منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تأملات في قول ربنا عز وجل: “أيحسب الإنسان أن يترك سدى” (القيامة: 36)

الخواتري محمد

0

تأملات في قول ربنا عز وجل: “أيحسب الإنسان أن يترك سدى” (القيامة: 36)

بقلم: الخواتري محمد

إن مما عليه جمهور المسلمين من أهل العلم أن في القرآن الكريم فاضل ومفضول، دليل ذلك ما ورد من كون آية الكرسي هي أعظم آية في كتاب الله، وأن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، وأن سورة الفاتحة هي أعظم سور القرآن والأدلة كثيرة في التدليل على التفاضل بين سور القرآن دون أن يتطرف ذلك التفاضل إلى التنقص فذلك مما يمنع ويذم.

والمؤمن في علاقته بكتاب الله عز وجل وتفاعله الحي مع آياته تدبرا وتمعنا وتفكرا، لا شك أن يسبق إلى قلبه حب سورة على غيرها أو تستهويه آية دون سواها بحيث يكون له مع هذه السورة أو الآية حالا خاصا ووقفات طويلة في صلواته وخلواته وفي أوراده ونسكه.

فهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، كما يروي أبو ذر، “قام ليلة من الليالي يقرأ آية واحدة الليل كله حتى أصبح، بها يقوم و بها يركع وبها يسجد فقال القوم لأبي ذر: أي آية هي؟ فقال: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) “

ومن ذلك ورد عن القاسم بن أيوب قال: سمعت سعيد بن جبير يردد الآية في الصلاة بضعا وعشرين مرة: “واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون”

فهي نصوص دلت على تفاعل قلب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الصحابة والتابعين من بعده مع آيات مخصوصة من كتاب الله عز وجل كان لها الوقع على قلوب ارتبطت أيما ارتباط بالقرآن واهتبلت به.

ومن بين الآيات الكريمة التي تسحر البال بسحرها الحلال وتجمع بين طياتها الجلال والجمال قول ربنا عز وجل “أيحسب الإنسان أن يترك سدى” فالآية الكريمة من الآيات التي تستوقفك وتجعلك مشدوها أمام بلاغة النظم وجامعية ومانعية المعنى فيشرد اللب في استلهام ما وراء المنطوق الرباني من هدايات وإرشادات

من المعاني الجامعة لمعنى قول ربنا عز وجل “أيحسب الإنسان أن يترك سدى” ما ذكره الإمام البغوي بقوله: سدى أي هملاً لا يؤمر ولا ينهى، وقال السدي: معناه المهمل وإبل سدى إذا كانت ترعى حيث شاءت بلا راع.

هذا غالب ما يتداول في كتب المفسرين في معنى الآية ودلالتها، والحقيقة أنه كلما مرت تلوت قوله تعالى من سورة القيامة إلا ووقع في خاطري معنيين اثنين تحملهما الآية وهما: معنى الجلال ومعنى الجمال.

الآية متوجهة للإنسان كل الإنسان مؤمنهم وكافرهم برهم وفاجرهم ذكرهم وأنثاهم دون تفرقة، لن يترك المولى عز وجل خلقا من خلق سدى هملا بدون هدايات ترشدهم ومن دون شرائع وقوانين تسوسهم وتحكمهم.

معنى الجلال:

إن تجلي معنى الجلال في الآية في كونها تحذر الغافل الشارد من مغبة الاستخفاف بالله والظن بأن في هذه الدنيا حر طليق يفعل ما يشاء كيفما شاء وقتما شاء، وكأن دلالة الجلال في الخطاب تقول:

أيحسب الإنسان الظالم أن يترك سدى دون أن يعاقب على ظلمه.
أيحسب الإنسان المعتد بقوته وسلطانه أن يترك سدى دون أن يزول عنه سلطانه.
أيحسب الإنسان المعتد بماله وولد أن يترك سدى دون أن يسلب منه كل ذلك.
أيحسب الإنسان المجاهر المبارز لله بأنواع المعاصي أن يترك سدى دون أن يحاسب عن كل صغير وكبير مسطر
إن الجلال الذي اختص به المولى عز وجل يوجب له سبحانه الإحاطة بالخلق وأفعالهم متى حادت عن صراط الله المستقيم، فلا يتركهم سدى يفعلهم بهم الشيطان وجنوده فعلهم، وإنما يحيطهم بزواجر الجلال فيطلع على عظيم وحقير فعلهم ويحصيه عنده ليجزي كل نفس ما كسبت، قال تعالى: “وكل شيء أحصيناه في إمام مبين”

معنى الجمال:

ويدور هذا المعنى حول دلالة اسم الله الجبار الذي يجبر بعد الكسر ويعطي بعد المنع ويرفع بعد الخفض وكأن دلالة الجمال في الآية الكريمة تقول:
أيحسب الإنسان المظلوم أن يترك سدى دون أن ننصره.
أيحسب الإنسان المحروم أن يترك سدى دون أن نعطيه ونتفضل عليه.
أيحسب الإنسان المحزون المكروب أن يترك سدى دون أن نفيض على من ألوان المباهج والمسرات.
أيحسب الإنسان المسرف على نفسه بالذنوب التائب العائد إلى رحاب الله أن يترك سدى دون أن نتوب ونعفو عنه.

فيتظافر معنى الجلال ومعنى الجمال في الآية ليؤكد لنا أن الله حين خلق هذا الإنسان كرمه وعظمه ورفع مقامه فوق سائر المخلوقات، ومن أوجه تكريمه أنه لم يترك سدى؛ جلال بزواجر التأديب وجمال بملاطفات التحبب والتقريب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.