منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل نحن مسلمون.. حقا وحقيقة؟

محمد الحبيب الفرقاني

0
اشترك في النشرة البريدية

نشر هذا المقال بمجلة منار الهدى العدد الثاني

قراءة وتنزيل المقال pdf

 I.من القاعدة المركزية.. أولا:

لنبدأ المشكل الإسلامي من بدايته، من قاعدته المركزية، من مرجع القوة والثقل أو الضعف والخفة فيه. من أنفسنا بالذات. ولنطرح السؤال الأول: هل نحن مسلمون؟ إسميا، ونظريا، نعم. عمليا وحقيقيا، أمر قابل للبحث والمناقشة.

ولكن تعال يا أخي، لنتأمل الأمر، ولنفحص القضية سويا، وبشيء من التأني والمواجهة الكاشفة مع النفس ومع الواقع. تعال لندخل بطن هذا العالم الضخم المعقد الذي ندعوه “عالم المسلمين”، لنتبين ـ من غير مواربة ولا مداورة ولا مجاملة ـ واقع هذا العالم وتوتراته، وركام المشاكل والتعقيدات التي تعصف به، ومكامن القوة والضعف المستكنة فيه، الاحتمالات التي تحملها وتحبل بها القوى المتصارعة، والمصالح المتناقضة فيه وعليه… من داخل ومن خارج… لننتهي في الأخير إلى تمثل الصورة الشاملة لأنفسنا وواقعنا وقضايانا الجوهرية التي لا يكتنفها تضبيب ولا تدليس، ولا يغطيها التفاؤل الساذج ولا التشاؤم المغلق فنعرف أنفسنا، ونحدد موقعنا وموقع أقدامنا، ونتمثل دورنا وأهدافنا من الجهد الذي نبذل، والصراع الذي نخوض. ونستجمع وسائلنا. ونمضي إلى مسؤولياتنا الإسلامية. في ثقة المؤمن ووعي المسلم، وفي يقظة الإنسان الذي استوعب نفسه وظروفه وعصره ودينه، ووظف روحه وفكره للرسالة التي تحملها.

المزيد من المشاركات
1 من 23

 II. بين الآمال وثقل التراكمات:

أجل، كلنا نتحدث ـ كمسلمين ـ عن الانبعاث، عن الصحوة، عن التجديد، عن الأصالة والتراث، عن النظام الإسلامي النموذج، عن الأشواق المحرقة إلى الصورة الإسلامية المثلى. عن الأمل في الأفق المستقبلي للإسلام والمسلمين. وألسنتنا تطفح بالحديث عن إمكانات الإسلام والمسلمين المطوية تحت الأقدام، عن الروح المدنية لهذا الدين، عن الكفاءة الإنسانية والحضارية الخارقة لتشاريعه. ونتحدث بحماسة أكثر. لكن في غموض وإبهام أكبر. عن مشروعنا الحضاري المنبعث من التراكمات الحبيسة من وعينا الباطني. والذي نتصور فيه البديل الذي نطمح أن نجد فيه ـ نحن المسلمين ـ الحلول العملية الناجعة لمشاكلنا المعقدة وإحباطاتنا المهينة أولا ـ ونضع به مسيرتنا، وقضايا تحررنا وتطورنا في مكانها المتقدم من عالم اليوم ـ ثانيا ـ ونساهم في معالجة المشاكل والمعضلات الإنسانية التي يتأزم بها العالم من حولنا ـ ثالثا.

وإلى جانب هذه المطامح والتصورات المشروعة، يتشخص أمامنا في كثير من المرارة والعبوس، هذا الواقع المظلم الذي يحاصر المسلمين بالعجز والتشتت والإحباط. يضربهم بالطغيان والابتزاز والاستلاب، يأخذهم بالتخلف والجمود من داخل ومن خارج، يفصلهم عن أنفسهم ودينهم وحلمهم الإسلامي الكبير. مع العلم أن هذا الواقع بصورته القاتمة الحالية، لم يأت صدفة، ثمرة عوامل طارئة وأسباب ظرفية، وإنما جاء بهذا الحجم من الوخامة والخطورة والعمق نتيجة لمخاض طويل لعاملين أو نوعين من التراكمات السلبية والتحريفات المصممة، توالت بثقلها وإساءاتها التخريبية في المحيط الإسلامي كله، فكره وروحه، دينه ودنياه، سياسته واقتصاده، اجتماعه وثقافته، منذ زمان وقرون خلت.

تراكمات وتحريفات سلبية قديمة ابتدأت وتواصلت، ومع سبق إصرار منذ القرن الأول، بعد ثلاثين سنة فقط من موت الرسول عليه السلام وتحول الخلافة إلى ملك عضوض وإلى ملكية فردية كسروية. ثم عششت وفرخت، وأتت حطامها في الكيان الثقافي والحضاري موغلا عميقا في عصور التراجع والانحطاط الإسلامي بعد القرن الثامن الهجري وإلى بداية القرن الحديث.

وتراكمات وتحريفات سلبية أخرى من نوعية وطينة أخرى أنتجها التطور الحضاري والاستعماري المعاصر، فأضافت من منتصف القرن التاسع عشر وفي الخمسين سنة الأخيرة من القرن العشرين بالخصوص أبعادا وأثقالا وهزائم وإحباطات جديدة، انضم إلى ما فعلت وراكمت القرون الخمسة السابقة قبلها. وإذا بالمسلمين من فعل هذه التراكمات والإساءات والتحريفات المتسلسلة والمتفاعلة بعضها البعض، وقد وقعوا في هاوية من تخلف معقد وأزمة مركبة. وإذا هم جميعا في مشرق الأرض ومغربها ضحايا تدهور اجتماعي، وتسلط استعماري، واستبداد سياسي، مع ابتزاز اقتصادي، وانسلاب ثقافي، وجمود عقلي، وجفاف روحي، وهوان تابع، ودوران مشتت وراء العصر، وخارج مدار الحياة.

 III.         تراكمات الماضي، وأول انقلاب تحريفي في الإسلام:

أما التراكمات التاريخية ـ الماضوية ـ للسلب والتحريف. فقد بدأت من أول انقلاب سياسي ـ رجعي ـ ارتدادي في الإسلام. وقع بعد ثلاثين سنة فقط من موت الرسول ـ التحيات والصلوات العاطرة إليه ـ حيث انتعشت الانتهازية والقبلية من جديد بعد أن دفنها وأعلن عن دفنها الرسول، وقامت البرجوازية القرشية وأغنياء بني أمية، بقيادة معاوية بن أبي سفيان، بأول اغتصاب سياسي. وأول تحريف عنيف في الخطاب الإسلامي الإنساني الرصين، الذي أرسى قواعده الرسول والخلفاء الراشدون من بعده. حيث انتزعت هذه الفئة السلطة السياسية سنة 40 هجرية من الخليفة الرشيد الرابع، بالعنف والدس والرشوة والمؤامرة، وعلى مرأى ومسمع من كبراء الصحابة ورفقاء الرسول وأتقيائهم. وحولتها مباشرة إلى ملك عضوض، وتحولت حالا بالإسلام، وهو لا يزال غضا طريا من خطه وروحه وفلسفته كرسالة لتحرير مستضعفي الأرض والتمكين لهم، وتثبيت العدل والحرية والمساواة بين الناس إلى مظلة للتحريف والتبرير. وكان أن قامت في ظل الحكم الأوتوقراطي الفردي الأموي الجديد، وفي ظروف توسع الفتوحات إلى مختلف أرجاء الأرض بورجوازية جديدة ـ عقارية وتجارية وثقافية، وتنامت فيه فئة سياسية محترفة، امتدت بامتداد الأمصار والولايات، لم تلبث أن اتسعت وتضخمت مصالحها ومطامحها بسرعة، فانشطر المجتمع الإسلامي منذ هذا الوقت المبكر إلى طبقتين:

طبقة الحاكمين: (الخلفاء والوزراء والولاة) ومن إليهم من ذوي المصالح والمطامح، وهي طبقة الذروة الحاكمة المتسلطة المترابطة في تحالف مصلحي طبقي والمستأثر بكل المغانم.

طبقة الجمهور المسلم الواسع: الذي يكون القاعدة البشرية الكبرى، التي عليها أن تكد وتنجح، وتؤدي الخراج، وتعلن الولاء، وتكون في خدمة الحاكمين ومن إليهم. بهذا الخلل السياسي الاجتماعي الذي دشنه في تاريخ الإسلام المؤلفة قلوبهم من بني أمية، ودرج عليه الإسلام ودوله واحدة إثر الأخرى. تكرس منذ البداية الانشطار السياسي والاجتماعي في المجتمع الإسلامي، وانغرس الانتهاز السياسي والاجتماعي والانحراف الديني وخطة البهرجة والتزييف منذ منتصف القرن الإسلامي الأول، واستمر هذا الخلل التحريفي الاستبدادي، بكل أعراضه ومضاعفاته، في المحيط الإسلامي، يفرخ وينمو ويتوالد، ويفرز الكثير من العاهات النفسية والسياسية والاجتماعية في هذا المجتمع وإلى اليوم، مع كل التفاقمات والتراكمات طيلة القرون الماضية. فبقي المسلمون منذ ذلك الحين، وعلى طول التاريخ، سجناء في دهاليز الاستبداد السياسي، والاستغلال الاقتصادي، والتضييع الاجتماعي، وضحايا التحريف والتجميد والتطويع. ولم تغير بعض الاستثناءات لبعض الحكام (قليل جدا من الخلفاء والولاة) العادلين، الذين انقدحت في نفوسهم وضمائرهم روح الإسلام وشعلته الساطعة. لم تغير أي شيء من صورة ومسيرة الخط العام الذي سبق أن ساد وتثبت كتقليد مرسوم ومنهج معلوم. والذي تحول بالإسلام ودولته إلى كسروية ـ قيصرية. كما لم تستطع أن تغير شيئا من اطراد هذا الخط وسيادته، مواقف ثورية نضالية، ومواجهات تشهيرية شجاعة ضده لبعض علماء المسلمين الأفذاذ، ونصحاء الأمة الأشداد لمعوا على طول التاريخ، باستثناءات ومواقف في مناهضة الظلم والتحريف والطغيان شرفت العلم ورسالته وكان العديد منهم أول ضحايا البطش والمصادرة.

 IV.         أين تكمن قوة الإسلام وروحيته العامة؟

هذا، ومع كل ما أعطى هذا الخط التحريفي الملتوي من إفرازات سلبية وعاهات وتسلطات شائنة على طول الزمان الإسلامي ومن تمركز الانحراف والاستغلال في الأوساط العليا للمجتمع، فإن الروحية السامية العامة التي سبق أن غرسها الدين الحنيف منذ دفعته الأولى في صفوف المجتمع وقواعده الشعبية العادية، وما أنبت هذا الغرس الطيب من قوة في العقيدة، وصفاء في الإيمان، وتسام نموذجي في الخلق والتعامل والسلوك ـ قد ظلت ـ هذه الروحية بما تملك من جاذبية وعمق.. وما لها من نفوذ آسر في طوايا الإحساس ومكامن الوجدان لدى عامة المؤمنين، تتمركز ويتعمق سحرها ونفوذها في محيط مختلف القواعد الاجتماعية الدنيا للمسلمين. فتشبعت الجماهير المسلمة بما في عقيدتها من سمو وتحرر، وما في شريعتها من إنسانية وعدل وانفتاح، فأمسكت بها إمساك الأرض العطشى بدفقات المطر الكريم.

واستطاعت هذه الجماهير، وفي محيطها القاعدي السليم، رغم الانحراف الذي أصاب القمة، والشطط الذي ساد سلوكها، أن تحتفظ في محيطها الشعبي بنقاء الإسلام وصفاوة روحه وسلوكه وعمق نفوذه واحترامه. وأن تقدم نماذج وإشراقات باهرة من قوامة السلوك الإسلام النير، ومن تعال روحي وفكري في العمل والإنتاج، وفي شفافية الروح والعلاقات، بل أكثر من ذلك ـ بعيدا عن أوساط الحكام والسلاطين ـ استطاعت بهذا التيار الديني الذي احتضنته، والزخم الإيماني والسلوكي الذي أفرزته، أن تفرض نفوذ هذا الدين، وتحفظ سلطانه الروحي ونفوذه المعنوي على الحكام والقادة، وعلى مجموع القيم السياسية والاقتصادية في المجتمع. فأصبح هؤلاء، وكل من يملك مركزا للقيادة والتوجيه والقرار، لا يملكون إلا أن يمالئون هذا الدين بما له من موقع ونفوذ، ويجاملوه ويجاملوا الجماهير المؤمنة وينافقوه وينافقوها بما تتقمص من هذا الدين. وتحيط به من قداسة وتفان في حبه والذياذ عنه. بل أن يتملقوا عواطفها، ويلاطفوا المد الديني الذي تحتضنه، وأن يتظاهروا أكثر عند الحاجة بتقمص شعاراتها والدفاع عنها.

بفضل هذا العمق الشعبي للدين الحنيف، بعيدا عن سماسرة الحكم والسياسة، وبتأثيره الفاعل والعميق في المحيط الإسلامي العام، تمكن الإسلام وتمكن قادته ـ رغم عنت وخطورة التحريفات والتحويلات التي تلقاها منذ منتصف القرن الأول ـ من أن يمتد جغرافيا وبشريا، ويؤسس باسمه واسم مبادئه، وتحت حكمه، امبراطورية إسلامية شاسعة، استوعبت شعوبا وجنسيات وقوميات مختلفة. واهتضمت بوعي وحكمة ثقافاتها وفلسفاتها وأفكارها وفنونها، وبنت من مجموع ذلك حضارة إنسانية علمية، مدنية، لا وطن لها ولا جنس (وطنها الأرض وجنسها الإنسان)، غطت مؤسساتها الثقافية والعلمية والصحية والعمرانية كل أرجاء العالم الإسلامي، وأنجزت أعظم تنمية اجتماعية وثقافية وحضارية في القرون الوسطى.

وهكذا يبقى الشعب والشعوب، وجماهيريتها في القاعدة ـ على مدى التاريخ ـ هو ذخيرة الإسلام، والخزينة التي تحتفظ برصيد ثري ضخم من الدين والقيم والفضيلة والمثل السلوكية الفضلى. ويبقى في كل الأحوال هو قوة التاريخ الفاعلة والباب الوحيد الموصل إلى التغيير والتقويم وصياغة التاريخ من جديد.

 V.         بين زحفين… من الشرق والغرب:

ثم لم يلبث مع القرنين الرابع والخامس وما بعدهما، أن تمزقت الوحدة السياسية للمسلمين، وتلتها الوحدة العقائدية والثقافية والاجتماعية، وسرت على التوالي عوامل الضعف والتفكك والسقوط، وقامت كيانات سياسية متهرئة وهزيلة توزعت بلاد المسلمين، وانفجرت في ظلها صراعات المصالح والأهواء للحكام ومن إليهم من بطانات السوء والمتخاذلين من العلماء والمثقفين، فسادت الأنانية والانتهازية والجهل والأوهام.

ودخل المسلمون على مهل مرحلة التراجع والانحطاط. وتهاوت أنظمة الإسلام ودوله وحضارته تباعا تحت وطأة زحفين أجنبيين: زحف التتر المغوليين في الشرق، وزحف الصليبيين الحقودين في الغرب. فسقطوا وسقطت بلدانهم سريعا بين القوتين اللتين أمعنتا في كل الأرجاء والمدن والمعالم والقلاع تخريبا وتهديما. وفي معالمه الثقافية والحضارية طمسا وتشويها. وتساقطت ـ الواحدة تلو الأخرى ـ العواصم الإسلامية التي كانت ثقافة وحضارة وسياسة وعمرانا واسعا في أرجاء العالم الإسلامي.

وفي ظلمة هذه السلسلة من الهزائم والطعنات، كان أحفاد المغول قد أسسوا دولة باسم الإسلام، هي دولة الخلافة العثمانية في إسطامبول. وأحكموا قبضتهم على العالم الإسلامي كله ـ باستثناء المغرب الأقصى ـ وحكموا المسلمين بالنار والحديد… وبالجهل والتسلط والاستبداد… وكان حكمهم إجهازا حقيقيا على صفاوة الدين وتعاليمه، وعلى كرامة وحقوق المسلمين كما أقرها وشرعها الدين.

 VI.         تراكمات ورذائل العصر الحاضر: بعد الحرب العالمية الأولى (1914ـ 1918)

الحديث عن أوربا الصناعية. بعدما توزعت دولها الاستعمارية بلدان العالم الإسلامي، وتخلصت من الخلافة العثمانية، وأعادت تشكيلة الخارطة الاستعمارية لهذه البلدان، وحولوها إلى مستعمرات للتسخير والاستغلال، وضيعات وأسواق للاحتكارات الرأسمالية والإمبريالية الكبرى، ووظفت كل شيء حينذاك لطمس الإسلام وتشويهه، والاحتفاظ بالمسلمين رعايا جاهلة متخلفة للخدمة والسخرة والإنتاج.

وهكذا عاش المسلمون زمنا طويلا، وهم يتقلبون وينوؤون:

أولا ـ ومن البداية ـ بين التحريفات والرذائل التي أسسها وثبتها الحكم الانقلابي ـ الارتدادي لعائلة أو قبيلة بني أمية، ومن توالى بعدهم على شؤون المسلمين من الحكام المتسلطين الدخلاء، من عرب وفرس وترك وديلم وبربر وأكراد وأحباش ومغول ومماليك، الذين حكموا الإسلام ـ إلا استثناءات قليلة ـ بالقبيلة والعصبية والأثرة، واشتطوا في مركزة النفوذ والتسلط والاحتكار، وسخروا الدين والثقافة والفن والأدب لهذه المركزة، وخدمة وحماية مصالحهم ونفوذهم.

وثانيا… ما بين عنجهية الدايات والبكاوات والباشاوات للحكم العثماني، وعنصرية وقيصرية الخلافة العثمانية، والباب العالي وما حمل هذا الحكم وزرع من قهر وتسلط. وأمعن من تخريب في روح المسلمين وثقافتهم ودينهم لثلاثة قرون متواصلة، باستبداد طاغ وتحكم جهنمي فظيع.

وثالثا… وما بين الاستعمار الأوربي الحديث الذي وظف علمه وتقنيته وصناعته لتفتيت الكيان الكلي للمسلمين. ومحاصرتهم بعوامل التخريب والتدميغ والتجهيل. بمساهمة كثير من حكام المسلمين وعلمائهم. فما بين هذه الفترات أو الغزوات الثلاث. ونوعيات التسلط السائدة والمتعاقبة فيها. تراكمت في المحيط الإسلامي وعلى مجتمعاته، وخلال فترات زمانية طويلة، كثير من الرذائل الفكرية والروحية والنفسية والسلوكية. لففت الإسلام وأهله في ركام من السوالب والأوهام والهوامش الخرافية. وطمست منابع القوة والأمل في نفوسهم. وطعنت دينهم وثقافتهم وكبرياءهم في الصميم. وتركتهم يلوبون على أنفسهم في سراديب الجهالة والجمود والتمزق والانحطاط، فحوصر الدين في زاوية مظلمة حادة منعزلة عن الحياة. ومثلما حوصر أهله في دائرة مغلقة من التبعية والهوان والخرافة والأوهام. ووضع العقل الإسلامي، مثل ما وضع المسلمون أنفسهم خارج المدار الفاعل الخلاق في حياة العصر وحياة المجتمعات.

VII.         ضربات الإحباط في العشرين سنة الأخيرة:

وإضافة إلى ذلك، وفي سياق العوامل السلبية، وفعلها المتلاحق، توالت على المسلمين، وخلال العشرين سنة الأخيرة بالخصوص، جملة أحداث وتطورات بالغة الخطورة والتأثير، نزلت كالضربات الصاعقة ـ الواحدة تلو الأخرى ـ فزلزلت الكيان النفسي والروحي للمسلمين. وهزت الضمائر، وعمقت في آن واحد إحساسين مزدوجين:

ـ إحساس بعمق الطعنات التي نزلت بالمسلمين وبقضية التردي والعجز التي يجد المسلمون فيها أنفسهم مهانين محتقرين… مجرد أصفار وكميات مهملة في حساب أعداء دينهم وبلادهم.

ـ إحساس بضرورة البحث عن مخرج من هذا الوضع المربك، وبالحاجة القصوى إلى حزم الإرادة الإسلامية لدفع الإهانة ورد الاعتبار على الأقل.

فمن الهزيمة العربية أمام إسرائيل سنة 1967. والآثار الظلامية والنفسية العميقة التي تركتها جرحا غائرا وإهانة مؤلمة في المحيطين العربي والإسلامي. إلى التراجع السريع ـ الذي تلا الهزيمة ـ للمد الثوري القومي العربي الذي كان يحمل في وجهه وصدره قسمات التحرر، ويبشر بأحلام العرب والمسلمين في الوحدة والتحرر والعدل الاشتراكي… وكان منذ 15 سنة مضت يرج العالمين العربي الإسلامي والإفريقي، ويحرك نوازعهما إلى التحرر والانعتاق، سواء من الاستعمار الخارجي أوالإقطاع الداخلي. ويربك مخططات الامبريالية والصهيونية في عموم المنطقة. وانتهى هذا التراجع مع أواسط السبعينات إلى ما يشبه الانهيار.

إلى عملية كامب ديفيد و”صلاة القدس” سنة 1977 التي كانت الظروف التراجعية الموغلة والمتواصلة من قبل قد امتهدت أمام السادات فمضى متهاويا بأكبر دولة عربية إسلامية مجانا في أحضان الإمبريالية والصهيونية. وكان هو وعمليته المخجلة ظاهرة تراجعية قاسية عبرت عن الحضيض الذي انتهى إليه الانهيار العربي الإسلامي، ضربت العرب والمسلمين جميعا بصفعة إحباط وهوان لم يتقدم لها مثيل.

… وإلى تطور آخر موبق إلى الخلف، جاء نتيجة مباشرة للأطوار السابقة، هو انبعاث الرجعية العربية الإسلامية بالمقابل، وصعودها عسكريا ومدنيا في كل بلاد الإسلام إلى مكان السيادة والزعامة. وتقدم إلى مقام الصدارة عدد من شظايا العمالة والرجعية المرفوضين إلى الأمس القريب. وانفتحت بسهولة ويسر كل الجيوب والثغرات أمام النفوذ الإمبريالي والصهيوني، ومصالحهما الإستراتيجية والاقتصادية والسياسية في عالم المسلمين.

الجماهير المسلمة… والقيادات السياسية الفاشلة وغياب اليد الأمينة للقيادة والتأطير والتوجيه: وبموازاة ذلك كله، بالمقابل، وعلى المستوى الشعبي لجماهير المسلمين، يبدو في نفس الوقت فراغ سياسي مروع، وتخلف تنظيمي محبط محيط بهذه الجماهير في مشارق الأرض ومغاربها. إذ بات واضحا مع أواخر السبعينات أن كل الأحزاب والتنظيمات السياسية التي كانت تغطي العالم الإسلامي مشرقا ومغربا، وتتقدم ببرامجها وأفكارها السياسية والتحررية على واجهة عريضة لامعة تثير الانتباه قد فشلت كلها في هذه البرامج والأفكار، مثلما فشلت أكثر في استقطاب الجماهير الشعبية، فأحرى تأطيرها وامتلاك ناصيتها. وقيادتها في معركة التحرر والتطور والبناء لا سيما حين ارتمت في أحضان السلطة حينما تحولت إلى أحزاب حاكمة، أو تميعت وانحلت خارج السلطة. وانتهى الأمر أخيرا إلى فراغ في التأطير السياسي والعقائدي والتوعوي لجماهير المسلمين… وأيضا إلى غياب قيادات وزعامات سياسية صالحة مخلصة نزيهة على مستوى عالم المسلمين، تستعلي عن الانتهازية السياسية والمصالح الذاتية الزعامية. وتتوفر لها مؤهلات الإخلاص والوفاء… والوعي الذكي المحيط. والصدق النضالي الأمين. فغابت عن الإسلام والمسلمين اليد الأمينة والكفأة التي تتأهل روحا وفكرا لتقود حركة التاريخ الإسلامي من جديد، وتؤطر قواها نحو التغيير والتحرير والبناء. وتفجر في اتجاه ذلك طاقة الإسلام والقوى الروحية الخارقة المستكنة في قلوب أهله، وفي طوايا شريعته.

 VIII.         المناخ الملوث لا ينبت إلا لوثا: والذي خبث لا يخرج إلا نكدا

وفي خضم هذا التردي والتراجعات التي غطت حياة المسلمين وبلدانهم، أصبح العملاء والمترددون والجبناء والانتهازيون والسماسرة هم سادة الساحة وجسور المصالح الأجنبية إلى بلدانهم وشعوبهم. وأصبح الجهر بالعمالة والتآمر على المصالح العليا للبلاد والعباد عملة مقبولة، وأمرا شائعا، لا يكاد يثير سخطا أو ردة فعل. وكان طبيعيا آنئذ أن يفرز هذا المناخ الملوث ضمن إفرازاته المختلفة، أنماطا سرية وعلنية من السادات وأضرابه في كل أطراف بلاد العرب والمسلمين، من شرقه إلى غربه. وكان هذا المناخ الملوث المهزوز، هو الذي أنتج هذا السادات نفسه وفتح شهيته للالتفاف على أمته وثورتها وعلى العرب والمسلمين جميعا، ومنحه الشجاعة فوق الكفاية بمعناها العكسي ـ إن صح أنه شجاعة ـ ليلبس نفسه وأمته ثوب كامب ديفيد ويغازل إسرائيل، ثم يروح إلى الصلاة مع كولدا مايير في الكنيست الإسرائيلي، وينحني انحناءتين وأمام المبكى في القدس الشريف. وتلا هذا السادات العميل سادات آخرون أحط وأرذل في كل بلاد العرب والمسلمين.

هذه الردة العلنية مع كل الإحباطات المرافقة، فجرت القرف المحبط في أوساط المسلمين. ولكنها في نفس الوقت فجرت الكفر بحاكم مصر وأمثاله. ففجر المسلم ـ خالد الإسلامبولي ـ إيمانه المتغلغل وغضبه الكاسح يوم المنصة وعليها ـ سادس أكتوبر 1981 ـ فأصاب العمالة والردة كلتيهما إصابة جارحة، وفتح نافذة الغضب الإسلامي، وإمكانية انطلاقه لفعل شيء على الطريق. منها فجر في نفس الآن الغضب والحنق على كل الأنظمة الحاكمة وحكامها العملاء، وانتبه المسلمون إلى خطورة الهوة والمزلق التي هوى إليها حكامهم. وظلوا ينتظرون أن يفتح لهم مجال التطور والأخذ بكاهل التحرر والانعتاق وتحرير الإسلام وأهله من الدرن الموبق الذي هوى إليه. وتجديد الثقة وجمع شمل المسلمين على الطريقة الإسلامية ومنظومته المتكاملة التي لا سبيل لهم سواها ولا منفذ لهم سوى التمسك بها والمضي عليها بمضاء ونضالية وصفاء.

مرة أخرى. نعود للسؤال: هل نحن مسلمون حقا؟ اسميا؟… أو عمليا؟ ما ظواهر ذلك وما أسبابه؟ وما آفاقه؟

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.