منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

النحو العربي بين الصعوبة والتيسير “مدرسة الأندلس أنموذجا”

0
اشترك في النشرة البريدية

نشأت اللغة العربية في أحضان جزيرة العرب خالصة لأبنائها متماسكة البنيان غير مشوبة بلوثة الإعجام، ولم تكن حينها بحاجة إلى قواعد تضبطها وتقومها، فقد كانت في حضن أبنائها ذوي اللسان العربي الخالص، ثم جاء الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا، فاختلطت الألسن وتسرب اللحن إلى اللغة العربية وإلى القرآن الكريم، فكان لزاما وضع علم يصون اللغة من الإعجام ويحفظ القرآن من اللحن الذي قال فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه: “لَأَنُ أقرأ فأسقط أحب إلي من أن أقرأ فألحن” . وتلبية لهذه الضرورة وضع علم النحو من قبل أبي الأسود الدؤلي (ت67هـ) بطلب من علي كرم الله وجهه على أرجح الأقوال . ثم بدأ هذا العلم ينمو ويترعرع مع علماء أمثال: نصر بن عاصم (ت89هـ) وأبي إسحق الحضرمي (ت117هـ) وعيسى بن عمر الثقفي(ت149هـ) وحماد بن سلمة (ت169هـ) والخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175هـ) ويونس بن حبيب البصري (ت182هـ) وغيرهم من أهل الفضل والسبق في هذا العلم الذين قال فيهم يحيى بن المبارك اليزيدي:

يا طالب النحو ألا فابكه       بعد أبي عمرو وحماد
وابن أبي إسحق في علمه       والدين في المشهد والنادي
عيسى وأشباه لعيسى وهل        يأتي لهم دهر بأنداد
ويونس النحوي لا تنسه         ولا خليلا جنة الوادي .

واستمر النحو في نموه إلى أن وصل إلى مرحلة النضج مع إمامه سيبويه (ت180هـ)، فليس من قبيل المبالغة القول بأن تدوين النحو بدأ بكتاب سيبويه وانتهى به ، فقد أكمله من ألفه إلى يائه ولم يفته شيء جوهري فيه حتى قال فيه المازني : “من أراد أن يعمل كتابا كبيرا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحي” ، فقد كان ثورة علمية فريدة غير أنه كتاب علم وليس كتاب تعلم، فقد اتسم بصعوبته حتى أنه يقال لمن أراد دراسته: هل ركبت البحر؟ وقد روى المبرد عن المازني أنه قال:” قرأ علي رجل كتاب سيبويه في مدة طويلة، فلما بلغ آخره قال لي: أما أنت فجزاك الله خيرا وأما أنا فما فهمت منه شيئا” .
بذلك تنبه القدماء إلى ضرورة تيسير النحو منذ البداية، وفي هذا تقول الدكتورة إيمان السعيد جلال:” محاولات تيسير النحو ليست حديثة بل إن عمرها يكاد يساوي عمر النحو العربي، والمكتبة اللغوية حافلة بأسماء مختصرات أئمة النحو التي بسطوا فيها النحو للناشئة” ، وتعد مقدمة خلف الأحمر (ت180هـ) أقدم ما وصل إلينا في تيسير النحو، والتي قال في بدايتها: “لما رأيت النحويين وأصحاب العربية قد استعملوا التطويل وأكثروا العلل وأغفلوا ما يحتاج إليه المتبلغ في النحو من المختصر … فأمعنت النظر في كتاب أؤلفه وأجمع فيه الأصول والأدوات والعوامل على أصول المبتدئين، ليستغني به المبتدئ عن التطويل” ، وهذا ابن قتيبة (ت276هـ) حاول أن يقدم النحو بأسلوب سهل يجذب طلاب العلم فيستسهلونه ويرغبون في تحصيله دون ملل من خلال كتابه “تلقين المتعلم من النحو” الذي قال فيه: “فيه إفادة للعالم وتفهيم للمتعلم” .
ثم توالت المختصرات ومحاولات التيسير من قبل علماء العربية في المشرق والمغرب على مر العصور وفي مختلف المدارس النحوية، وسأخصص الحديث هنا عن المدرسة الأندلسية.

النحو في الأندلس

بعد فتح الأندلس سنة 92 هجرية لا نكاد نجد أثرا لأي لون من الحياة الفكرية طوال عصر الولاة (من 95هـ إلى 138هـ)، ذلك لأن الظروف لم تكن مواتية لشؤون الدرس والفكر، فقد شغل الفاتحون بالمخاصمات والحروب وفض النزاعات والعداوات، كما أن الفاتحين جميعهم كانوا من المحاربين، وهذا وحده يكفي لتعليل انصرافهم عن الآداب والفكر. إضافة إلى أن أهل البلاد لم يكونوا في حاجة أول الأمر إلى الثقافة والفكر الإسلاميين، فلم يكن يتطلب منهم الدخول في الإسلام بداية الأمر سوى النطق بالشهادتين، ثم بدأ تعرب أهل البلاد، وشرع الولاة في تشجيع العلماء وحثهم على نشر العلم خاصة ما ارتبط بالقرآن الكريم وعلومه المختلفة التي من أخصها علم النحو ، وسأتناول الحديث هنا عن نشأة النحو الأندلسي وتطوره، ثم ازدهاره وبروز مذهب جديد فيه هو المذهب الأندلسي.

المزيد من المشاركات
1 من 52

1. النحو في الأندلس النشأة والتطور

سبقت الإشارة إلى أن البدايات الأولى للمسلمين في الأندلس عرفت فراغا فكريا في شتى العلوم إلى أن استقل بنو أمية بالأندلس على يد عبد الرحمن الداخل صقر قريش سنة 183هـ، فاستقبلت الأندلس عهدا جديدا وبدأت الحركة العلمية فيه -النحو- بفضل مناصرة بني أمية اللغة جريا على دأب بني أبيهم في المشرق، فأرغبوا العلماء وكافؤوهم على دراستهم وتصنيفهم ، فأثمر هذا نهضة فكرية في تلك البلاد، ونمت الحركة العلمية وكثر العلماء فتطلعت إليهم الأنظار في سائر البلاد الإسلامية، وملأت قرطبة الأندلس الأسماع، وخلفت بغداد العراق، ولاسيما في النحو الذي يمكن تقسيم مراحل نموه في هذه البلاد إلى خمسة أطوار:

الطور الأول: مرحلة النشأة والنمو

لا نكاد نمضي في عصر بني أمية بالأندلس (من 138هـ إلى 422هـ) حتى تنشأ طبقة كبيرة من المؤدبين الذين كانوا يعلمون الشباب في قرطبة وغيرها من الحواضر الأندلسية مبادئ العربية عن طريق مدارسة النصوص والأشعار، يدفعهم إلى ذلك حفاظهم على القرآن الكريم وسلامة لغته و تلاوته ، وكانت تلك النصوص بسيطة سهلة بعيدة عن التعقيد أو الشذوذ ليسهل فهمها، فالمؤدبون أنفسهم لم تكن عندهم معرفة تامة بعلم النحو، فقد كانت معرفتهم به معرفة سطحية …. وكما جرت سنة الله في العلوم أن تبدأ بسيطة ثم تأخذ طريقها في النمو والارتقاء، كذلك كان علم النحو في الأندلس قد بدأ بسيطا على يد المؤدبين، ثم صار يتقدم شيئا فشيئا إلى أن أقبل عليه الأندلسيون طامعين في التزود من أصوله وفروعه، فتطلعوا إلى مهد نشأته ببلاد المشرق لتبدأ بذلك الرحلات العلمية إلى المشرق العربي.

الطور الثاني: في رحاب المذهب الكوفي

تلبية لرغبة الأندلسيين في التزود من أصول النحو وفروعه، كان لزاما عليهم أن يقوموا برحلات علمية إلى بلاد نشأته ورجال صنعته، فكان أول من أدخل النحو لهذا القطر هو جودي بن عثمان (ت 198هـ) الذي رحل إلى المشرق ودرس النحو على يد ثلة من علماء المدرسة الكوفية كالكسائي والفراء، فأدخل معه كتاب الكسائي، وبذلك صبت الأندلس عنايتها في بداية الأمر على النحو الكوفي مقتدية بنحويها الأول جودي بن عثمان، وقد استمرت الأندلس في مدارسة النحو الكوفي وحده قرابة قرن من الزمن.

الطور الثالث: في رحاب المذهب البصري

تأخرت عناية الأندلسيين بالنحو البصري إلى أواخر القرن الثالث الهجري حين أدخل الأفشين محمد بن موسى بن هاشم (ت309هـ) كتاب سيبويه إلى الأندلس، بعد أن أخذه رواية عن أبي جعفر الدينوري (ت289هـ)، وما أن دخل قرآن النحو الأندلس وذاع صيته حتى وجد له بين علمائها من يتلقاه شرها فرحا بغنمه الجديد، حتى كان الناس يتساءلون في الشخص هل يقرأ كتاب سيبويه؟ فإن قيل : لا، فيقولون: لا يعرف شيئا ، كما كان لقدوم أبي علي القالي إلى الأندلس سنة 330 هـ أثر كبير في انتشار المذهب البصري، حيث حمل معه ذخائر الشعر والنحو واللغة، وأهم ما جاء به هو كتاب سيبويه الذي أخذه عن ابن درستويه عن المبرد. وفي منتصف القرن الرابع صار المذهب الكوفي والبصري يسيران جنبا إلى جنب في بلاد الأندلس.

الطور الرابع: في رحاب المذهب البغدادي

مع بزوغ القرن الخامس ظهر من علماء الأندلس من يأخذ بالمذهب البغدادي سالكا بذلك طريقا جديدا في التعامل مع النحو العربي، ومن أشهر هؤلاء ابن سيدَ الضرير (ت485هـ) والأعلم الشنتمري (ت476هـ) الذي يعتبر أول من نهج لنحاة الأندلس هذا الاتجاه في صمود وقوة .
ولابد أن نقف وقفة نستحضر من خلالها بعض الأدلة التي تدل على أخذ نحاة الأندلس بالمذهب البغدادي نظرا لإغفال كثير من الدارسين لهذه المرحلة المهمة من حياة النحو في الأندلس، ومن أهم الأدلة نذكر ما يلي:

أولا:

السير في اتجاه البغداديين في الإكثار من التعليلات والنفوذ إلى بعض الآراء الجديدة كالأعلم الذي كان لا يكتفي في الأحكام النحوية بالعلل الأولى، بل كان يطلب علة ثانية كالقول بأن كل مبتدأ مرفوع، فيطلب العلة الثانية ليوضح بها سبب رفع المبتدأ وعدم نصبه، وهو ما انتقده ابن مضاء القرطبي بقوله:” وكان الأعلم -رحمه الله- على بصره بالنحو مولعا بهذه العلل الثواني، ويرى أنه إذا استنبط منها شيئا قد ظفر بطائل” .

ثانيا:

انشغال نحاة هذه المرحلة بمؤلفات البغداديين وتعمقهم فيها، من ذلك ما ذكره ابن سيدَ أنه أورد في معجمه المخصص من كتب أبي علي الفارسي (ت377هـ) وكتب ابن جني (ت392هـ) البغداديين حين قال:” وأضفت إلى ذلك ما تضمنه من هذا الضرب كل كتاب سقط إلينا من كتب أبي علي الفارسي النحوي … وكتب أبي الفتح عثمان بن جني ..” .

ثالثا:

الانتخاب بين المذهبين، وذلك على غرار المدرسة البغدادية بالمشرق التي كانت تختار من آراء النحو البصري والكوفي دون تعصب لأحدهما، فهذا الأعلم الشنتمري يختار رأي السيرافي البصري في أن “من” تأتي مرادفة لربما إذا اتصلت ب”ما” ، كما يختار في موضع آخر رأي الفراء إمام الكوفة في أن الفاء قد تزاد في الخبر إذا كان أمرا أو نهيا فقط، وهذا لا يثبته سيبويه …  وبهذا تكون الأندلس قد فتحت لنفسها مجالا ثالثا في مدارستها للنحو العربي.

الطور الخامس: الاستقلال بالرأي وظهور المذهب الأندلسي

لم تلبث الحركة النحوية في الأندلس أن نمت وترعرعت، وظل علماء الأندلس يتوالون متتابعين ينهلون من منابع النحو الثلاثة (الكوفي، البصري، البغدادي) ويجمعون بينها فيما يدرسون ويصنفون، ويتعمقون في فهم دقائق النحو، واستنباط أحكامه وتحليل قضاياه…، فلا أحد ينكر فضل علماء الأندلس ودورهم البارز في نضج النحو العربي سواء أُطلق عليه الدرس أو المدرسة الأندلسية أو غيرها من الأسماء …، وقد اتجه الأندلسيون في هذه المرحلة التي استقلوا فيها عن المشرق إلى الاستدراك على المشارقة والتأليف المستقل وطرح أفكار ونظريات جديدة، غير أن الغالب عليهم هو ميلهم إلى التيسير يدفعهم إلى ذلك أسباب وعوامل مختلفة نجملها في النقاط الآتية:

أولا:

اختلاف الأجناس التي كانت تسكن الأندلس الإسلامية، فقد كان المجتمع الأندلسي يشكل مزيجا من الألسن واللغات، حيث تواجد العرب والبربر والموالي إضافة إلى السكان الأصليين للأندلس الذين أطلق عليهم عجم الأندلس.
لقد دخل العرب الأندلس على شكل طوالع أي جماعات متفرقين، وأول هذه الطوالع طالعة موسى بن نصير التي كانت تضم حوالي اثني عشر ألفا من العرب معظمهم من القيسية واليمنية وموالي بني أمية، واستمرت الطوالع إلى أن وصل عددهم ثلاثين ألفا، ثم كثرت نساؤهم وكثر عيالهم إلى أن أصبح عددهم ثلاثمائة ألف تقريبا بعد عشرين سنة من ذلك ، وقد انتشر هؤلاء العرب في شبه الجزيرة انتشارا واسعا بحيث لم تخل منهم ناحية من نواحي الشرق والجنوب والوسط والغرب . أما البربر فقد كانت أعداد من اشترك منهم في فتح الأندلس تزيد على أعداد العرب أضعافا تبعها تيار من الهجرة البربرية اتصل واستمر عقب الفتح مباشرة، ولم يلبث شبه الجزيرة أن امتلأ بهؤلاء المهاجرين ، وهو ما أكده المقري بقوله:” وتسامع الناس من أهل بر العدوة بالفتح على طارق، وسعة المغانم فيها، فأقبلوا نحوه من كل وجه، وخرقوا البحر … فلحقوا بطارق” . إضافة إلى هذا فقد كانت تتواجد بالأندلس جماعة كبيرة من الموالي، زادت أعدادهم زيادة عظيمة بعد سقوط الدولة الأموية في المشرق، خاصة أولئك الذين ارتبطوا بالولاء مع البيت الأموي . ولا ننسى صنفا آخر وهم سكان الأندلس الأصليون الذين أطلق عليهم “عجم الأندلس” أو “عجم الذمة”، وهم الجزء الأكبر من عناصر سكان الأندلس، يتشكل هذا الصنف من الشعب الإيبيري، وهو شعب أروبي نصراني في غالبيته العظمى ذو لغة إيبيرية رومانية يغلب عليها الطابع الروماني، سماها العرب بعجمية أهل الأندلس وباللطينية .
أمام هذا التنوع اللغوي كان علماء الإسلام يسعون لنشر اللغة العربية في الأندلس لأنها لغة القرآن ولا يُتعلم الدين دون تعلمها، فكان لزاما عليهم أن يعملوا على تيسيرها وكل العلوم المرتبطة بها كعلم النحو الذي نحن بصدد الحديث عنه، خاصة وأن معظم سكان الأندلس كما رأينا كانوا حديثي عهد بهذه اللغة وبهذا الدين الجديد، إضافة إلى أن هذه الأجناس المختلفة كانت تسعى لنشر لغاتها، كما فعل اليهود عندما بعثوا اللغة العبرية من جديد في هذه المرحلة، لذلك انبرى علماء العربية لتبسيط النحو وتيسيره كي يستطيعوا منافسة اللغات الأخرى بجعل اللغة العربية ذات نحو قوي سهل المأخذ على المتعلم.

ثانيا:

رغبة الموحدين في قطع التبعية للمشرق، ويتجلى هذا في مجالات مختلفة، ففي المجال السياسي مثلا قطع الموحدون تلك التبعية للمشرق التي كان عليها المرابطون قبلهم عند إعلان يوسف بن تاشفين انضواءه تحت لواء الخلافة الإسلامية ومبايعته للخليفة العباسي وتلقيبه بأمير المسلمين احتراما لأمير المؤمنين بالمشرق ، أما الموحدون فقد أطلقوا لقب أمير المؤمنين كدليل واضح على قطع تلك التبعية، وهو ما أكد عليه عبد الله كنون بقوله:” وقد ظهر من سياق الأحداث … أن ملوك الموحدين قطعوا تلك الصلة التي تقر بتبعية المملكة المغربية لدولة الخلافة العباسية … ومن ثم فإنهم لم يحجموا عن اتخاذ لقب أمير المؤمنين وانتحال وصف الخليفة نفسه” ، ولعل دعوة ابن تومرت واتجاه الموحدين إلى التجديد وقطع التبعية للمشرق كانت هي الدافع لابن حزم في مذهبه الظاهري وكذلك في اهتمامه بعلم النحو ودعوته إلى التخلص من علل النحو وعدم التعمق فيه.
وما يؤكد هذا الطرح أن أبرز من اشتهر بتيسير النحو في الأندلس وهو ابن مضاء القرطبي قد أسند إليه الموحدون منصب القضاء في بعض بلدانهم، بل جعله يوسف بن عبد المومن قاضي قضاة الجماعة في الدولة كلها ، لكن يبقى هذا الاحتمال مرجوحا بعيدا عن المنهج الذي يقتضي أن يتوقف الباحث عند جوهر دعوة التيسير ويدع مهمة تتبع النيات والخلفيات لأن ذلك بعيد عن مجال الدراسة الموضوعية .
ثالثا: صعوبة أخذ علم النحو بسبب مبالغة النحاة وتقصيرهم: ولعل هذا هو السبب الرئيس في محاولات التيسير منذ العصور الأولى مرورا بالأندلس وصولا إلى يومنا هذا، فأغلب كتب النحو لا تصلح إلا لمن أتقن العلم ولا تصلح للمبتدئ، فما أثاره خلف الأحمر في العصور الأولى من صعوبة المأخذ على المبتدئين ينطبق بشكل أكبر على الأندلسيين نظرا لكونهم حديثي عهد بهذه اللغة، ونظرا لاختلاف الأجناس المشكلة للمجتمع الأندلسي كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
أما ما ادعاه بعض الدارسين من كون المغرب عمل على رد بضاعة المشرق في العصر الموحدي فيمكن الرد عليه بكون محاولات التيسير ليست جديدة مع الأندلسيين بل إن عمرها يكاد يساوي عمر النحو العربي، ثم إن ما يلاحظه الناظر في كتاب ابن مضاء مثلا هو رده على النحاة باعتبارهم نحاة فقط، لذلك يلاحظ أنه كثيرا ما يستشهد بأقوال نحاة مشارقة، فقد استشهد بابن جني ووصفه بأنه كبير من حذاق النحاة، واستشهد برأي الجاحظ، كما أنه ينتقد نحاة أندلسيين كالأعلم الشنتمري وأبي القاسم السهيلي، والذي يؤكد هذا الطرح أيضا أن بعض الأندلسيين من معاصريه قد تولوا الرد عليه كابن خروف في كتابه “تنزيه أئمة النحو عما نسب إليهم من الخطأ والسهو” .

بعد استعراض هذه الأسباب نخلص في الأخير إلى أن دوافع تيسير النحو راجعة إلى صعوبة النحو نفسه وتعقيد النحاة له بعيدا عن كل الآراء القائلة بالنزعة الإقليمية والتعصب المتمثل في قطع المغاربة لتلك التبعية للمشرق، فهذه نظرة عامة في النحو الأندلسي واتجاه بعضٍ من علمائه إلى التيسير الذي صارت الحاجة إليه أشد في عصرنا هذا مع فتور الهمم وانصراف الناس عنه.

لائحة المصادر

 ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم، “تلقين المتعلم من النحو”، تحقيق محمد سلامة الله محمد هداية الله، رسالة لنيل درجة الماجستر بجامعة أم القرى مكة المكرمة، 1986.
 ابن مضاء القرطبي، “الرد على النحاة”، نشر وتحقيق شوقي ضيف، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى .
 ابن هشام الأنصاري، “مغني اللبيب عن كتب الأعاريب”، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية صيدا بيروت، 1991.
 أبو البركات كمال الدين عبد الرحمن بن محمد الأنباري، “نزهة الألباء في طبقات الأدباء”، تحقيق إبراهيم السامرائي، مكتبة المنار الأردن الزرقاء، 1985 الطبعة الثالثة.
 أبو الحسن علي بن إسماعيل المعروف بابن سيدَ، “المخصص”، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، السفر الأول.
 أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي، “طبقات النحويين واللغويين”، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، الطبعة الثانية.
 أبو محمد عبد الواحد بن علي المراكشي، “المعجب في تلخيص أخبار المغرب”، شرح صلاح الدين الهواري، المكتبة العصرية صيدا بيروت الطبعة الأولى 2006.
 أحمد بن محمد المقري التلمساني، نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس، دار صادر بيروت 1968.
 أنخيل جانثالت بالنتيا، “تاريخ الفكر الأندلسي”، ترجمة حسين مؤنس، مكتبة الثقافة الدينية ،1955 المقدمة التاريخية.
 بقلم إيمان السعيد جلال، “شوقي ضيف سيرة وتحية دراسات في الأدب والنقد واللغة والتراث”، إعداد وتقديم طه وادي، بقلم مجموعة من أساتذة الجامعات العربية، المجلس الأعلى للثقافة 2003.
 جلال الدين السيوطي “بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة”، تحقيق علي محمد عمر، مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى 2005.
 حسين مؤنس، “فجر الأندلس دراسة في تاريخ الأندلس من الفتح الإسلامي إلى قيام الدولة الأموية (711-756م)”، دار الرشاد، الطبعة الثالثة 2005.
 خلف بن حيان الأحمر البصري، “مقدمة في النحو”، تحقيق عز الدين التنوخي، مطبوعات مديرية إحياء التراث القديم دمشق، 1961.
 شوقي ضيف، “المدارس النحوية”، دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية.
 عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، “المزهر في علوم اللغة وأنواعها”، منشورات المكتبة العصرية صيدا بيروت، 1986.
 عبد الله كنون، النبوغ المغربي في الأدب العربي، دار الكتاب اللبناني بيروت الطبعة الثالثة 1975.
 علي بن يوسف القفطي، إنباه الرواة على أنباه النحاة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي القاهرة ، مؤسسة الكتب الثقافية بيروت لبنان، 1986، ط 1.
 محمد الطنطاوي، “نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة”، دار المعارف، الطبعة الثانية.
 محمد بن إسحق النديم، “الفهرست في أخبار العلماء المصنفين من القدماء والمحدثين وأسماء كتبهم”، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط 3 2010.
 محمد مختار ولد اباه، “تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب”، دار الكتب العلمية، 1996 الطبعة الأولى.
 مصطفى بن حمزة، “نظرية العامل في النحو العربي دراسة تأصيلية وتركيبية”، رفع عبد الرحمن النجدي، الطبعة الأولى 2004.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.