منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التربية البيئية مدخلا للوعي بالمشترك الإنساني

د. أحمد الفراك

0
اشترك في النشرة البريدية

تنزيل كتاب: “التربية البيئية وسؤالا التنمية والأخلاق

رغم ما للاهتمامات الفلسفية القديمة من قيمة عظمى في تركيز النظر على المعطى الكوني في تكامل عناصره وتفاعلها، وتأثير ذلك على حياة الإنسان وتفكيره، إلا أنها اليوم لا تنفع نظرية “أخلاق الفضيلة” لأرسطو طاليس، ولا نظرية “أخلاق الواجب” لإيمانويل كانط، ولا نظرية “أخلاق المنفعة” لوليام جيمس، في استيعاب مشكلات “البيئة والإنسان” المستحدثة في عالمنا المعاصر، ولا تستطيع تنمية “الوعي الكافي” لإيقاف نزيف هذا الكون العظيم ومعاناته جراء استفحال جشع الإنسان وتسلطه على الطبيعة وبالتالي على نفسه والأحياء والحياة من حوله.

وفي موضوع الحوار الحضاري -الذي ليس لحظة مجادلة خطابية وإنما هو سيرورة تفاعلية، يشارك صناع القرار السياسي والديني والعلمي والثقافي والفني، ويتدخل الأكاديميون والاقتصاديون لمعرفة وجهات النظر المختلفة في موضوع ما، كل من زاوية اختصاصه واهتمامه وتأثيره، ومفاهيمه التي يعبر بها عن رؤيته للعالم تخصه حسب تعبير أرنولد شبينغلر[2] (1880-1936) ونظرةٍ للآخر مُشكلَّة وفق بُناه الثقافية الموروثة والمدعمة اجتماعيا وسياسيا وإعلاميا. وأن كل تدهور للحضارة يتبعه تدهور عام في جميع المجالات ومنها مجال البيئة. وحول هؤلاء الأسياد الكبار تُستعمل وتوظف مراكز بحثية ولجان أممية وهيئات سياسية تضم جيوشا من الخطباء والإعلاميين والإداريين والمثقفين، يُحضرونهم في المحافل الدولية لتأثيث القرارات بطائفة من التقارير الدعائية الداعمة لمنطق الأسياد[3].

ومن تلك الموضوعات التي يتداولها الكبراء في العالم موضوع المسألة البيئة وما يتعلق بها من مشكلات اقتصادية وسياسية وصحية. حيث تُختبر الشعارات الخضراء الجميلة التي ترفعها المراكز ذات الاختصاص ويردد صداها صنف من المثقفين في العالم وأكثرهم من الثالث الذين يتماشون نظرا لضعفهم مع روح المشروع الرأسمالي الاستكباري في الأرض الذي لا يقبل أن تمس مصالحه المالية السيادية في العالم الذي اتخذه حقلا لفلاحته ومعملا لصناعته وسوقا لتجارته. ازدواجية واضحة إلا لأعمى حالت دون إبصاره كثافة جهله وخسة طمعه.

العالم الاستكباري بأنانيته المستعلية يكيل بمكيالين مكيال يكل به للحضارة المركز وهي حضارة متفوقة وقائدة تريد لبيئتها أن تكون سليمة ونظيفة، وحضارت تابعة في الهامش يراد لها أن تدعم وتخدم أو تنهار شريطة ألا يضر انهيارها بسلامة المركز. وفي موضوعنا فالبيئة التي تضر السيد ليست هي البيئة التي يصطلي بنارها العبد، بناء على ثنائية “جدلية السيد والعبد” الهيجلية المعروفة. فالعالم المستكبر مستعد لإهلاك الكوكب وتدمير الطبيعة من أجل مصلحته التي هي قبلته ومعبده. ومن أمثلة ذلك انسحاب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرا من اتفاقية باريس لمكافحة ظاهرة التغيُّر المناخي -كما انسحبت من مثيلاتها سابقا- وللعلم فإن هذه الاتفاقية تهدف إلى تقييد الجشع الصناعي والتقليل من مخاطره البيئية وعلى رأسها خطورة ارتفاع درجة حرارة الأرض. خاصة وأن الولايات المتحدة من أكثر الدول المتسببة في انبعاث غازات الاحتباس الحراري…
لذلك فالتصنيع الجشع تدمير للطبيعة وتتبير للعمران.

المزيد من المشاركات
1 من 10

فكيف تكون معالجة المسألة البيئية مدخلا للحوار الحضاري الجاد والراشد؟ وقبل ذلك عن أية بيئة نتحدث؟ وأي وعي بيئي يسهم في الحوار الحضاري؟

ميز عالم البيئة الألماني “أرنست هايكل”[4] (Ernst Heinrich Philipp August Haeckel)[5] سنة 1866م في تعريفه للبيئة بين نظامين:

نظام طبيعي: يشكل مجموع العناصر الطبيعية التي يعيش وسطها الإنسان: التراب، الهواء، الماء، النبات والحيوان…أي البيئة الطبيعية التي هي من خلق الله تعالى إيجادا وإمدادا.

ونظام ثقافي: وهو مجموع عناصر البعد الاجتماعي للإنسان من صناعات ولغات ومؤسسات وعلاقات… أي البيئة الثقافية والحضارية التي أنشأها الإنسان حوله. وهنا يلتقي علم البيئة بالبعد الثقافي والاجتماعي في الحوار الحضاري.

إلا أن تحديد إرنست هايكل حينما فصل بين النظامين غفل طبيعة التداخل بينهما من حيث يستحيل الفصل، فــ”العلم لا يعدو كونه بحثا عن مثل تلك السببية المتكررة في الطبيعة، لأن علاقات السببية المشكلة لخيط سببية ما، تتكرر في خيوط السببية الأخرى المناظرة له، والبرهنة على وجود مثل تلك العلاقة مناظر لاكتشاف قوانين الطبيعة، وهو الشرط المسبق لإخضاع قوى السببية في الطبيعة للضبط والهندسة. وهو بالتبعية الشرط الضروري لانتفاع الإنسان بها.”[6] غير أن الأرض التي هي بيت للجميع، تتبارى فيها الحضارات وتتعارف الثقافات وتتدافع المصالح، فلا توجد ثقافة واحدة ولا دين واحد حتى نتحدث من وجهة نظر واحدة. ولا يقبل في الحوار تفوق ثقافة على ثقافة، ولا حضارة على حضارة، إلا بما قدمته من إنجازات تخدم الإنسان وتيسر له سبل الحياة الطيبة.

البيئة مُعطى أرضي واقعي مشترك، غير أن علم البيئة هو معطى فكري يحمل تصورات الإنسانية عن الكون بمعطياته التاريخية والجغرافية، وارتباط ذلك بالمعتقدات الدينية والموروثات الثقافية. ولا يعالج الواقع إلا بمعالجة الأفكار، فكيف يتربى الإنسان الفرد على محبة الطبيعة وحفظها والحفاظ عليها؟ وكيف يقتنع كبراء العالم وأكابره ويتعاهدون على دفع الضرر بالإنسان وبأمه الحنواء الأرض، حفاظا على حياتنا المشتركة؟ وإلا فأي صلاح يرجى بالاستكبار في الأرض والإفساد فيها؟ وبالمقابل أي ضرر يخشى بالحفاظ على صلاح الأرض والتعاون على الإصلاح فيها؟ وهل يرجى الصلاح للأرض من غير صلاح للإنسان مادة الإصلاح وموضوعه؟ وكيف له أن يحوز المؤهلات التي يكون بها قادرا على الوفاء بالعهد الأول، والتحقق بمسؤولية الائتمان، واجتياز عقبات الابتلاء في بناء مشروع حضاري مستقبلي تسع مخالقته الناس أجمعين؟

التوافق مع البيئة مدخلا للحوار الحضاري

مقالات أخرى للكاتب
1 من 30

من الأخلاق العالمية التي يشترك في المناداة بها عقلاء العالم اليوم[7]، خُلُق التوافق والانسجام مع الطبيعة والارتفاق بها، أو ما يسميه مايكل زيمرمان (Michael Zimmerman) بـ”التناغم بين البشر والأرض”[8]، عوضا عن خُلق السيطرة عليها، وفلسفة التحكم فيها، ونـزعة العداء لها. أوَليس فيها يدب الإنسان وعلى ظهر أرضها يمشي[9]، ومن خيراتها يقتات[10]، وفي جمالها يسرح[11]، وفي حسبانها يتفكر[12]، ومن آياتها يعتبر[13]، بل منها أُخرج وإليها يعود ومنها يُبعث؟[14]. فكيف لا تكون محبوبة عنده وقد مهدها الله له وجعلها مستقرا ومتاعا؟ وهيأها له بشكل ينسجم معها، حيث جعل نواميس الوجود منسجمة مع تركيب الإنسان.

هذا التوافق الوجودي بين الإنسان والطبيعة حيث “مَكاننا جُزء منا”[15]، في المصدر {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}(الفرقان:2)، والمصاحبة {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} (طه:54)، والمصير{بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (المائدة:19)، يُبيِّنه ويُذكر به القرآن في آيات كثيرة، فهما ناشئان من نفس التركيب بإرادة فوق بشرية؛ إنها إرادة الله وحكمته، وكل تجاهل لها هو سبب فاعل في إفساد الحياة، يقول مراد هوفمان: “العواقب الوخيمة لتجاهل وجود الله أخطر ما يتهدد البيئة.”[16]

كما أن هذا التوافق الخِلقي “يتجاوز التوافق التركيبي الاشتراك بين الإنسان والكون في عنصر التركيب إلى الاشتراك في الكيفية التركيبية، فكلاهما يخضع لنظام الزوجية أو الإثنانية، كما في قوله تعالى: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(الذاريات:49)، وكلاهما يسري عليه قانون التقدير الذي خلق الله به الأشياء كلها كما جاء في قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر:49)، وهو القانون الذي يضبط المقادير الكمية والكيفية المحددة في الموجودات كلها، فيتم به توازن الموجودات وتكاملها جميعا.”[17]

أخلاق التعاون الحضاري والاشتراك في الانتفاع الطبيعي

لاشك أن الطيبات المبثوثة في الكون مسخرة لبني آدم أجمعين، للحفاظ عليها، والاستفادة منها بالعدل، وإصلاح ما قد يقع في توزيعها من فساد، ليس فقط التعاون بين آحاد الأفراد، وإنما التعاون الدولي لمعالجة المشكلات البيئية الكبرى، ومعلوم أن إباحة الطيبات وتحريم الخبائث من صور تكريم الإنسان وتفضيله على كثير من الخلق، وأن عمارة الأرض ليست مسؤولية المسلمين وحدهم، ولا الغرب وحده، بالرغم من عدم التكافؤ في الإفساد بين الدول الغنية والدول الفقيرة، بل هي عمل جماعي تضامني يشترك فيه الجميع، وتتعاون فيه الديانات والثقافات والأجناس والأعراق المختلفة. ولعل ذلك ما يقصده روجي جارودي بحديثه عن “المجتمع التضامني”، وهو المجتمع الذي تلتئم فيه المعرفة بالقيم الأخلاقية والحضارية.

المسألة البيئية والمسؤولية القانونية والسياسية

إذا كانت المسؤولية البيئية إلزاما مشتركا بين جميع الناس في المعمورة، فإن ذلك يستدعي بالإضافة إلى ما سبق وبناء عليه، إقامة تشريعات بيئية كونية وإصدار قرارات عالمية ملزمة، تُجمع عليها جميع الأطراف، وتستمد من روح الأسس المشتركة دينا ومعرفة وعمرانا وطبيعة، تحدد طبيعة الأزمة البيئية وحجمها وعاقبتها، وعلى أساس ذلك تتحدد الحلول والواجبات الدولية المشتركة، والاتفاق على منظومة التنفيذ ومنظومة الالتزام بالتشريعات، وأخيرا منظومة التقييم والتقويم للتشريعات وسياسات تنفيذها.

يعتبر إعلان ستوكهولم سنة 1972م، أشهر التشريعات البيئية العالمية، ويضم 26 مبدأ [18]، تركز في عمومها على حق الفرد في أن يحيا في ظروف بيئية سليمة تحفظ كرامته، في مقابل واجبه في حماية البيئة من التلوث والدمار، كما ربط الإعلان بين البيئة والتنمية والبشر والموارد[19]، إلا أن هذا الإعلان جاء متأثرا بالرؤية الرأسمالية الغربية ومركزا على الفرد الذي تؤطره أخلاق اللذة وحتمية الاقتصاد. ناهيك عن كونه لا يلزم الأطراف القوية المتسببة أكثر في حدوث الأزمة البيئية بتنفيذه والامتثال لتوصياته. فمن يضمن تطبيق التشريعات البيئية في عالم المستكبرين الذين لا يعبئون بالقوانين إلا إذا كانت تجر لهم نفعا اقتصاديا؟ بل أحيانا تجد بعض الدول الصناعية الكبرى ترفض حتى التوقيع على تلك التشريعات الدولية المشتركة، ولا أحد من الناس يستطيع أن يلزمها بالتوقيع فضلا عن التطبيق. فمؤتمر استوكهولم نفسه وبضغط من تلك الدول اعتبر أن “الفقر هو أكثر الملوثات خطرا”[20]، والحقيقة أن فسوق المترفين وتبذير المبذرين إخوان الشياطين هو العدو الأول للبيئة[21].

لما وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1992م على البيان العالمي من أجل الطبيعة، والذي ورد فيه: “يجب على البشر الاسترشاد بدستور أخلاقي للعمل… يجب احترام الطبيعة وعدم تمزيق سيرورتها الأساسية[22]، طرح السؤال العملي: من يسهر على التنفيذ والتتبع وقد دخلت البشرية مرحلة الاضمحلال البيولوجي؟

من أشهر المؤتمرات البيئية أيضا: مؤتمر قمة الأرض سنة 2002م بجوهانسبيرغ في جنوب إفريقيا، وهو ثاني مؤتمر لقمة الأرض، حضره معظم قادة العالم ليتباحثوا في القضايا البيئية الكبرى كتغير المناخ والتنوع البيولوجي ومشكل الطاقة، وفي اتخاذ قرارات دولية بصددها، وتنسيق الجهود لتفعيلها وتفعيل القرارات السابقة في مؤتمر ريوديجانيرو سنة 1992م. لكن المشكل الأكبر هو عدم التفاهم حول الحل.  حيث رفضت بعض الدول الكبرى التوقيع على بنود المؤتمر العالمي، ونشب صراع حاد بين الدول المصنعة والدولة النامية، هذه الأخيرة اعتبرت أن “العولمة ظاهرة تهمش الدول النامية وتزيدها تخلفا وفقرا واستغلالا وضعفا في التكامل الفعلي بين الأبعاد الاجتماعية والبيئية، والنقص في الموارد المالية، وتخلف نقل التكنولوجيا والمعلومات من الدول الصناعية إلى النامية”[23]، بينما الدول الكبرى تتمسك بطبيعة اقتصاداتها الاستهلاكية، وهي تعلم أن “الأزمة الحالية تتركز في الاستغلال المفرط وغير العادل لموارد البيئة في غالبية الدول الصناعية، حيث العقلية الصناعية التي أصبحت تتحدى نفسها في كيفية زيادة حجم الإنتاج، وتحقيق أكبر عائد اقتصادي في عالم يتسم بتطور العلوم والتكنولوجيا، ويتضخم حجم المعرفة، وتبادل المعلومات وسرعة الاتصال. والسير على وثيرة تصاعد استغلال المواد الخام لدوافع اقتصادية من دون الأخذ بالاعتبارات البيئية وبالتوازن الطبيعي للبيئة.”[24]

اهتماما بالمشكلات البيئية المشتركة حاول البيئيون إيصال ندائهم وتحذيرهم إلى قادة العالم لعلهم يجعلون في مقدمة انشغالهم قضية البيئة وما تحمله من تهديد لحاضر الإنسانية ومستقبلها، ولعلهم يستعملون سلطهم في إنقاذ العالم من تدمير منظم يكاد يفنيه. غير أن السياسيين خيبوا الآمال بانشغالهم المفرط بالقضايا اليومية والرأي العام والإعلام ورفاهية الشعوب، وعدم التِفاتهم لقضايا يتطلب تدبيرها جيلا بل أجيالا، وتضحيات وقرارات كبرى. وإن كان للهيئات الحكومية نصيب من المشاركة في الحفاظ على البيئة عبر ما يسمى بـ”الحلول التدخلية” عن طريق العقوبات الزجرية والقوانين الرادعة، والرقابة الـأمنية وفرض القوانين على الشركات المـُلوِّثة ومراقبة أعمال النظافة. حيث “يدعم مناصرو السوق الحرة فكرة تحميل الملوثين المسؤولية القانونية عن آثار أعمالهم. فمثلا قد تضع الحكومة سجلا للمواد الملوثة، وتراقب تدفق الملوثات إلى الغلاف الجوي، وتنفذ ما يتعلق بالمسؤولية القانونية عن الأضرار.”[25]

لقد عقدت المعاهدات والاتفاقات والمؤتمرات والقمم الدولية وأصدرت “قوانين بيئية دولية” لحماية البيئة وردع المفسدين عن طريق سن قوانين زجرية تأديبية قابلة للتطبيق، وإذا “كانت الحركة الخضراء العالمية النامية تعبيرا مهما أيضا عن الاهتمام بالإيكولوجيا السياسية. وفي حين تخلفت الولايات المتحدة وراء كثير من البلدان، فإن السياسة الإيكولوجية في قسم كبير من العالم تتمثل الآن بحركات وأحزاب خضراء مهمة… وقد ترافقت هذه التطورات السياسية مع نمو سريع في أدبيات النظرية السياسية الخضراء”[26]، فإن تغيير أنماط التفكير وأنماط الحياة وحده المدخل الأصح من أجل شراكة حقيقية في إنقاذ البيئة، بل في إنقاذ أنفسنا.

يقوا محمد عزيز الحبابي: “هل يمكن أن نرتفع من مستوى الضمير الفردي إلى ضمير جماعي، بحيث تتصل الأخلاق بالاجتماع بصلة متينة؟” فيقول: “هذا التساؤل في غير محله، لأن الأخلاق مجتمعية في أصلها، فكل مسؤول، مسؤول أمام ضميره، طبعا، أمام البيئة، والبيئة وحدها مقر القيم والمعايير الأخلاقية، وهي الخالقة للضمير خلقا، إذ بها يتكيف، انفعالا للفضائل والمساوئ. فمثلا الوعي أيام الرخاء غيره أيام الشدة. ثم إن أصحاب علم الاجتماع يقرون أن المسؤولية كانت، بادئ ذي بدء، مشتركة غير محددة” ويستشهد على ذلك ببيت شعري يقو فيه الشاعر:”

وما أنا إلا من غُزَيّة إن غوت — غويت وإن ترشد غزية أرشد”[27]

نستنتج مما سبق أن الأزمة البيئة أزمة حضارية مشتركة تعُم الكون بأكمله ولا تقتصر على جزء منه فحسب، كما أن إصلاح الحياة البيئية وترشيد استغلال الثروة الطبيعية مطلب مشترك ثابت للإنسانية لا يطاله التقادم أو الإلغاء، يبدأ بالاقتناع العالمي باستفحال الأزمة البيئية، وتقدم الوعي بانعكاساتها الخطيرة على حياة الإنسان وباقي الأحياء، ويُتمم بـ”عقد بيئي عالمي” يشترك فيه الجميع بناءً على أسس المشترك الحضاري: الديني والمعرفي والعمراني، ويتعاون على تنفيذ بنوده الجميع وهذا غير العقد الذي يضعه طرف ما ويُلزم به الآخرين دافعا بحجة كونيته! آنذاك يلتقي الوعي الإنساني بمقاصد القرآن الكلية التي لا تقف سدا في وجه التفكير الإنساني والتقنين التشريعي، بل تصحح الرؤية الحضارية وتنبه الفكر وتوقظ الوعي وترشد السلوك إلى ما فيه خير للعالمين.

خاتمة

لا تنفصل البيئة عن العمران، مثلما لا ينفصل الكل عن مجموع أجزائه، إذ الكون هو الوعاء والحاضن للمشترك الحضاري بين الناس أجمعين، نظرا لاستحالة الحياة البشرية والعمران البشري والعيش المشترك إلا على ظهر الأرض التي هي المهاد المسخر للخليقة الآدمية. وهو ما تبينه آيات الخلق والتسخير والاستخلاف، حيث يكون الإنسان مستخلفا مؤتمنا على البيئة التي يعيش فيها وينمي فيها معايشه الاقتصادية والعلمية والتقنية والسياسية. وتكون البيئة مُسخرة له حاملة لمشروعه الحضاري في الوجود. لذلك تطرح اليوم المشاكل البيئية أو المشاكل المرتبطة بالبيئة الطبيعية على مستوى عالمي حضاري، نظراً لارتباطها بالإنسان من جهةٍ لاعتباره الفاعل المؤتمن في الكون، بغض النظر عن الانتماء الجغرافي والديني واللغوي والعرقي وغيره، وبالأرض من جهة ثانية بوصفها محل هذا الائتمان ومجاله، وهي التي لا سعي للإنسان إلا عليها.

والنهوض بمعالجة المشكلات البيئية لم يعد أمرا داخليا يخص دولة بعينها لكنه أمسى أمرا عالميا يؤرق جميع الأمم، إذ البيئة لا تعرف حدودا سياسية أو جغرافية أو ثقافية، مثلما لا يتوقع لاقتراحات الحلول أن تكون ناجعة إلا إذا استحضرت الأبعاد العالمية والشمولية والغائية، وتخلصت من إسار الفلسفة المادية التي تنسف جميع القيم والمثل العليا وتدع الإنسان شبَحاً يواجه مصيره ببلادة، لـَمَّا تسقطه في التمركز حول الطبيعة أو حول ذاته، وتفسر النظام وسيرورة الأحداث وحتمية السنن بحركة طبيعية ذاتية ليس وراءها سوى الفراغ والعدم. وتجاوز هذه الأزمة البيئية وإصلاح المعاطب التي خلفتها حضاريا بغية تحقيق الإصلاح في المنهج والمعرفة والواقع، لا يتم إلا من خلال إصلاح جذري للنظام الفكري للعقل الذي يصنع الأفكار ويترجمها إلى وقائع، وبإصلاح الفكر يُسهم المسلمون من جهة خيريتهم في تأسيس حضارة العمران المشترك، وليست حضارات الصراع التي تؤججها فلسفات الكراهية الآيلة إلى زوال في المستقبل القريب.

أحمد الفراك

تطوان/ دجنبر 2019

مراجع البحث

هوفمان، مراد. الإسلام كبديل، ترجمة عادل المعلم، مكتبة الشروق، القاهرة، ط1، 1995م.

هانس، كينغ. مشروع أخلاقي عالمي، دور الديانات في السلام العالمي، ترجمة: جوزيف معلوف وأورسُولا عسَّاف، دار صادر، بيروت، ط1، 1998م

الحبابي، محمد عزيز. الحريات أو التحرر، دار المعارف، القاهرة، ط1، 1972م.

يعقوب أحمد. التربية البيئية ومأزق الجنس البشري، عالم الفكر، عدد 3، المجلد 32، يناير/مارس2004م

لفلوك، جيمس. وجه غايا المتلاشي، ترجمة سعد الدين خرفان، مجلة عالم المعرفة، الكويت، عدد: 388، (ماي 2012م)

مايكل، زيمرمان. الفلسفة البيئية؛ من حقوق الحيوان إلى الإيكولوجيا الجذرية، ترجمة: معين شفيق رومية،مجلة عالم المعرفة،  الكويت، عدد: 333، (2006م)

مشيل، سير. العقد الطبيعي، دار فلاماريون للنشر (Groupe Flammarion)، باريس، ط1، 1990م النجار، عبد المجيد. فقه التحضر الإسلامي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1999م.

نيوتن، ه.ليزا. نحو شركات خضراء، سلسلة كتب عالم المعرفة، الكويت، عدد: 329، (2006م)

السامرائي، نعمان عبد الرزاق. نحن والحضارة والشهود، كتاب الأمة، عدد: 81، (1422ﻫ/2001م)

عليان، عبد الله علي، حوار الحضارات في القرن الحادي والعشرين: رؤية إسلامية للحوار، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2004

الفاروقي، إسماعيل. التوحيد وأثره في الفكر والحياة، ترجمة السيد عمر، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، ط 1، 2014م.

الفراك، أحمد. البيئة ومشكلاتها المعاصرة، مطبعة دار القلم، الرباط، ط1، 2016،

فوشو، سيلفي. التهديدات العالمية على البيئة، وجان فرانسوا نويل، ترجمة أسعد مسلم، دار المستقبل العربي، القاهرة،  ط1، 1991م.

فرجينيا، هيلد. أخلاق العناية، ترجمة: ميشيل حنا متياس، مجلة علم المعرفة، الكويت، عدد 356، ط 1، أكتوبر 2018م

صباريني، محمد سعيد والحمد رشيد. البيئة ومشكلاتها، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، عدد 22، (أكتوبر1979م)الشراح،

الخولي، أسامة. البيئة وقضايا التنمية والتصنيع،

 

Donald McTaggart, la Géographie Moderne et LA Pensée Écologique, Cahiers  de Géographie du Québec vol. 32, décembre 1988, no 87321

 

[1] – أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين/ جامعة عبد المالك السعدي/تطوان

[2] – هو صاحب كتاب “أفول الغرب” ويرى أن التاريخ ليس إلا حضارات بلا رابط بينها ولا أسباب لقيامها، وإنما تخضع كل حضارة بمجرد قيامها لدورة حياة بيولوجية

[3] –  انظر: عليان، عبد الله علي، حوار الحضارات في القرن الحادي والعشرين: رؤية إسلامية للحوار، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2004

[4] – أرنست هايكل (1834-1919) فيلسوفا وعالم أحياء ألماني. قام باكتشاف الآلاف من أنواع الكائنات الحية، ومكتشف علم البيئة.

[5]– Donald McTaggart, la Géographie Moderne et LA Pensée Écologique, Cahiers  de Géographie du Québec vol. 32, décembre 1988, no 87321-326

[6]– الفاروقي، إسماعيل.  التوحيد وأثره في الفكر والحياة، ترجمة السيد عمر، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، ط 1، 2014م.، ص 106

[7]– انظر: هانس، كينغ. في “مشروع أخلاقي عالمي، دور الديانات في السلام العالمي”، ترجمة: جوزيف معلوف وأورسُولا عسَّاف، دار صادر، بيروت، ط1، 1998م

[8]– زيمرمان، مايكل. الفلسفة البيئية، الفلسفة البيئية؛ من حقوق الحيوان إلى الإيكولوجيا الجذرية، ترجمة: معين شفيق رومية، مجلة عالم المعرفة،  الكويت، عدد: 333، (2006م)، ص150

[9]– {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور}(الملك:15)

[10]– {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ }(الشعراء:7)

[11]– قال تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ}(النحل:6)

[12]– {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}(آل عمران:191)

[13]– { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}(الحشر:2)

[14]– قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} (طه:55)

[15]– مايكل،زيمرمان. الفلسفة البيئية؛ من حقوق الحيوان إلى الإيكولوجيا الجذرية، ترجمة: معين شفيق رومية،مجلة عالم المعرفة،  الكويت، عدد: 333، (2006م)، ص 285

[16] – هوفمان، مراد. الإسلام كبديل، ترجمة عادل المعلم، مكتبة الشروق، القاهرة، ط1، 1995م، ص124

[17]– النجار، عبد المجيد. فقه التحضر الإسلامي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1999م، ص 128-129

[18]– أضيف له مبدأ جديد في مؤتمر ريو ديجانيرو عام 1992.

[19]– انظر: الخولي، أسامة. البيئة وقضايا التنمية والتصنيع، ص20 وما بعدها

[20]– المرجع نفسه، ص12

[21] – انظر: السامرائي، نعمان عبد الرزاق. نحن والحضارة والشهود، كتاب الأمة، عدد: 81، (1422ﻫ/2001م)، 2/40،41

[22]– زيمرمان، مايكل، الفلسفة البيئية، ص347

[23]– الشراح، يعقوب أحمد. التربية البيئية ومأزق الجنس البشري، ص22

[24]– المرجع نفسه، ص23

[25]– زيمرمان، مايكل، الفلسفة البيئية، مرجع سابق، ص125

[26]– المرجع نفسه، ص 123

[27] – الحبابي، محمد عزيز. الحريات أو التحرر، دار المعارف، الدار البيضاء، ط1، 1972م، ص24

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.