؤال التفعيل، وسؤال الآفاق، وسؤال القضايا الإشكالية للذكاء الاصطناعي، على الإجابة.

ـ مرجعيات توطين الرقميات في المدرسة:

 مرجعيات توطين الذكاء الاصطناعي من مرجعيات توطين التكنولوجيات التربوية والتعليمية والموارد والأدوات الرقمية في عمليات التعلم والممارسات التعليمية المختلفة؛ التي تغطيها الأدبيات والفلسفة التربوية والقوانين والتشريعات المدرسية.

فالتوطين جاء تحت تغطية الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015 ـ 2030 وموادهما وبنودهما. (الدعامة10 من الميثاق وموادها التفصيلية119 و120 و121، ص.: 54؛ ومبادئ ومقومات الرؤية الاستراتيجية المنهجية المقترحة، ص.:10، والغايات المتوخاة، ص.:12؛ والرافعة6، الفقرة 28، ص.:23؛ والرافعة12، الفقرة77، ص.:39؛ الدعامة20، الفقرتان104 و102، صص.:62 ـ 63).

كما ورد تحت بنود القانون الإطار رقم51.17، في المادة 33. (ج. ر. عدد6805، 17 ذو الحجة 1440/19 أغسطس 2019، صص.:5623 ـ 5637)؛ ومواد المرسوم رقم 2.20.474صادر في 15 من محرم 1443/24 أغسطس 2021 الخاصة بالتعلم عن بعد (الجريدة الرسمية عدد 7019، 28 محرم 1443/ 6سبتنمر 2021، صص.:6556 ـ 6559)، وإجراءات وتوجيهات خارطة الطريق 2022 ـ 2026. ( ص.:20).

ـ الكلمات المفتاحية:

 تتشكل هذه الكلمات مما ورد في عنوان ومتن الورقة من مصطلحات ومفاهيم:

ـ الذكاء الاصطناعي L’intelligence artificielle (IA):

 تختلف التعريفات فيما بينها وفق الباحث والدارس وتوجهاته وخلفياته النظرية ومجالات اشتغاله، لكن في الغالب ما نجد منطقة تقاطعات بين التعاريف نحو تشكيل نواة للمفهوم. ولا يشذ عن هذه القاعدة تعريف الذكاء الاصطناعي الذي عرف ب:

*دراسة للسلوك الذكي في البشر والحيوانات والآلات، كما أنه يمثل محاولة لإيجاد السبل التي يمكن بها إدخال مثل هذا السلوك على الآلات الاصطناعية. (ويتباي، 2003/2008. ص.:15)

*دراسة كيفية جعل أجهزة الكمبيوتر تعمل الأشياء التي فيها هذه اللحظة الناس أحسن” (ريتش، نايت.1991. ص.:2)

* أي نظام يمكن أن يتكيف لإعطاء استجابة مناسبة لبيئته، يمكن اعتباره ذكيا. (MATHIVET, Virginie, 2014, P. :23)

*يهدف علم الذكاء الاصطناعي إلى فهم طبيعة الذكاء الإنساني عن طريق عمل بـرامـج لـلـحـاسـب الآلي قادرة على محاكاة السلوك الإنساني المتسـم بالذكاء. وتعنـي قـدرة بـرنـامـج الحـاسـب عـلـى حـل مسألة ما أو اتخاذ قرار في موقف ما  بـنـاء عـلـى وصـف لـهـذا المـوقـف …

ورغم أننا لا نستطيع أن نعرف الذكاء الإنساني بشكل عام فإنه يمكن أن نلقي الضوء على عدد من المعايير التي يمكن الحكم عليه مـن خـلالـهـا. ومـن تلك المعايير القدرة على التعميم والتجريد، التعرف على أوجه الشبه بين المواقف المختلـفـة، والـتـكـيـف مــع المــواقــف المــســتــجــدة، واكــتــشـــاف الأخـــطـــاء وتصحيحها لتحسين الأداء في المستقـبـل…. الـخ. (بونيه، 1993، صص.: 11 ـ 12)

*عرف الذكاء الصناعي على أنه دراسة التصورات التي تسمح بجعل الآلة ذكية، أو بتعبير مرفين منسكي علم برمجة الحاسوب لينجز مهاما تتطلب ذكاء عندما تنجز من قبل الإنسان. وهو كذلك القدرة على أن تتعامل الآلة مع المعلومات بشكل شبيه بما يقوم به الإنسان. وبالجملة، إنه العلم الذي يستهدف جعل الآلة تقوم بمهام يقوم بها الإنسان باستخدام ذكائه، أو كما قال آخرون إنه فرع من المعلوميات الذي يهتم بجعل السلوك الذكي آليا، أي فرع من المعلوميات يسعى إلى تمثل المعرفة الإنسانية وصورنة الاستدلال بشكل يجعلنا نحصل على خوارزميات تحاكي سبل التفكير الإنساني. وقد عرفه فليب دريفيوس بأنه علم وتقنيات معالجة آلية للخبر، أو هو وسيلة لتمثل وعقد المعارف حتى تتمكن الآلة من استخدامها. وبالجملة، اعتبار الذكاء الصناعي محاولة لاستنساخ فكر وسلوك الإنسان ومحاكاتهما صناعيا. (الباهي،2020، ص:120)

*دراسة الكليات العقلية باستخدام النماذج الحسابية. (Charniak and McDermott، 1985)

*تصميم الوكيل الذكي. (بول وآخرون، 1998)

* يدرس إمكانية جعل الكمبيوتر يؤدي المهام التي يكون الإنسان أفضل من أجلها اليوم

من الآلة. (ريتش آند نايت، 1990)

*أتمتة الأنشطة المرتبطة بالتفكير البشري. مثل اتخاذ القرار وحل المشكلات والتعلم… (بيلمان، 1978)

*دراسة الآليات التي من خلالها يدرك الوكيل وأسبابه وأفعاله. (وينستون، 1992)

*دراسة الكيانات ذات السلوك الذكي. (نيلسون،1998). (Meghyn, 2008/2009,P. :1)

 بجانب هذه التعاريف نجد أخرى، تركز جميعها ـ منذ أن عرفه لأول مرة العالم الأمريكي جون ماكارثي John McCarthy بأنه علم هندسة صناعة الآلات الذكية، وخاصة ما تعلق ببرامج الحاسوب الذكية، أو هو فرع من علوم الحاسوب يهدف إلى إنشاء الآلات الذكية أو “إنه علم وهندسة صنع الآلات الذكية، على سبيل المثال لا الحصر برامج الكمبيوتر الذكية بشكل خاص. إنها مرتبطة بمهمة مماثلة استخدام أجهزة الكمبيوتر لفهم الذكاء البشري، لكن الذكاء الاصطناعي ليس مضطرا، لذلك تقتصر على الأساليب التي يمكن ملاحظتها بيولوجيا” (McCarthy, 2007, P. :2) ـ على توظيف معطيات الذكاء البشري الفائق في الآلات، وتوظف الذكاء الاصطناعي في فهم الاشتغال الذهني البشري للاستفادة منه في المزج بين الإنسان والآلة أو يسميه نبيل علي <الإنساليات>.

ومنه يمكن نحت تعريف إجرائي للذكاء الاصطناعي يتماشى ومضمون الاستعمال في هذه الورقة، حيث يفيد” <الذكاء الاصطناعي هو مجموعة من الآليات والميكانيزمات والبرامج والتقنيات التي تهدف إلى محاولة الاقتراب من التفكير البشري والاشتغال الذهني في الآلات الذكية على مختلف أنواعها ووظائفها لإنجاز الفعل النظري أو العملي بدرجة فعالة>.

ـ التحول الرقميTransformation numérique:

*الاستثمار في الفكر وتغير في السلوك لإحداث تحول جذري في طريقة العمل، عن طريق الاستفادة من التطور التقني الكبير الحاصل لخدمة المستفيدين بشكل أسرع وأفضل. ويوفر التحول الرقمي إمكانات ضخمة لبناء مجتمعات فعالة، تنافسية ومستدامة، عبر تحقيق تغيير جذري في خدمات مختلف الأطراف من مستهلكين وموظفين ومستفيدين، مع تحسين تجاربهم وإنتاجيتهم عبر سلسلة من العمليات المتناسبة، مترافقة مع إعادة صياغة الإجراءات اللازمة للتفعيل والتنفيذ. (ساره محمد المفضي، د. ت.، ص.:6)

*يشير التحول الرقمي إلى تبني شركة لطرق عمل جديدة ومبتكرة تعتمد على التقدم التكنولوجي. وبالتالي، فهو تحول قائم على الأدوات الرقمية التي تعمل من خلالها الشركة على تحسين ممارساتها الحالية أو استبدالها باستخدام تقنيات جديدة مع تعديل ثقافتها، إذا لزم الأمر. التحول الرقمي ليس حلاً، ولا منتجًا للشراء: إنه يتعلق بكل ما يتعلق بتكنولوجيا المعلومات، في جميع القطاعات. (redhat, Publié 6 février 2023)

* التحول الرقمي هو العملية التي يتم من خلالها مرور شركة من القرن العشرين، التي لديها نموذج اقتصادي قبل وصول الإنترنت، من أجل دمج التقنيات الرقمية الحديثة في وظائفها الحيوية <التسويق، البحث، والتطوير والإنتاج>؛ تمنحها مزايا تنافسية، وتسرع نموها ونجاحها. كما توفر لها نموا أسيا. (Auberger, Benzakour, Grégoire, Meynlé, 2017, P. :19)

* عملية تحول الأعمال العالمية، الأمر الذي دفعها إلى مراجعة أساليب تعاونها مع العملاء وعمليات العمل الداخلية وفي بعض الأحيان حتى نموذج أعمالها. (Dudezert, 2018,P. :16)

هذه التعاريف تجمع على فعل التحول في المنظمة أو المؤسسة رقميا من أجل تجويد النظام وسيرورته ومخرجاته؛ ومنه، يمكن صياغة تعريف للتحول الرقمي يفيد: <التحول الرقمي عملية يجريها المجتمع ومؤسساته العامة والخاصة بدمج التكنولوجيا الرقمية في جميع مجالات حياته وأنظمته وأعماله وأشغالها. فيغير بشكل أساسي من ثقافته وعقلية اشتغاله، ومن استراتيجياته وطرق وأساليب خدماته وجودتها فضلا عن قيمها. فيتبنى تقنيات رقمية مستحدثة لإجراء التغيرات المستهدفة، كإنشاء حلول رقمية من قبيل وضع منصات للتواصل أو مواقع للخدمات والتدبير أو تطبيقات الجوال للإبحار في منجزاته أو منصات رقمية لمؤسساته، ومنها الإدارية والتعليمية والثقافية والاقتصادية والسياسية والدينية>.  ومنه نجد المغرب عمل التحول الرقمي من خلال <وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة > عبر المساهمة في تنمية الإدارة الرقمية، والوصاية على وكالة التنمية الرقمية ADD، التي أنشأت الأكاديمية الرقمية المنوط بها تقديم المعرفة الرقمية.

ـ الرقمنة Numérisation:

تتنوع المفاهيم المتعلقة  بمصطلح <الرقمنة>، وفقا للإطار أو السياق الذي يستخدم فيه المصطلح وينظر <تيري كاني> <Terry Kuny> إلى الرقمنة على أنها عملية تحويل المعلومات على اختلاف أشكالها مثل: الكتب، والدوريات، والتسجيلات الصوتية، والصور الثابتة إلى شكل مقروء بواسطة تقنيات الحاسبات الآلية عبر النظام الثنائي < البتات Bits>،  وتعتبر البيتات وحدة المعلومات الأساسية لنظام معلومات مرتكن إلى الحاسبات الآلية، وتحويل المعلومات من الأرقام الثنائية، يمكن أن نطلق عليها<الرقمنة> ـ وذلك من وجهة نظر  <تيري كاني> ـ ، ويتم القيام بهذه العملية بفضل مجموعة من التقنيات والأجهزة المتخصصة. وتشير < شارلوت بيرسي> <Charlette Bures> إلى الرقمنة على أنها منهج يسمح بتحويل البيانات والمعلومات من النظام التناظري إلى النظام الرقمي.

ويقدم <دووج هودجر> <Doug Hodges>مفهوم آخر تم تبنيه من جانب المكتبة الوطنية الكندية، ويعتبر فيه الرقمنة إجراء لتحويل المحتوى الفكري المتاح على وسيط تخزين فيزيائي تقليدي مثل: مقالات الدوريات، والكتب، والمخطوطات، والخرائط وغيرها إلى شكل رقمي.

ويمكن استخلاص أن المفاهيم السابقة تتشارك في أن الرقمنة تمثل عملية الحصول على مجموعات من النصوص الالكترونية وإدارتها من خلال تحويل مصادر المعلومات المتاحة على وسائط تخزين تقليدية إلى صورة الكترونية، وبالتالي يصبح النص التقليدي نص مرقمن يمكن الاطلاع عليه من خلال تطبيقات الحاسبات الآلية. (أحمد، 2009، ص.:11)

*الرقمنةDigitalization فتعني استعمال التكنولوجيات والبيانات لغرض تحسين الأداء والإنتاجية من خلال خلق بيئة أعمال رقمية، حيث تستخدم فيها المعلومات الرقمية بشكل أساسي. كما ترمز عملية الرقمنة إلى إجراءات الانتفال إلى الأعمال الرقمية، أو استخدام التكنولوجيا الرقمية لتحسين جودة العمل والحصول على فرص لتعظيم القيمة والربحية.

من الأمثلة التي توضح معنى عملية الرقمنة عمليات تحليل البيانات التي تم تجميعها من مجموعة أجهزة مرتبطة بشبكة الإنترنت، بغرض إيجاد أفضل الطرق لتعظيم الأرباح، أو استخدام التكنولوجيا الرقمية في تحويل عمليات إعداد التقارير وجمعها وتحليل بياناتها بشكل لحظي، واستعمال النتائج في تخفيف الأخطار، وتعظيم الكفاءة في المشاريع المستقبلية. (مكي، 2021، ص.:17)

 ويمكن استخلاص تعريف يتوافق مع طرح الورقة، يفيد بأن الرقمنة، هي تحويل المعطى المعلوماتي والمعرفي والوثائقي الفيزيقي إلى معطى رقمي، قابل للتخزين والاسترجاع والقراءة الإلكترونية والتوظيف الرقمي عبر تكنولوجيا الرقميات.

ـ المجتمع الرقمي société numérique:

 يبدو أن مصطلح < المجتمع الرقمي> لم ينطلق منذ البداية مع بدايات ثورة تكنولوجيا المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات، وإنما كانت تغطيه مصطلحات أولية مناسبة لتلك الحقبة التاريخية من قبيل: <مجتمع المعلومات> أو <مجتمع الشبكة> أو <مجتمع شبكي>، ثم وظف هذا المصطلح نتيجة تغلغل التقنيات في المجتمع بأسره، وفي مفاصله وتفاصيله. ومن ثم فالمجتمع الرقمي هو:

* المجتمع الرقمي يعكس صورة المجتمع ككل من حيث التقدم واستيعاب وتكامل التقنيات الرقمية في كل من المنزل والعمل والتعليم والترفيه وغيرها من الأنشطة، وخُططُ المجتمع الرقمي تشمل وتغطي البنية التحتية والإجراءات التنظيمية والتي تؤثر بشكل مباشر على اقتصاديات البلاد، وعلى السكان مثل التعليم والإطار التنظيمي وتطور قطاع تقنية المعلومات والاتصالات. (البياتي، 2014، ص.:102)

* مجتمع يتميز بتدفق المعلومات عبر الشبكات العالمية بسرعات غير مسبوقة. (عبد الرحمن، 2022، ص.:1557)

* المجتمعات التي يعتمد عملها على شبكات الكمبيوتر وأجهزة الكمبيوتر … من خلال اختراق جميع الطبقات الاجتماعية وجميع مجالات الحياة، فرضت الرقمنة شكلاً من أشكال الاتصال يعتمد على الوسائط الرقمية وجددت التصور الذاتي للمجتمعات والأفراد. ((DHS, Version du: 21.10.2018

ويتضح أن المجتمع الرقمي مجتمع ما بعد المعلومات، جد متطور، يعتمد على الذكاء الفائق في كل مفاصل وتفاصل حياة المجتمع المتنوعة، كالتصنيع الذكي والتصنيع الأخضر الذي اعتمدته الصين في استراتيجية <صنع في الصين 2025>، والذي حقق إثره التصنيع الصيني ثمارا مبكرة. و”ازداد الوعي بشكل عميق بأهمية التصنيع في الاقتصاد الوطني، تم إحراز تقدم مشجع في التصنيع الذكي والأخضر، ويتعزز بناء نظام الابتكار للتصنيع، وترتفع سرعة التحول الهيكلي وتحول القوة المحركة، وتتعزز قدرته على الابتكار والإمداد في مجالات متعددة بشكل ملموس”. (سـن دي، 2018-06-24)

ـ تكنولوجيا التربية Technologie de L’éducation:

*منهجية تراتبية لتصور وإنجاز وتقييم سيرورة التعلم والتدريس بكاملها حسب أهداف بيداغوجية منبثقة من البحث في ميادين التعلم الإنساني والتواصل. إنها تستعمل تركيبة من الوسائل، البشرية وغير البشرية، من أجل إحداث تدريس فعال … تتميز التكنولوجيا التربوية بالخصائص التالية: 1 ـ التكنولوجية التربوية مقاربة علمية وعقلانية. 2 ـ غايتها تحسين التعلم والرفع من مردودية التدريس. 3 ـ هدفها تحليل وفهم مشاكل التدريس/التعلم. 4 ـ أدواتها المنهجية مستقاة من: 1.4. التحليل التراتبي، أي تفكيك موضوع البحث إلى عناصره الأساسية ودراستها حسب مجموعة متسلسلة من العمليات والنشطة. هذه النوع من التحليل تلازمه صفة الصرامة. 2.4. التحليل النسقي: أي عدم اغفال تداخل وتفاعل عناصر الموضوع المدروس، والتعامل معها حسب مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار تأثيرات المتبادلة بينها. 5 ـ موضوعها السيرورة التدريسية/التعليمية برمتها بما فيها العناصر البشرية وغير البشرية. (الفاربي وآخرون، 1994، ص.:335)

*هي نوع من المعرفة التقنية، أو التطبيقية إن جاز التعبير، ويرتبط التطبيق التربوي بالعلوم السلوكية تماما … فالتكنولوجيا التربوية إذا هي علم صناعة الإنسان، وتعنى بتصميم البيئات أو الظروف، وفق المعرفة العلمية عن السلوك الإنساني، بهدف بناء شخصية، أو تكوينها التكوين النفسي الاجتماعي المستحب.

ومهما تنوعت التكنولوجيا التربوية، وتعددت صيغها، فإن أهم ما يميزها أنها برنامج للعمل والممارسة، اختيرت مكوناته، ورتبت ترتيبا محددا، في ضوء منظومة معرفية سلوكية، تتمتع بدرجة مقبولة من الصدق العلمي. (الفريجات، 2014، ص.:24)

*تعرف منظمة اليونيسكو التكنولوجيا التربوية على أنها: “طريقة منهجية أو نظامية، لتصميم العملية التعليمية بكاملها، استنادا إلى أهداف محددة، وإلى نتائج البحوث في التعليم والتعلم، والتواصل من خلال استخدام جميع المصادر البشرية وغير البشرية، من أجل إكساب التربية مزيدا من الفعالية”. (الفريجات، 2014، ص.:24)

ـ تكنولوجيا التعليم Technologie de L’énseignement:

*مجموع الموارد السمعية البصرية المستعملة في التعليم مثل الصور والأفلام وأدوات التسجيل والراديو والتلفزة … كما أنها تشير كذلك إلى منهاجية التعليم مثل التعليم المبرمج. وهي اتجاه فكري وعملي تطور وفق تيارين: هما تطبيق نظريات التعلم في الممارسة البيداغوجية وإدماج مقاربات لتنظيم المعرفة وتحديد الأهداف. (الفاربي وآخرون، ص.:335)

* المهارة في فن التدريس، هي أكثر من التطور العلمي وأكثر من الإنجاز الهندسي وأكبر من القوى الميكانيكية … فهي مجموعة الوسائل والأدوات التي يمكن أن تضيف لحياة الإنسان وهي القوة المؤدية إلى الاختراعات، وهي المهارات والأجهزة والطرق … هي استخدام الطريقة الحديثة في التدريس بناء على أسس مدروسة وأبحاث ثبت صحتها بالتجارب … وتضم تكنولوجيا التعليم الطرق والأدوات والمواد والأجهزة والتنظيمات المستحدثة في نظام تعليمي معين بغرض تحقيق أهداف تعليمية محددة … وتعني أيضا الأخذ بأسلوب الأنظمة، بمعنى اتباع منهج وأسلوب وطريقة في العمل تسير في خطوات منظمة، وتستخدم كل الإمكانات التي تقدمها التكنولوجيا وفق نظريات التعليم والتعلم. (طربية، 2008، ص.:147)

* يمكن اعتبار تكنولوجيا التعليم إما تصميما علميا، أو كملف مجموعة من الاهتمامات البحثية المختلفة للتعامل مع الأسئلة الأساسية للتعلم والتدريس والتنظيم الاجتماعي. ومع ذلك، هناك بعض الخصائص التي يمكن أن يتفق عليها معظم الباحثين:

1 ـ يعتمد استخدام التكنولوجيا على المبادئ:

تعني كلمة التكنولوجيا: التطبيق المنهجي للمعرفة العلمية على المهام العملية. لذلك، تعتمد التكنولوجيا التعليمية على المعرفة النظرية المستمدة من التخصصات المختلفة (الاتصال، والتعليم، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والفلسفة، والذكاء الاصطناعي، وعلوم الكمبيوتر، وما إلى ذلك) والمعرفة التجريبية المستمدة من الممارسة التعليمية.

2 ـ تهدف تكنولوجيا التعليم إلى تحسين التعليم:

يجب أن تسهل التكنولوجيا عمليات التعلم وتزيد من أداء نظام (أنظمة) التعليم لأنها تهدف إلى الفعالية و/أو الكفاءة. (Edu Tech Wiki, Dernière modification: 27/03/2015)

ـ التحيزات الخوارزمية Biais algorithmiques:

*التحيز الخورازمي يصف الأخطاء النظامية والمتكررة في نظم الحاسوب التي تؤدي إلى نتائج غير عادلة، مثل تفضيل مجموعة عشوائية من المستخدمين على المجموعات الأخرى. يمكن أن ينشأ التحيز نتيجة عوامل كثيرة، من بينها تصميم الخوارزمية نفسها، أو الاستخدام غير المتوقع أو غير المقصود أو القرارات المتعلقة بكيفية تكويد وجمع وتحليل واستخدام البيانات التي تدرب الخوارزمية. يمكن العثور على التحيز الخوارزمي في منصات من بينها محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي، وقد يؤدي هذا التحيز إلى تأثيرات تشمل خروقات خصوصية غير مباشرة أو توكيد تحيزات اجتماعية مرتبطة بالعرق ونوع الجنس والتوجه الجنسي والإثنية. وتهتم دراسات التحيز الخوارزمي بالخوارزميات التي تعكس تمييزا نظاميا وغير عادل. وفي الآونة الأخيرة، بدأت الأطر القانونية في التصدي لهذا التحيز الخوارزمي، ومن مثل ذلك تشريع النظام الأوروبي العام لحماية البيانات الصادر في 2018، أيضا اقترح المشرعون في الولايات المتحدة قانونًا باسم قانون محاسبة الخوارزميات يدعو شركات التقنية إلى إزالة التحيزات في خوارزمياته. (ويكيبيديا، د. ت.)

ـ متطلبات توطين الذكاء الاصطناعي في المدرسة المغربية:

من بين متطلبات التوطين، نجد:

ــ أولوية التعليم:

اعتمادا على أن ” التعليم هو حجر الأساس لإنهاض الأمة، وتسهم فرص التعليم المتساوية في توفير دعامة هامة لتحقيق التكافؤ الاجتماعي. تتمسك … الدولة [تأكيد مضاف] باستراتيجية منح الأولوية للتعليم، من أجل تحويل نفسها من بلد يمتلك موارد بشرية هائلة إلى بلد يتمتع بموارد بشرية كفءة. كما تشدد على نوعية التعليم، بحيث تعطى الأولوية لتهذيب التلاميذ أخلاقيا ورفع مستوى كفاءاتهم” (كوي، د. ت./2011، صص.: 71 ـ 72).  رتبت الدولة المغربية تحت سقف الخطب الملكية والندوات الوطنية القضية التعليمية المرتبة الثانية بعد قضية صحرائنا المغربية.

ـ إحداث بنية رقمية تحتية كافية:

 وإيجاد الموارد الكافية للوصول إلى تعميم قاعات الإعلاميات المجهزة بالتجهيزات الرقمية الكافية والمتصلة بالشبكة العنكبوتية تحت صبيب شبكي عال، ووضع مناهج دراسية رقمية ذات جودة عالية، وخلق مشاريع تعليم، وتجارب مخبرية متنوعة، وبرامج ذكاء اصطناعي متخصصة وغيرها بالمؤسسات التعليمية لعمل المتعلم/ة عليها والتدرب في كنفها اكتسابا للثقافة والمعرفة الرقميتين، والتشبع بها سلوكا ومنهجا في الحياة. وهذا ما تعمل عليه الوزارة عبر مشاريعها الرقمية.

ـ تدريب الممارسين البيداغوجيين وتدريبهم على الرقمنة:

حيث يحتاجون إلى تكوين فني أساس متين يزودهم بالمعرفة والمهارات الرقمية اللازمة في القرن الحادي والعشرين، وتدريب عملي وتطبيقي ميداني في مجال الرقميات وبرامجها وأدواتها وطرق توظيفها واستعمالها، ليعمقوا ويمتنوا معرفة عميقة بمفاهيمها وتطبيقاتها، حتى يتمكنوا أولا من دمج الأدوات والموارد الرقمية في ممارساتهم التعليمية. وثانيا ليتمكنوا من تدريس الرقمنة بشكل جيد وفعال للمتعلمات والمتعلمين، ويجيبوا عن أسئلتهم، ويوجهونهم في الاتجاه الصحيح نحو الرقمنة، بتزويدهم بالبرامج التعليمية ومقاطع الفيديو والأدلة لاستخدام الأدوات الرقمية ومنصات التعلم عبر الإنترنت وما إلى ذلك، مما يسمح لهم بتعميق معرفتهم المدرسية ويدعم مكتسباتهم وكفاياتهم التي حصلوها في المدرسة ويطورونها، وتزداد خبرتهم وتتسع في المساحة والمضمون والشكل، ويواصلون تعلمهم وتدريبهم بشكل مستقل وفردي وجماعي. وهذا ما أكدته الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015_2025.

ـ تسييل الثقافة الرقمية في المنظومة التربوية والتكوينية والمجتمع المدرسي:

بتبييئ وتوطين الاستراتيجيات والأساليب المتنوعة الموظفة في توليد الدخل من المحتوى التعليمي الرقمي والافتراضي الذي تم إنشاؤه لأجل التعليم، ونشره عبر الإنترنت والتقنيات الرقمية. ونشر الثقافة الرقمية فيهما وتشبيعهما بها وإغماسهما فيها حتى تصبح هوية. من قبيل: بث درس موسيقي أو معزوفة موسيقية أو درس تقني فني، أو مقاطع الفيديو عبر الإنترنت، أو ألعاب الفيديو، أو الكتب الإلكترونية، أو المدونات الصوتية، أو المدونات المكتوبة أو وسائل التواصل الاجتماعي … إلخ. فغالبا ما ينطوي تحقيق الدخل من المحتوى التعليمي الرقمي والثقافة الرقمية على تحويلهما إلى منتجات أو خدمات ذات قيمة مادية ومعنوية، تسترد هذه القيمة تنمية بشرية واقتصادية، قابلة للتحويل المالي. وهو ما يكفئ المتعلم/ة إبداعا اتجاه توليد الإيرادات المتنوعة بما فيها المالية.

ـ تبييئ الخبرة والمشاريع الرقمية العملية في المجتمع المدرسي:

عبر خلق مشاريع للبحث والدراسة ضمن أطر المختبرات والمؤسسات البحثية، والتجارب البحثية. ما يتيح للمتعلم/ة والممارس البيداغوجي فرصة وضع مكتسباتهم وأفكارهم ومعارفهم الرقمية وغير الرقمية النظرية موضع التجريب، والتنفيذ من خلال الاشتغال على مشاريع رقمية متنوعة كتطوير نماذج التعلم الآلي أو تحليل البيانات أو إنشاء روبوتات محادثة، أو إنشاء منصات ومواقع تعليمية أو إنشاء مجلات وجرائد رقمية أو تحويل كتب ورقية إلى رقمية أو وضع مواد وأنشطة تعليمية تعلمية رقمية، أو تحليل نظم اشتغال بعض البرامج الرقمية واكتشاف أساسياتها المعرفية والتطبيقية وغير ذلك.

ـ شروط توطين الذكاء الاصطناعي في المدرسة المغربية:

قد تتداخل متطلبات توطين الذكاء الاصطناعي في المدرسة المغربية مع شروطه، غير أن الأولى هي بنيات أساسية من بنى المجتمع المدرسي الرقمي ، والثانية هي منجز الأولى، إذا اختلت تختل سلامة البنى ووظائفها. ومن بين تلك الشروط نجد مثالا لا حصرا:

ـ توسيع تدريس العلوم الحقة والعلوم المعرفية من أجل فهم وتطوير الذكاء الاصطناعي:

العمل على إعادة النظر في نماذج التفكير؛ من حيث ترفد العلوم الحقة المتعلم/ة بالمعرفة العلمية بميكانيزم الرقميات وتقنياتها وأدواتها وتكنولوجيتها وكيفية توليدها وإنشائها، بينما العلوم المعرفية ترفده بميكانيزم اشتغال عقلها، وكيفية تضمينها عقلها المفكر والمدبر ومحتواها العملاني. فتظافر العلوم الحقة والعلوم المعرفية كفيل بحث المتعلم/ة على التساؤل حول نوع ونمط التفكير الذي سيسلكه في كل تفصيل من تفاصل الرقمنة. وبذلك على النظام التربوي والتكويني إعادة النظر فيما يدرسه للمتعلم/ة على مستوى نمط التفكير، حتى يضعه في سياق تحولات العصر وتحولات الرقمنة. وحتى يتساوق مع علوم العصر، هذه العلوم التي اجتمعت من أجل فهم الإنسان على مختلف مستوياته المادية والعقلية والنفسية والرمزية؛ والبناء على نموذجه الإنسان الآلي أو ما يسمى الذكاء الاصطناعي. لذا؛

اقترح بعض الدارسين اعتماد مقاربة متعدد الجوانب قادرة على الجمع بين علوم بحتة وعلوم إنسانية. وهو ما ترجم إلى مشروع استهدف رسم معالم حقل جديد يجمع بين ميادين نظرية وأخرى تطبيقية تختص بالبحث في موضوع المعرفية … بالتالي، يمكن القول بأن العلوم المعرفية جمعت من حولها عددا من العلوم الطبيعية والإنسانية التي حددت أهدافها في دراسة مختلف المسلسلات المعرفية والعملياتية الذهنية التي تنتقل بنا من التمثل إلى الفعل. فهي تسعى مثل العلوم الإنسانية إلى دراسة مسلسل التفكير والتمثلات العقلية؛ كما تطمح كما هو حال العلوم الطبيعية إلى تقديم تفسيرات للعديد من الظواهر العقلية بالبحث في تركيبة المخ. وبناء عليه، يمكن تعريف العلوم المعرفية كمبحث متعدد التخصصات يسعى إلى فهم آليات التفكير الطبيعي والصناعي؛ وبصفة عامة كل نسق معرفي قادر على تعلم وحفظ واسترجاع المعارف. (الباهي،2020، ص: 35)

ـ وضع ترسانة قوانين مصحوبة باستراتيجيات تخص الذكاء الاصطناعي:

في إطارها تتحرك المنظومة التربوية والتكوينية نحو توطين الذكاء الاصطناعي في بنياتها المختلفة، ولتضمن معايير وجودة التعليم الرقمي، من حيث التعليم والتعلم والمناهج والمؤهلات وما إلى ذلك، تحقيقا لتعليم جيد ومتسق للمتعلم/ة. ووصولا إلى تكافؤ فرص الوصول إلى التعليم عبر ضمان مساواة المتعلمات والمتعلمين في الحصول على فرصتهم جميعا في الوصول إلى الدراسة والتكوين والتعليم، بعيدا عن معطى الاختلافات الاجتماعية أو الجنس أو الإعاقة أو الخصائص الشخصية الأخرى.

إن تقنين وتشريع الرقمنة بما فيها الذكاء الاصطناعي؛ يضمن حق التمدرس للطفل المغربي مقابل حماية حقوقه من قبيل: الحق في بيئة تعليمية آمنة، والحق في خصوصية المعلومات الشخصية، والحق في التسهيلات لذوي الإعاقة من المتعلمات والمتعلمين، وإلى غير ذلك من حقوق الطفل والإنسان. كما ينشئ التقنين والتشريع في المجال الرقمي آليات وميكانيزمات للاعتراض والشكوى والتعويض في حالات انتهاك هذه الحقوق، وذلك ضمن إطار المسؤولية والمساءلة والمحاسبة.

ـ توفير إمكانية الوصول إلى المعلومة العامة والمعارف وغيرها رقميا:

من حيث توفر المؤسسة التعليمية تكافؤ الفرص أمام المتعلمات والمتعلمين في توظيف الرقمنة للوصول إلى ما يهمهم من معارف ومعلومات وبيانات وخرائط وغيرها، التي تحقق حاجاتهم واحتياجاتهم، فضلا عن انخراطها في تعليم المتعلم/ة كيفية الوصول إليها وتوظيفها واستغلالها واستثمارها. وفي إطاره المؤسسة التعليمية معنية   بمساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة في التعلم الرقمي مهما كانت الصعوبات والتحديات التي تواجهها. لذا يجب تكييف الموارد الرقمية لتلبية احتياجات ذوي الإعاقة مع توفير الأجهزة المساعدة لهم، والمناسبة لأوضاعهم.

ـ العمل بمبدأ التعاون والمشاركة والشراكة الرقمية:

على المنظومة التربوية والتكوينية والبحثية العمل على تفعيل قيم الاشتغال الرقمي بما فيه توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم والتعلم والبحث وإنجاز الواجبات في المجتمع المدرسي، والعمل على مبادئها طلبا لتحقيق الأهداف العامة منها. فرقمنة المؤسسات التعليمية والذكاء الاصطناعي، يعزز التعاون وتبادل المعرفة والخبرة والتجربة ومعرفتها بين المتعلمات والمتعلمين، والممارسين البيداغوجيين، وأولياء الأمور. ويعزز بيئات التعلم المشجعة للتعاون وتبادل الأفكار والإبداع الجماعي.

ـ تخليق جهاز لتقويم ومراقبة ومتابعة فعل الذكاء الفائق ومنجزه في النظام التربوي والتكويني:

بوضع آليات لتقويم ورصد تأثير الذكاء الاصطناعي والرقمنة في النظام التعليمي ككل، وفي المؤسسات التعليمية بصفة خاصة، لقياس الأثر على النظام التعليمي، ومدى تقدم وتطور أداء المتعلم/ة، ولتحديد مواطن التوفيق والإخفاق، ورصد احتياجات التحسين والتطوير، واحتياجات المعالجة والتدخل، وتعديل الاستراتيجيات الموضوعة، ومراجعة الخطط المرصودة.

فمن خلال توفير هذه الشروط وغيرها يصبح النظام التربوي والتكويني والمؤسسات التعليمة قادرا/ة على دمج الذكاء الاصطناعي بشكل فعال ومستدام في البيئة التعليمية، والعمل على معالجة مشاكله وإشكالياته والتحديات التي يطرحها.

ـ تفعيل الذكاء الاصطناعي في المدرسة المغربية:

من بين آليات التفعيل نجد:

ـ دمج دورات الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية:

حيث تضمن المدرسة المغربية دورات للذكاء الاصطناعي في مناهجها المدرسية، تغطي مجموعة من المواضيع المرتبطة مثلا: بأساسيات الذكاء الاصطناعي، أو مفاتيح اللغوية للاشتغال عليه، أو التعلم الآلي، أو دراسة تيمات الذكاء الاصطناعي وتوظيفاتها في مختلف التكنولوجيات الحديثة، كالكمبيوتر فائق السرعة أو السيارة ذاتية القيادة …، أو أساسيات البرمجة، أو معالجة اللغة الطبيعية، أو الأدوات الرقمية الأساسية من مجموعة من الأدوات أو “البرمجيات Logiciels والتي تستعمل على مستوى الحواسيب أو الهواتف الذكية من أجل تحرير بعض الوثائق كالرسائل، البحوث، التقارير، العروض، لوائح الحساب أو قواعد بيانات صغير، والمواقع الإلكترونية Sites Web” (وكالة التنمية الرقمية، د. ت. ،ص.:3). أو أساسيات البرمجة أو أساسيات أمن الحاسوب أو الهاتف الذكي.

ـ استخدم أدوات ومنصات التعلم:

يوفر الإنترنت العديد من منصات التعلم عبر الذكاء الاصطناعي بطريقة تفاعلية؛ حيث تسمح للمتعلم/ة تجريب هذا الذكاء في تعلمه، فهي تمنحه دروسا تعليمية، وبيئات تشفير، ومشاريع عملية، تساهم بشكل إيجابي وبأسلوب مدرسي في فهم مفاهيم الذكاء الاصطناعي أبجدياته الأساسية.

ـ تشجيع مشاريع الذكاء الاصطناعي: يمكن للمؤسسات التعليمية تشجيع المتعلم/ة على تخطيط وتنفيذ مشاريع الذكاء الاصطناعي عبر تزويده بالموارد والدعم المناسبين. حيث يمكن أن يشمل الوصول إلى برامج الذكاء الاصطناعي وخبرائه وموجهيه الذين يساعدون المتعلم/ة أثناء تنفيذ مشارعه، أو الوصول إلى مكتبات البيانات.

ـ تنظيم مسابقات الذكاء الاصطناعي:

تشكل مسابقات الذكاء الاصطناعي المحلية أو الإقليمية أو الجهوية أو الوطنية أو الدولية حافزا للمتعلم في المشاركة، وتستحوذ على اهتمامه نحو الذكاء الاصطناعي.، من قبيل: مسابقة Kaggle، التي تستقطب المبرمجين وعلماء البيانات، وتصل قيمة جوائزها 50000 دولار. كما تسمح هذه المسابقات للمتعلم/ة بممارسة كفاياته ومهاراته وقدراته ومكتسباته في حل مشكلات الذكاء الاصطناعي.

ـ الشراكات مع الشركات أو المؤسسات البحثية:

يمكن للمؤسسات التعليمية على غرار الجامعات ومراكز البحوث والمختبرات إبرام اتفاقيات الشراكة مع شركات التكنولوجيا أو المؤسسات البحثية العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي؛ لتوفير فرص للتعلم العملي والتطبيقي والإجرائي عبر مشاريع للذكاء الاصطناعي واقعية.

ـ تكوين وتدريب وتثقيف الممارسين البيداغوجيين في مجال الذكاء الاصطناعي:

من الضروري تكوين وتدريب وتثقيف الممارسين البيداغوجيين في مجال الذكاء الاصطناعي؛ من حيث تعرف وضبط المفاهيم الأساسية للذكاء الاصطناعي، وكيفية دمجها في دروسهم، وذلك من خلال تنظيم ورش عمل تطبيقية وتدريبية، وبرامج تكوين مستمر وتطوير مهني لمساعدتهم على فهم وإتقان تعليم الذكاء الاصطناعي بشكل فعال.

ـ تشكيل نواد أو مجموعات بحثية ودراسية للذكاء الاصطناعي:

يمكن للمؤسسات التعليمية تأسيس فضاءات للذكاء الاصطناعي أو أندية أو شبكات أو مجموعات بحث ودراسة؛ من خلالها يتقاسم المتعلمات والمتعلمين معارفهم ومعلوماتهم ومكتسباتهم في مجاله، ويناقشون التطورات الحديثة بشأنه، ويطرحون قضاياه للبحث كأخلاقياته، وحقوق المعلومات … ويعملون كذلك في مشاريع مشتركة للذكاء الاصطناعي، التي توفر لهم فرصا جديدة للتعلم وتنمية مهاراتهم.

من خلال دمج هذه الأساليب في العملية التعليمية التعلمية، يمكن تطوير فهم المتعلم/ة لأساسيات الذكاء الاصطناعي، واكتساب المهارات التقنية في شأنه، وتطوير التفكير النقدي حول تأثيره في المجتمع المدرسي وغيره. كما ينشئ لديه تفكيرا أخلاقيا وإدراكا عميقا بالتأثيرات الاجتماعية للذكاء الاصطناعي وللتكنولوجيا الرقمية؛ مما يستوجب تطوير فهم نقدي للذكاء الاصطناعي عند المتعلم/ة بمضمون فوائده وقيوده وآثاره الأخلاقية ومسؤولياته وحقوقه.

ـ من فرص الذكاء الاصطناعي في المدرسة:

يمكن للمدرسة الاستفادة من الذكاء الاصطناعي عبر:

ـ إضفاء الطابع الشخصي على التعلم:

يسمح الذكاء الاصطناعي بتوفير نماذج تعليمية تتوافق مع حاجات واحتياجات المتعلم/ة الشخصية، وتناسب كفاياته ومهاراته وقدراته؛ بمعنى تفريد التعليم، الذي يمكن تحليل أداء المتعلم/ة التعلمي، وتقويمه وتحديد الإيجابيات والسلبيات، وبناء محتوى تعليمي وفق التفردات التحصيلية والأدائية للمتعلمات والمتعلمين. مما يؤدي إلى تعلمهم بالإيقاع والسرعة التي تناسب إمكاناتهم.

ـ دعم الممارس البيداغوجي:

يساعد الذكاء الاصطناعي طاقم المدرسة بأتمتة مهام إدارية وتعليمية معينة، من قبيل: تصحيح المهام، وإنشاء تقارير التقييم، وإدارة الجداول الزمنية، ولإدارة المحتوى الرقمي والتعلم عن بعد. ما يسمح بمزيد من الوقت للتكوين المستمر والذاتي، وإنشاء مواد تعليمية ومحتوى عالي الجودة، والتواصل والتفاعل مع المتعلمات والمتعلمين في شأنه.

ـ مصادر التعلم الذكية:

يمكن للذكاء الاصطناعي تطوير موارد تعليمية تفاعلية وقابلة للتكيف، مثل الدروس التعليمية عبر الإنترنت، والإجابة عن أسئلة المتعلمات والمتعلمين مع تقديم توضيحات وتفسيرات إضافية، وإرشادهم وتوجيههم خلال عملية التعلم الخاصة بهم لتعزيز ثقتهم واستقلاليتهم ومشاركتهم.

ـ الاكتشاف المبكر لصعوبات التعلم:

يتعرف الذكاء الاصطناعي بسرعة على صعوبات وتحديات التعلم للمتعلمات والمتعلمين عبر تحليل بياناتهم ونتائج تحصيلهم، وتحديد أنماط وعلامات الصعوبات والتحديات لأجل التدخل المبكر للدعم والمعالجة فضلا عن التطوير والتجويد.

ـ تحليل البيانات التعليمية:

يحلل الذكاء الاصطناعي كميات كبيرة من البيانات التعليمية كنتائج الاختبارات والتقويمات ودرجاتها، واستخلاص العبر منها، ووضع المقترحات في شأنها. وتحليل المحتوى التعليمي لمعرفة قضاياه ومشاكله وإشكالياته مع تحليل المنهجيات لمعرفة مزاياها وسلبياتها، وتحليل ملاحظات وتعليقات وآراء طاقم التدريس. ما يشكل قاعدة بيانات معلوماتية رهن الاستفادة منها سياسيا وإداريا وثقافيا واجتماعيا وفكريا، من قبل السياسيين والباحثين والمثقفين والأساتذة والمتعلمين … في تحسين القرارات والخدمة التعليمية والتكوينية والبحثية.

ـ التقويم الآلي:

يوظف الذكاء الاصطناعي في تقويم المتعلمات والمتعلمين تعلما وأداء. حيث يقوم مثلا: مهامهم الكتابية أو إجاباتهم عن اختبار الاختيار من متعدد أو اختبار تحليل المحتوى … فيقلل ويقلص من التحيزات المحتملة المرتبطة بالتقويم البشري غير الموضوعي والذاتي، لارتكازه على معايير ومؤشرات محددة ومقننة ومبرمجة آليا.

ـ دروس افتراضية:

يمكن استخدام روبوتات المحادثة وروبوتات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي كطاقم تدريس افتراضي؛ لمساعدة جماعة القسم على طرح الأسئلة والاستفسارات، وتلقي الأجوبة وتفسيرات إضافية من خارج سياق الدرس الرسمي، ما يوسع القاعدة المعرفية للمتعلم/ة، وتعزيز مكتسباتهم وكفاياتهم في الحقول المعرفية المدرسة.

ـ اكتشاف الاحتياجات الخاصة للمتعلم/ة:

يتيح الذكاء الاصطناعي اكتشاف حاجات المتعلم/ة التعلمية، ما يساهم في بناء مناهج دراسية تحققها، بجانب تحديد المشاكل التي يعاني منها في التعلم مثل صعوبات التعلم أو مشاكل النمو أو المشاكل الوظائفية بتحليل البيانات والمعطيات الشخصية المتعلقة بأدائهم الأكاديمي وسلوكهم في المجتمع المدرسي، قصد المعالجة والاستثمار.

وتجدر الإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي رغم توفيره الفرص، لا يمكنه الحلول محل الممارس البيداغوجي مطلقا. لأن الآلة في الفعل التعليمي لا تنهض أن تكون إلا عاملا مساعدا على التعليم والتعلم، فالمجال التعليمي التعلمي مجال تفكير وأداء يقوم على العقل البشري بالأساس، وما أودعه الله تعالى فيه من ملكات وقدرات. لا يمكن للآلة اكتسابها ذاتيا مهما حاولت. ولعل البعد العاطفي في الإنسان دليل على قصور الآلة عنه مهما تطورت.

ـ من قضايا الذكاء الاصطناعي:

يطرح الذكاء الاصطناعي مجموعة من المشاكل والقضايا والإشكاليات والتحديات ليست مستعصية على الحل في حقيقتها مع بذل الجهود لذلك؛ منها مثالا لا حصرا:

ـ عدم وجود فهم للسياق:

لأنظمة الذكاء الاصطناعي لغتها المفتاحية التي تضعها في السياق المطلوب لإنجاز المهمة. لكنها في غياب ذلك أو التشويش على تلك اللغة المفتاحية تكافح جاهدة لفهم السياق الذي يوجد فيه المتعلم/ة؛ وإلا عند عدم نجاحها تقدم إجابات عامة أو غير مناسبة لما يريده المتعلم/ة وفق البيانات العامة المخزنة والمشفرة. مما يجعل الاستفادة من الذكاء الاصطناعي قاصرة أو غير مكتملة أو خاطئة، فينعكس ذلك على التعلم، وعلى تلبية الاحتياجات الفردية لكل متعلم/ة على حدة.

ـ التحيزات الخوارزمية:

نظم الذكاء الاصطناعي تمارس ظاهرة «التحيز الخوارزمي»، بمعنى أن النماذج الرياضية «الخوارزميات» البانية للأنظمة والتطبيقات العاملة بالذكاء الاصطناعي؛ تنحاز لفئة أو طرف ما خلال عملها على حساب فئة أو طرف آخر عندما تقوم بتحليل وفرز وتصنيف وفهم مجموعة بيانات ومعلومات ومعطيات معينة، واتخاذ قرارات قبول خيارات معينة وتنفيذها دون أخرى. فتأتي القرارات منحازة ومتحيزة لا تستند إلى مبررات موضوعية. يمكنها التأثير السلبي مثلا على المتعلم واتجاهاته وأفكاره ورؤياه، وربما على مبادئه وقيمه، خاصة إذا كان ينتمي إلى مجموعة هامشية أو أقلية مهمشة.

ـ عدم وجود تفاعل بشري:

نعلم أن الذكاء الاصطناعي خال من المشاعر ولا يتجاوب معها بصريح عباراته، مما يفتقد المتعلم/ة معه التفاعل البشري عبر العواطف والمشاعر التي لها دور مهم في خلق العلاقات الاجتماعية البينية المساهمة في التعلم والمساعدة عليه. فيخلو عالم الذكاء الاصطناعي من التفاعل الاجتماعي، وردود الأفعال البناءة من المتعلمات والمعلمين أو الأقران أو الممارس البيداغوجي. ورغم ذلك؛ يكافح الذكاء الاصطناعي في بعض الأحيان لتوفير هذا البعد الإنساني فلا ينجح، فيؤدي ذلك إلى تجربة تعليمية تعلمية أقل جاذبية وحافزية، أو يؤدي إلى صعوبة في حل مشكل معقد يتطلب تبادلا تفاعليا، أو يجمد المشاعر والأحاسيس والعواطف في المتعلم ويحنطها بجعله شبيها بالحاسوب.

ـ الافتقار إلى الشفافية:

في بعض نماذج الذكاء الاصطناعي يصعب فهم الشبكات العصبية العميقة وتفسيرها. مما يبهم سبب اتخاذ قرارات معينة، فيجعل التعلم أقل فعالية ونجاعة.

ـ الافتقار إلى التخصيص:

غالبا؛ تصمم أنظمة الذكاء الاصطناعي لتلبية احتياجات جمهور واسع وعريض أو طبقات مجتمعية واجتماعية واقتصادية وثقافية معينة، والتي لا تتوافق واحتياجات المتعلم/ة الخاصة. ما يؤدي إلى تجربة تعلم أقل استجابة للاحتياجات والحاجات، وأقل فعالية في تلبية التعلم الذاتي.

ـ الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في التعلم:

في ظل أنظمة وبرامج الذكاء الاصطناعي أمسى أغلب المتعلمات والمتعلمين يعتمدون بشكل مفرط ومبالغ فيه على أدوات الذكاء الاصطناعي في التعلم، من خلال الاتكاء عليه في إنجاز مهم التعلم بدلهم؛ مما يواجهون ضياع فرصة تعلم الكثير من الكفايات والمهارات والقدرات فضلا عن المنهجيات وطرق التفكير وغيرها. من قبيل: حل المشكلات بشكل مستقل أو التفكير النقدي أو التفكير الإبداعي أو تعلم استراتيجيات التفكير وماوراء التفكير التي تساهم بقسط وافر في إنجاز مهمة التعلم. ومنه؛ وجب توظيف الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة ووسيطا تعليميا، لا بديلا كاملا عن التعلم التقليدي.

ـ تهديد منظومة الشغل والتوظيف:

“باســتخدام الــذكاء الاصطناعــي والتقنيــات الذكيــة في عديــد مــن القطاعـات الاقتصاديـة والاجتماعيـة والسياسـية؛ يقابلـه تقليـص في العمالة البشـرية والاعتمــاد علــى الــذكاء البشــري، حيــث أصبحــت أجهــزة الحاســب الآلي تتعــدى بشـكل متزايـد علـى المجـالات التـي كانـت تعتبـر مـن قبـل بشـرية بشـكل حصـري” (خليفة،2019، ص34)؛ وبدأت الأتمتة تحل محل بعض المهام التقليدية، ما يؤثر بشكل كبير على مجال الشغل والتوظيف. فيخلق القلق على المستقبل وعدم اليقين منه بين المتعلمات والمتعلمين في إطار المنظومات التربوية والتكوينية والبحثية الهشة والضعيفة، التي لا تساهم في بناء كفايات ومهارات المطلوبة مستقبلا. فالمستقبل ينذر بفرص ضئيلة للعمل والتوظيف.

ـ أخلاقيات ومسؤولية الذكاء الاصطناعي:

من الضرورة بمكان غرس الأخلاقيات والمسؤولية المتعلقة بتوظيف الذكاء الاصطناعي في سحنة المتعلمات والمتعلمين، وغمسهم في إنائها، واتخاذها مسالك عملية في حياتهم الخاصة. ودمج مناقشات القضايا الأخلاقية والحقوقية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من قبيل: خصوصية البيانات، والتمييز الحسابي، واتخاذ القرار الآلي في المناهج الدراسية، وحقوق الغير في التأليف والنشر، ونبذ الخداع والكذب والغش والتضليل والإخفاء … إلخ.

ـ آفاق الذكاء الاصطناعي:

آفاق الذكاء الاصطناعي واعدة ورائدة. حيث يحرز تقدما جديدا في مختلف المجالات بما فيها التعليم والتكوين والبحث. ذلك أنه:

ـ يحسن القدرات الحالية للتعليم والتعلم:

يحسن الذكاء الاصطناعي القدرات البشرية الحالية في مختلف المجالات والقطاعات. ففي التعليم يمكن المتعلم/ة من التعرف على الصوت، والصور، والمحتوى، وإنجاز البحث والتقصي والتجارب، والدمج بين المجالات، والترجمة الآلية … إلخ. مما تصبح معه نماذج الذكاء الاصطناعي في المجال التعليمي التعلمي أكثر دقة وقوة وجودة وموثوقية ومصداقية في نتائجه.

ـ سيتوسع الذكاء الاصطناعي في مجالات جديدة:

مواكبة للثورة الصناعية الرابعـة؛ سيغزو الذكاء الاصطناعي مجالات تطبيق جديدة كالطب، والزراعة، وإدارة الموارد الطبيعية، والتمويل، والخدمات اللوجستية، والطاقة ومجــالات تكنولوجيــا النانــو، والتكنولوجيــا الحيويــة، وعلــم الوراثـة، والروبوتـات وغيرها الكثير، من أجل التعليم والتعلم، وحل المشكلات المعقدة، واستغلال تطبيقاتها ومنتجاتها؛ مستفيدا من:

البحث في مختلف المسلسلات العقلية والعمليات الذهنية التي تنتقل بنا من التمثل إلى الفعل. ولم يقتصر الأمر على الكائنات الطبيعية، بل شمل البحث كذلك ما هو صناعي من خلال البحث في الكيفية التي يمكن بها للحاسوب أن يحاكي الوظائف التي يقوم بها العقل الإنساني في تمثله للأشياء. وبناء عليه ركزت مختلف الميادين المعرفية على الكشف عن طبيعة الفكر وكيف يعمل المخ البشري والحيواني. وقد حددت الغاية في فهم مختلف الملكات والقدرات التي يستخدمها الإنسان في اكتساب المعارف وتخزينها واسترجاعها واستثمارها قصد تدبيرها آليا. (الباهي، ص:34)

ـ سيخلق ذكاء اصطناعيا متقدما للمحادثة:

سيديم الذكاء الاصطناعي تطور أنظمة معالجة اللغة الطبيعية، وروبوتات المحادثة والتواصل؛ ما يخلق تفاعلات سريعة طبيعية بين البشر والآلات. وسيمكن المساعدة الافتراضية من فهم الاستفسارات المعقدة والرد عليها، وتقديم تجربة مستخدم   تخصصا ونجاعة. يستفيد منه المتعلم/ة في تعلم اللغات وفي تحليلها والمقارنة بينها، ويصبح المتعلم متعدد اللغات بشكل كبير.

ـ سيخلق اهتماما متزايدا بالبعد الأخلاقي والحقوقي وبالمسؤولية:

سيزداد الاهتمام بالأخلاق والحقوق والمسؤولية في تطوير الذكاء الاصطناعي، من حيث بناء أنظمة ذكاء اصطناعي شفافة وعادلة وآمنة وموثوقة، ووضع لوائح أخلاقية وحقوقية ومعايير لتوجيه توظيف الذكاء الاصطناعي وتطويره بطريقة مسؤولة تتسم بالمساءلة والمحاسبة. يتعلم من خلالها المتعلم/ة كيفية المحافظة على حقوقه وأداء واجباته، وضمان قيم وأخلاق سلوكية في تعامله مع غيره ومع الأشياء من حوله.

ـ سيتم دمج الذكاء الاصطناعي مع تقنيات أخرى:

سيتم دمج الذكاء الاصطناعي مع التقنيات الناشئة الأخرى مثل إنترنت الأشياء (IoT)، والواقع المعزز (AR) والواقع الافتراضي (VR)، والروبوتات، وblockchain، إلخ، لإنشاء حلول مبتكرة وتطوير فرص جديدة في التعلم والتعلم، وفي باقي المجالات. خاصة أن هذه التقنيات توسم بالسرعة، والاتساع والعمق، والتأثير على النظام القائم في المجتمع والمؤسسات والمنظمات.

ـ تراجع الثـورة الصناعية الرابعــة بما فيها الذكاء الاصطناعي أغلب المفاهيم:

سيعاد تعريف بعض المفاهيم الاجتماعية، والسياســية، والثقافية، والاقتصادية، والتربوية والتعليمية، بجانب إعادة تعريــف مــا هــو عالمــي، ومــا هــو إنســاني، ومـا هـو قيمـي وأخـلاقي؛ فتظهـر التحديـات القيميـة التـي يواجههـا مجتمـع مـا بعـد المعلومـات، ومنهـا قيمـة «العدالـة» … فمـاذا عـن السـيارة ذاتيـة القيـادة إذا قتلـت طفلـا أو امـرأة … ومـاذا عـن قيمـة العمـل حينمـا يحـل الإنسـان الآلي محـل البشـر في خطــوط الإنتــاج؟، ومــاذا عــن قيمــة «الخصوصيــة» في ظــل قيــام الأفــراد بأنفســهم بوضـع معلوماتهـم الخاصـة علـى الشـبكات الاجتماعيـة؟ ومـاذا عـن قيـم «الأسـرة» التـي تـم اختزالهـا في جـروب علـى الواتـس آب؟ ومـاذا عـن قيـم «السـيادة» في ظـل حصـول شـركات تكنولوجيـا المعلومـات علـى جميـع مواطنـي الـدول؟ ومـاذا عـن قيــم الــولاء والانتمــاء في ســرعة تغيــر الأجهــزة والأدوات الإلكترونيــة، وغيرهــا مــن الأسـئلة التـي تطرحهـا هـذه الثـورة الجديـدة؟. (خليفة،2019، ص31)

ـ خاتمة:

 ستشهد مدرسة المستقبل تغيرات جذرية في المفهوم والمكونات والبرامج والمناهج والوسائل والأطروحات الفكرية نتيجة ما يشهده

“العالــم علــى أعتــاب مرحلــة جديــدة مــن التاريــخ البشــري، حيــث ينتقـل مـن مرحلـة مجتمـع المعلومـات إلى مجتمـع مـا بعـد المعلومـات … أو مجتمـع الـذكاء الاصطناعـي، أو مجتمـع السـيبر، Cyber”. (خليفة، ص25)؛ فتنتقل معه المدرسة إلى مدرسة <ما بعد المعلومات>، يطغى عليها الذكاء الاصطناعي والقـوى التكنولوجيـة للثـورة الذكيـة المؤثرة علـى مجتمعها وحياتها. وتستولي عليها التقنيـات الذكيـة والتطـورات التكنولوجيـة لتحقيـق أهدافهـا.


بيبليوغرافيا

ـ المراجع العربية:

الباهي، حسان. (2020). الذكاء الصناعي وتحديات مجتمع المعرفة. (ط2). الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.

بونيه. آلان. الذكاء الاصطناعي: واقعه ومستقبله. (1993). (ترجمة علي صبري فرغلي). الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

البياتي، ياس خضير، (2014)، الإعلام الجديد: الدولة الافتراضية الجديدة، عمان: دار البداية ناشرون وموزعون.

جونسون، كيت أورتون، وبريور، نيك. (2013/2021). علم الاجتماع الرقمي. (ترجمة هاني أحمد عبده). الكويت: المجلس الوطني للثقافة

والفنون والآداب.

خليفة، إيهاب، (2019)، مجتمع ما بعد المعلومات، القاهرة: العربي للنشر والتوزيع.

ريفيل، ريمي. (2014/2018). الثورة الرقمية، ثورة ثقافية؟. (ترجمة سعيد بلمخبوت). الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

عبد الدائم، عبد الله، (1981)، الثورة التكنولوجية في التربة العربية، (ط3)، بيروت: دار العلم للملايين.

سيد، أسامة محمد، والجمل، عباس حلمي. (2012). الاتصال التربوي رؤية معاصرة. دسوق: دار العلم والإيمان للنشر والتوزيع.

طربية، محمد عصام، (2008)، تكنولوجيا التعلم: الوسائل التعليمية وتقنيات التعلم، عمان: دار حمورابي للنشر والتوزيع.

علي، نبيل. (1994). العرب وعصر المعلومات. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

علي، نبيل. (2001). الثقافة العربية وعصر المعلومات. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

الفاربي، عبد اللطيف، أيت موحى، محمد، الغرضاف، عبد العزيز، غريب، عبد الكريم، (1994)، معجم علوم التربية، المغرب: سلسلة علوم التربية 9 ـ 10.

الفريجات، غالب عبد المعطي، (2014)، مدخل إلى تكنولوجيا التعليم، (ط2)، عمان: كنوز المعرفة.

كوي، تيان ينغ. (د. ت./2011). طريق الصين النظرة العلمية إلى التنمية. (ترجمة عباس جواد كديمي). بيروت: مؤسسة الفكر العربي.

مكي، عماد ناصيف، (2021)، دور التحول الرقمي في تحسين أداء صناعة التكرير والبتروكيماويات، الكويت: منظمة الأقطار العربية

المصدرة للبترول.

ويتباي، بلاي، (2003/2008). الذكاء الاصطناعي. القاهرة: دار الفاروق للاستثمارات الثقافية.

ـ المراجع الأجنبية:

McCarthy, John, (2007), What is Artificial Intelligence ?, Stanford : Stanford University.

MATHIVET, Virginie, (2014), L’Intelligence Artificielle pour les développeurs Concepts et implémentations en

  1. Concepts et implémentations en C. France : Editions ENI.

Russel. Stuart J. Norvig. Peter. (2010). Artificial Intelligence A Modern Approach. (3 Edition). New Jersey:

Pearson Education, Inc.Notes du cours

Meghyn, (2008/2009), Notes du cours : Introduction à l’Intelligence Artificielle, l’Université Aix-Marseille1

, France.

Emmanuel Baudoin, Sandrine Berger-Douce, Madeleine Besson, Imed Boughzala, Pierre-Antoine Chardel,

Godefroy, Dang Nguyen, Mondher Feki, Valérie Fernandez, Romain Gola, Cédric Gossart, Emily Henriette, Thierry Isckia, Daniel Kaplan, Bruno Léger, Nicolas Jullien et Christian Roux, (2016), Entreprise du Futur, Les Enjeux de La Transformation Numérique, institut Mines – Télécom, Livre blanc : publié sous la direction de Madeleine Besson, Paris France.

Dudézert, Aurélie, (2018). La transformation digitale des entreprises. Paris : La Découverte.

Auberger, Gilles, Benzakour, Salah-Eddine, Grégoire, Jérémy, Meynlé, Thierry, (2017), 21 clés pour activer la

Transformation numérique de votre entreprise, Paris : Groupe Eyrolles.

ـ الوثائق الرسمية:

اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين. (2000). الميثاق الوطني للتربة والتكوين. المملكة المغربية.

خارطة الطريق 2022 ـ 2026. المملكة المغربية: وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة.

المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. (د. ت.). من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء رؤية استراتيجية للإصلاح 2015 ـ 2030. المملكة المغربية.

المرسوم رقم 2.20.474. (15 من محرم 1443/24 أغسطس 2021). الجريدة الرسمية عدد 7019. المملكة المغربية.

المجلات:

أحمد، أحمد فرج، (يناير2009)، الرقمنة داخل مؤسسات المعلومات أم خارجها، دراسات المعلومات، (العدد4)، صص.: 7 ـ 30.

عبد الرحمن، إصلاح عبد الناصر، (2022)، الأمن الفكري في المجتمع الرقمي: نحو هندسة اجتماعية بناءة، مجلة كلية الآداب،

الفيوم: جامعة الفيوم، (المجلد14، العدد2)، صص.:1542 ـ 1604.

نجم، دعاء محمد محمود إبراهيم، (يوليو 2022)، ماهـــية المجتمع الرقمـــي، مجلة الخدمة الاجتماعية، القاهرة، مصر (المجلد

73، العدد 2)، صص.: 42 ـ 80.

المراجع الرقميات:

ساره محمد المفضي. (د. ت.). التحول الرقمي، [وثيقةpdf]، السعودية: العطاء الرقمي، استرجعت من: https://attaa.live/view/215

سـن دي، تشو، (2018-06-24)، <صنـع في الصيـن 2025> في الثـورة الصناعيـة الرابعـة، شـبكة الصيـن، استرجعت بتاريخ:16/07/2023 الساعة 12 و28 دقيقة،

من http://arabic.china.org.cn/txt/2018-06/24/content_53244931.htm

وكالة التنمية الرقمية ADD، (د. ت.)، الأدوات الرقمية الأساسية، [وثيقةpdf]، المغرب، استرجعت من: https://academiaraqmya.gov.ma/ar/

ويكيبيديا الموسوعة الحرة، (د. ت.)، تحيز خوارزمي، استرجعت بتاريخ:16/07/2023 الساعة 21 و44 دقيقة، من https://ar.wikipedia.org.

Redhat, Publié 6 février 2023, La transformation numérique, qu’est-ce que c’est ?, Récupéré le 14/07/2023 à 18h26min 14/07/2023 de : https://www.redhat.com/fr/topics/digital-transformation/what-is-digital-transformation.

Le Dictionnaire historique de la Suisse DHS, (21.10.2018), Société numérique, Récupéré le : 16-07-2023 à 11h 47min, de : https://hls-dhs-dss.ch/fr/articles/055503/2018-10-21/

Edu Tech Wiki, (27/03/2015), La recherche en technologie éducative, Récupéré le :16 – 07 – 2023 à 17h 30min, de : https://edutechwiki.unige.ch/fr/La_recherche_en_technologie_%C3%A9ducative


[1]  مفتش تربوي مكلف بالتنسيق الجهوي التخصصي سابقا، ومكلف بالتكوين بمسلك الإدارة التربوية بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بفاس سابقا، باحث في علوم التربية. فاس

Abdetaeb2012@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.