منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فهم القرآن أو استنباط أحكام منه تغطي المستجدات

سلسلة "القراءات المعاصرة للقرآن الكريم" مساءلة نقدية لمشروع الجابري

اشترك في النشرة البريدية

لقد رأينا كيف أسرف الجابري في تحقيق مقصده الأول بربطه لمعاني القرآن الكريم بأحداث السيرة النبوية بشكل فيه ما فيه من التخمين والافتراض، وهذا فعل – قد يفهم منه –  السعي إلى قطع كل طريق على أن يكون القرآن الكريم صالحا لكل زمان ومكان، اتفاقا مع نظريته التي دعا فيها إلى إحداث سلسلة من القطائع مع التراث لتجاوزه، فالجابري يرى أن  »الحداثة تبدأ باحتواء التراث و امتلاكه ، لأن ذلك وحده هو السبيل إلى تدشين سلسلة من ‘القطائع’ معه إلى تحقيق تجاوز عميق له ، إلى تراث جديد نصنعه ، تراث جديد فعلا [1].« هذه هي شروط الإبداع والتجديد عند الجابري، إبداع لا يتأتى إلا بتجاوز عميق للتراث، لأن »الإبداع، بمعنى التجديد الأصيل ، لا يتم إلا على أنقاض قديم واقع احتواؤه وتمثله وتجاوزه بأدوات فكرية معاصرة… «[2] .

والجابري هنا لا يكتفي بكلام عام بل يخطط ويضع المناهج والرؤى التي تؤدي لتجاوز التراث والتخلص من سلطته، بل وفرض سلطة الحداثة المعاصرة عليه، يقول في كتابه التراث والحداثة : » كيف نتحرر من سلطة التراث علينا ؟ كيف نمارس نحن سلطتنا عليه؟ تلك هي مهمة المنهج الذي نقترحه . إنه منهج تحليلي..بمعنى تحليل البنية..إن تحليل البنية معناه القضاء عليها ، بتحويل ثوابتها إلى تحولات ليس غير ، وبالتالي التحرر من سلطتها ، وفتح المجال لممارسة سلطتنا عليها . هذا النوع من التحليل هو ما أسميه ‘ بالتفكيك’..تفكيك العلاقات الثابتة في بنية ما بهدف تحويلها إلى لا بنية ، إلى مجرد تحولات ، وهذا يندرج تحته ، كما هو واضح ، تحويل الثابت إلى متغير والمطلق إلى نسبي ، واللاتاريخي إلى تاريخي ، واللازمني إلى زمني.. «[3].

وهكذا يمضي الجابري في مشروعه الحداثي بمناهج تحلل وتفكك وتحول الثابت إلى متغير والمطلق إلى نسبي واللاتاريخي إلى تاريخي واللازمني إلى زمني والعقيدة إلى مجرد رأي، مما قد يؤدي – ولو بدون قصد -إلى هدم الدين والتخلص من سلطته إلى سلطة العقلانية الحداثية، وتحويل القرآن الكريم إلى مجرد كتاب يؤرخ للسيرة النبوية، ويتحدث عن فترة زمنية معينة انتهت صلاحيته بانتهائها، ليترك بذلك أنقاضا وفراغات تملأها الحداثة الأوروبية، يقول الجابري :» سيلاحظ القارئ أننا نوظف مفاهيم تنتمي إلى فلسفات أو منهجيات أو ‘ قراءات ‘ مختلفة متباينة ، مفاهيم يمكن الرجوع  ببعضها إلى كانت أو فرويد أو باشلار أو ألتوسير أو فوكو بالإضافة إلى عدد من المقولات الماركسية، التي أصبح الفكر المعاصر لا يتنفس بدونها « [4] . هكذا نلاحظ أن هناك –  بالنسبة للجابري – عددا من المقولات الماركسية التي أصبح الفكر المعاصر لا يتنفس بدونها، والتنفس عبر هذه المقولات لا يتأتى إلا بتجاوز عميق لتراثنا الفكري و ملئ  كل الفراغات التي سيتركها هذا التجاوز بأفكار بشرية من إنتاج الحضارة الأوروبية .

ورغم أن الجابري يستثني القرآن الكريم من مقولات التراث[5] ولا يعتبره تراثا بالمعنى الاصطلاحي الذي حدده في كتابه التراث والحداثة، فإن تعامله مع القرآن الكريم  جاء  وفق المنهج الذي وضعه الجابري للتعامل مع التراث أي امتلاكه لتجاوزه، وقد سعى الجابري لامتلاك فهم معين للقرآن الكريم باعتباره خطوة ضرورية نحو التجاوز .

ولأن الجابري لا يستطيع التصريح بتجاوز القرآن على اعتبار أنه يخاطب جمهورا إسلاميا لا يقبل بذلك ولا يتقبل من يقول به فإنه تعامل مع هذه المسألة بذكاء ودهاء، – على حد قولهم كم من حاجة قضيناها بتركها – فهو يطرح مجموعة من الأسئلة و يسرد مجموعة من الأحداث والوقائع التاريخية – والتي قد ترد بأسانيد واهية أو تحتاج إلى فهم معين داخل السياق الذي حدثت فيه –  مما يؤدي إلى التشكيك والتشويش، وهو يدخل بذلك نوعا من الإعجاب على جمهوره من العلمانيين، ويترك من سواهم في حيرة لا مخرج منها.

المزيد من المشاركات
1 من 27

هذا الدهاء لم يعصمه من السقوط مرات متعددة، بل إن سقوطه يكون مدويا في شكل تناقضات محيرة، ففي الوقت الذي يزعم أنه أعاد ترتيب القرآن الكريم حسب أسباب النزول لفهم القرآن أو استنباط أحكام منه تغطي المستجدات نجده يفعل العكس تماما، أي إسقاط وإبطال أحكام القرآن الكريم بحجة أن العلم الحديث تجاوزها، وهكذا يصبح قوله تعالى:»وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ[6] «. متجاوزا، لأن هذه الآية – عند الجابري – وردة في وقت   »لم يكن من سبيل لمعرفة ما إذا كانت – المرأة – حاملا من زوجها المتوفى أم غير حامل غير التقدير الذي يقوم على مراقبة الحيض ، الخ . أما اليوم فالعلم الحديث قادر على التعرف على حال المرأة في أية لحظة«[7]  .

وهذه دعوة صريحة إلى التجاوز العميق لكل آية من كتاب الله تعالى استغنى الناس عنها بالعلم الحديث، بل إن الجابري يرفض أي علاقة بين القرآن الكريم وبين العلم الحديث، فعند الجابري » ما يسمى ب’ التفسير العلمي للقرآن ‘ هو تقول على القرآن ، فإن بدا وكأنه متفق مع العلم في مرحلة ‘ راهنة ‘فإن تطور العلم يكشف أنه مجرد تقول على القرآن « [8] . مع العلم أن العلماء المتخصصين في هذا المجال  يتحدثون عن الحقائق العلمية وليس عن نظريات يمكن أن تتغير في أي وقت، ومتى كانت الحقائق العلمية تتغير؟.

ورغم أن العلم الحديث لا يتعارض مع القرآن الكريم في شيء، بل إن العلم الحديث ليؤكد يوما بعد يوم ما جاء به القرآن الكريم مصداقا لقوله تعالى : »سَنُرِيهِمُ ءَايَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىا يَتَبَيَّنَ لَهُمُ أَنـَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبـِّكَ أَنـَّهُ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ «[9] . فإن الجابري يأبى أن يقر بذلك، ويتمادى في تغليب ثقافة التخمين والافتراض على الإقرار بالحقائق العلمية، كما أن هناك من العلماء من ذهب إلى أن الحكمة من الإحداد لا تنحصر في معرفة حال المرأة إن كانت المرأة حاملا أم لا، بل فيها أيضا تعظيم حق الزوج بالإحداد عليه أربعة أشهر وعشرا، ولأن العلم الحديث أثبت أن مسألة العدة فيها من الحكم ما هو أبعد من تبرئة الرحم[10].

وفي سقوط مدو آخر للجابري ما جاء في  تعليقه على مسألة السحر عقب تفسيره لسورة الفلق، حيث يقول : » لن نعلق هنا على حقيقة السحر من منظور الفكر العلمي المعاصر، بل نفضل أن ننقل هنا للقارئ وجهة نظر فقهية في السحر مما كتبه القرطبي في تفسيره[11]« . لأن الحقيقة عند الجابري – كما رأينا آنفا – ليست واحدة فلكل حقيقته التي لا تلزمه إلا هو ولا يجوز له أن يلزم بها غيره.

وهكذا يسعى الجابري لإضاعة الحقائق القرآنية بالإعراض عن الحقائق العلمية والتاريخية بحجة أن » المطروح هنا هو الحقيقة القرآنية ، كما أن المطروح بالنسبة إلى اليهود هو الحقيقة التوراتية ، وكلتاهما )أي الحقيقة القرآنية والحقيقة التوراتية( لا تخضعان لمقاييس الحقيقة عند المؤرخين « [12]. هكذا تضيع الحقيقة القرآنية عند الجابري وهكذا يتحول المطلق القرآني إلى نسبي، وهو الذي يقول في موقف آخر أن » القرآن نزل منجما ولذلك راعى الكليات والجزئيات ، فجاء خطابه حافلا  بالقواعد العامة و بالاستثناءات ، وكيف يصلح لكل زمان ومكان إن لم يكن كذلك .؟ « [13] !!!.

هكذا نلاحظ أن الجابري وبعد أن بنا أوهاما كبيرة في أهمية مشروعه الجديد بمحاولة فهم القرآن عبر إعادة ترتيبه حسب أسباب النزول زاعما أنه  »عندما أخذت أجيال جديدة من المسلمين تعمر الساحة ، فقد كان طبيعيا  لكل من يريد فهم القرآن أو استنباط أحكام منه تغطي المستجدات ، أن يشعر بالحاجة إلى معرفة ما اصطلح عليه ب ‘ أسباب النزول ‘، الأمر الذي يقتضي ترتيب السور حسب نزولها[14] «. عاد لينقض غزله ويهدم بيديه ما بناه في تناقض غريب عجيب بعد أن أدرك أنه »  من غير الممكن التعامل مع القرآن كنص معماري مهيكل حسب ترتيب ما . إنه نص بياني من نتاج الوحي لا من إنتاج المنطق« [15]. وانتهى الجابري إلى أن مشروعه المبني على فهم القرآن حسب ترتيب النزول للوصول إلى فهم منطقي يرضي النزوع البشري أوهى من بيت العنكبوت، لأنه من »الصعب تماما إضفاء مقدار كاف من الصدقية والصحة على اللوائح التي تمدنا بجميع سور القرآن مرتبة حسب النزول. خصوصا وقد رأينا كم كان الاختلاف بينهم كبيرا حول تمييز السور المكية من المدنية. « [16]

لقد سقط مشروع الجابري وانتهى بشكل واضح – يدركه كل من اطلع عليه – من خلال الكم الهائل من التناقضات، والافتراضات التي لا تستند حتى إلى الشبه، بله الأدلة والبراهين العلمية، وبشهادة الجابري نفسه من خلال نصوصه آنفة الذكر.

 

 

مقالات أخرى للكاتب
1 من 20

[1] حوار المشرق والمغرب ، لمحمد عابد الجابري ، وحسن حنفي ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت ، الطبعة الأولى ، سنة 1990 . ص74 .

[2] رد افتراءات الجابري ص 27 .

[3] التراث والحداثة ، ص 47 .

[4] الخطاب العربي المعاصر ، لمحمد عابد  الجابري ، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت ، الطبعة الخامسة ، سنة 1994 . ص 14

[5] قال الجابري في كتابه التعريف بالقرآن : »لقد أكدنا مرارا أننا لا نعتبر القرآن جزءا من التراث «  . ص 26 .

[6] سورة البقرة ، الآية 234 .

[7] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 77 .

[8] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 307 .

[9] سورة فصلت ، الآية 53 .

[10] وقد قدم في هذا الموضوع بحث في أحد المؤتمرات العلمية التي بثتها قناة اقرأ الفضائية .

[11] فهم القرآن القسم الأول ، ص 77 .

[12] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 66 .

[13] فهم القرآن القسم الأول ، ص 191 .

[14] التعريف بالقرآن ، ص 420 .

[15] نفس المرجع ، ص 242 .

[16] نفس المرجع ، ص 239 .

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.