منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أحوال المخاطبين

المقالة الخامسة من مقامات الخطاب المنبري ''أحوال المخاطبين''

0
اشترك في النشرة البريدية

كما يختلف زمان الخطاب ومكانه، وتختلف أحوال الخطيب فإن المخاطبين أيضا ليسوا على حال واحدة، وسنصنف أحوال المخاطبين إلى ثلاثة أنواع هي: الأحوال النفسية والأحوال العلمية والأحوال الاجتماعية، وبناء على حال المخاطب من حيث نفسيته ومستواه العلمي والاجتماعي يتحدد كيفية تأويله للخطاب، ويختلف غرضه وموقفه منه، ويحسن بنا أن نوضح هاتين المسألتين قبل تفصيل أحوال المخاطبين:

الأولى: تأويل الخطاب:

لا يوجد شخص يتلقى خطابا دون أن يحاول تأويله ليتسنى له استيعابه، وليس من السهل أن يتوافق مقصود الخطيب ومقصود المخاطبين من الخطاب، والتأويل عموما إما أن يكون إيجابيا أو سلبيا أو عاديا، فالتأويل الايجابي هو الذي يحمل المتلقي على فهم عبارات الخطاب وإشاراته، وتوسيعها بحيث يستفيد فوائد لم يفكر فيها الخطيب نفسه، وهذا ما يشير إليه الحديث الشريف: “فرب مبلغ أوعى من سامع”، والتأويل السلبي هو الذي يصرف الخطاب إلى أسوإ مقاصده، بحيث يحمل الخطيب مواقف لازمة عن خطابه لكنها لم تخطر ببال الخطيب ولم يكن يقصد إليها، والتأويل العادي هو الذي يكتفي بما شرحه الخطيب ويفهم في حدود عبارة الخطيب دون اللجوء إلى قراءة ما وراء العبارة.

ولنضرب لهذا مثلا، خطيب يقول: “إن قضية اللغة العربية في بلادنا ليست مسألة ثقافية وحسب بل هي مسألة دينية” فصاحب التأويل الايجابي سيفهم من هذه العبارة أهمية اللغة العربية باعتبارها مفتاح الثقافة الإسلامية، وفهم الدين من مصادره الأصلية متوقف على فهم اللغة العربية، وصاحب التأويل السلبي سيفهم أن الخطيب يكفر من يدعو إلى التدريس بغير اللغة العربية، وصاحب التأويل العادي سيفهم أن أهمية اللغة العربية كبيرة لأنها تستند إلى دعامتين الدعامة الثقافية والدعامة الدينية.

الثانية: انتظارات المخاطب من الخطاب:

المزيد من المشاركات
1 من 13

قلما يحضر الشخص خطابا دون أن تكون له انتظارات معينة، ولا سيما إذا كان وقت الخطاب وعنوانه وصاحبه معروفا لديه، وهذه إحدى السمات الإنسانية التي قررها القرآن الكريم في قول الله تعالى: “وكان الإنسان عجولا”[1]. وأحدنا يذكر أنه حين يقرأ رواية يحد نفسه بين الفينة والأخرى يقرأ الصفحة الأخيرة ليعرف نهاية الحدث، وهكذا تختلف أغراض الناس حسب أحوالهم، فالمذنب ينتظر حديثا عن رحمة الله الواسعة، والمقبل على العبادة ينتظر خبرا عن بعض الفضائل التي يستعد للقيام بها، والمتحرج ينتظر ترخصا في أمره، والمظلوم ينتظر حديثا عن عاقبة الظالمين. فما هي أحوال المخاطبين التي تؤثر في تحديد غرضهم من الخطاب، وفي طريقة تأويلهم كلام الخطيب؟

  • الأحوال النفسية للمخاطبين:

يعيش الإنسان أحوالا متقلبة حسب عوامل الغنى والفقر والأفراح والأتراح وأنماط التربية، ويمكننا حصر أحوال المخاطبين هنا في ثلاثة أحوال رئيسية، يتميز كل إنسان بإحدى تلك الأحوال أو الخصائص دون أن يفقد الصلة كلية بباقي الخصائص، والأحوال الثلاثة هي: العاطفة والعقل والسلوك، فالإنسان بطبيعة الحال لا يخلوا من عاطفة وعقل وسلوك، لكن إحدى هذه الثلاثة تغلب عليه حتى يقال فلان عاطفي جدا، أو هو منطقي مع الأشياء، أو يقال فلان عملي.

وتختلف طريقة تأويلهم للخطاب تبعا لانتظاراتهم التي تختلف تبعا للحالة الغالبة عليهم، فالعاطفي ينتظر خطابا راقيا يتضمن أساليب المجاز والتشبيهات المختلفة، ويتفاعل مع نبرة الخطيب تفاعلا كبيرا، إلى درجة البكاء أو الضحك، وبغض النظر عن صحة المضمون الذي تناوله الخطيب فإن المتلقي العاطفي سينصرف متأثرا بالخطاب إذا كان يميل إلى التشبيه والتخييل، تأثرا إيجابيا أو سلبيا، بينما يظل المتلقي العقلاني يبحث عن المعنى الدقيق في الخطاب، ولا يستوعب سبب تفاعل الناس مع الخطاب دون أن يحمل معنى واضحا يقبله المنطق، لكنه سينخرط في التفاعل مع خطاب يركز على المعاني المجردة يسردها سردا، ويبقى غرض المتلقي العملي مرتبطا بما يحمله الخطاب من توجيهات عملية قابلة للتطبيق فورا.

وعلى سبيل المثال نجد الناس مختلفون في التأثر بالمشايخ والخطباء بناء على هذه الخصوصيات، فالعاطفيون يتأثرون بمن يملك مظهرا متناسقا ويتحرك بحركات دالة، بينما نجد آخرين ينفرون من الشيخ نفسه لذات السبب، لذا يجدر بالخطيب أن يكون متوازن النفس والمزاج إذا أقبل على الخطاب، فلا يميل إلى دغدغة العواطف دون معنى مقصود، ولا يحشر معاني مجردة بعيدا عن واقع المخاطبين.

  • الأحوال الثقافية للمخاطبين:

تختلف نظرة الناس للخطاب باختلاف مستوياتهم وارتباطاتهم الاجتماعية، ويمكن أن نقرب واقع المخاطبين من حيث الثقافة من خلال تقسيمهم إلى ثلاثة مستويات هي: العامة والمثقفون والمتخصصون:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2
  • العامة:

نقصد بالعامة كل من لا يرتبط بالشأن الثقافي بغض النظر عن الشهادة المدرسية التي يحملها، وهنا نتحدث عن كثير من المهنيين والحرفيين والتجار الذين لا يملكون رأيا ثقافيا فيما يروج من إشكالات الثقافة، فلو سألت أحدهم مثلا عن القضايا التالية لن تجد عنده رأيا فيها إلا انطباعات أولية:

-قضية التراث والتجديد.

-قضية العلاقة بين الدين والمجتمع.

-الخيارات الاشتراكية والرأسمالية في الاقتصاد والسياسة.

فالمثقف قد يحمل شهادة أدنى من التي يحملها العامي، لكنه يختلف عنه بالاهتمام بالشأن الثقافي،  ولذلك ستكون نظرة العامي إلى أي موضوع يطرحه الخطيب أكثر سذاجة، فاتفاقه واختلافه مع الخطيب يتوقف على مستوى تقريب الخطاب بلغة واضحة، فالخطيب يمكن أن يثير غضب العوام أو مللهم حين يتعرض لأسلوب لا يلامس المعرفة الشفوية الساذجة المتداولة بين الناس، ويمكننا القول: إن الخطباء المتخصصين في العلوم الشرعية هم أكثر عرضة للاختلاف مع العوام، إذا لم يحافظوا على الإيقاع المناسب للعامة، كما أن خطاب الجمعة في الحالات العادية ينبغي أن يتوجه للعوام، ما لم يتميز الحي بوضع خاص، مثل الحي الجامعي.

  • المثقفون:

المثقف تقريبا هو: من يعرف شيئا في كل شيء، أي : الشخص الذي يمكن أن يشارك في جل الموضوعات المطروحة ويملك وجهة نظر خاصة، دون أن يصل إلى درجة المختص الذي ينجز أبحاثا دقيقة في تخصص معين، والمثقفون في بلادنا جلهم يتميز بنوع من الكبرياء المعرفي، وهم في حالة جدل مستمر، وبالتالي فخطاب الجمعة يصعب أن يحضره المثقفون دون أن يتناولوه بالنقد، ودون أن يختلفوا في تقييم مستوى الخطيب والخطاب، كما أنهم سرعان ما يحكمون على توجه الخطيب من خلال بعض الأفكار الواردة في خطابه، وأبرز فئات المثقفين هم الإعلاميون، فهم من ناحية يقتحمون جميع الموضوعات، ومن ناحية أخرى يبحثون عن الإثارة التي يلفتون بها نظر القراء والرأي العام، وزادت خطورة هذه الفئة بعد الانفتاح الإعلامي الذي يمكن معه لكل شاب أن يفتح قناة خاصة به ينشر فيها الغث والسمين وكل ما يضمن له مشاهدات إضافية، سعيا وراء عروض الإعلانات التي تضعها الشركات النشيطة على الشبكة العنكبوتية.

        ج- المتخصصون:

تتميز نظرة المختص للخطاب بالدقة العلمية، ولا سيما حين نتحدث عن الباحثين المتخصصين في الدراسات الإسلامية، وبالتالي فتأويله للخطاب ينبني على مستوى استعمال الخطيب المصطلحات العلمية، وابتعاده عن الخطاب الفضفاض، وقد ينسحب المختص من الاهتمام بالخطاب حين يدرك أن الخطيب يسيء إلى تخصصه، وعلى سبيل المثال إذا افتتح الخطيب خطابه بحديث ضعيف ولم يعلق على درجة الحديث فإن المتخص في علم الحديث سيزهد فيما يمكن أن يحمله الخطاب لاحقا من مضمون جيد، وسيبقى محتفظا في ذاكرته بصورة سيئة عن الخطيب كونه يستدل بالحديث الضعيف.

إن الغرض من تعرف أحوال المخاطبين ليس موافقتهم في كل شيء، ولكن لكي يرتب الخطيب أهداف خطابه حسب المطلوب الغالب على المخاطبين، ولكي يتجنب ما يمكن تجنبه من الاصطدام الذي لا توجد ضرورة تدعو إليه.

  • الأحوال الاجتماعية للمخاطبين:

يقال: إن الإنسان نفعي بطبعه، أي أنه يزن قيمة الأشياء بقدر قربها وبعدها من دائرة مصالحه، ولا يكتفي بالحكم المجرد على الأشياء إلا فئة قليلة من الناس الذين صفت سرائرهم ونضجت عقولهم، ومن الأمور المؤثرة في تقييم الناس للخطاب مواقعهم الاجتماعية وارتباطاتهم المهنية، فلو فرضنا أن ثلاثة أشخاص حضروا خطاب الجمعة، أحدهم حرفي لا يرتبط بجهة إدارية وسياسية، والثاني مراقب المساجد والثالث مرشح للانتخابات، وتناول الخطيب موضوع الرشوة بأسلوب حماسي جدا، فإن أول من يعجب بالخطيب وموضوعه بدون حذر هو الحرفي، بينما سيتحفظ مراقب المساجد على الأسلوب الحماسي كونه قد يثير بعض الجهات الإدارية، وسيبقى موقف المرشح رهينا بمدى نزاهة حملته الانتخابية، فإن كان ممن يشترون ذمم الناس فإنه سيعتبر الخطاب خطيرا على مصالحه، وسيسعى للوشاية به عند الإدارة وعند جماعة المسجد بدعوى أن الخطاب سياسي يلمز بعض الأطراف السياسية التي يشاع عنها أنها تتعامل بالرشوة، ويزكي بعض المرشحين الذين يملكون سجلا نظيفا.

وفي نهاية هذا المحور يبقى التساؤل المشروع الذي يمكن أن يطرحه الخطيب: كيف يمكننا تجنب الاصطدام مع مختلف النفسيات والمستويات العلمية والاجتماعية للمخاطبين، وهل هناك خطاب يمكن أن يتجنب هذا الاصطدام؟ أليس مطلوبا من الخطيب أن يبلغ كلمة الحق مجردة عن جميع الاعتبارات ما عدا الاعتبارات الشرعية التي هي: الصواب والإخلاص؟

والجواب عن هذا التساؤل الوجيه هو: أن ما ذكرناه لا يخرج عن مقتضى الصواب والإخلاص، فمن حيث الإخلاص فإن الخطيب المخلص لا يسعى للنكاية بأحد من الناس، ولا يهمه أن يستعرض مستواه أمامهم، ولو رجعنا إلى موضوع الرشوة مثلا أمكننا أن نقول: إن الإخلاص يقتضي ألا يستحضر الخطيب في ذهنه إلا خطورة الرشوة على المخاطبين، ولا يكون موجَّها بمثال معين في ذهنه يعرض به أمام الناس، فالخطيب قبل أن يكون بارعا في التورية والإشارات الخفية ينبغي أن يفصل حظ نفسه عن المقصود الشرعي من الخطبة، وهذا سيجنبه كثيرا من المضايق التي تسيء إلى خطابه، أما من حيث الصواب: فالخطيب ينبغي أن يكون بصيرا بسنن التدرج، فلو فرضنا أن من بين جماعة المسجد شخصا معروفا بانحراف معين فليس من الحكمة أن نفرض على الناس موضوعا لا يصلح إلا للتسلية والتشفي في حال الشخص المقصود بالخطاب، ولكن يمكنه أن يختلي بالشخص المعني بالأمر ويفكر في طريقة الدخول إلى قلبه، وتحمل جفائه مع مراعاة أدب النصيحة من اختيار العبارة وترجيح جانب التبشير وغير ذلك. ولكي يقترب الخطيب من الكمال في الإلقاء ينبغي أن يأخذ نفسه بالأمور التالية:

-الفرار إلى الله والبراءة من الحول والقوة وطلب توفيقه وتسديده، والمحافظة على ورد من الذكر وقراءة القرآن والدعاء.

-متابعة الأخبار الرائجة واتجاهات الرأي العام المحلي والوطني والدولي.

-احترام عقول الناس بطرح معلومات مفيدة وموثقة بعيدا عن الأحاديث الموضوعة، والأخبار السوقية وما لاينبني تحته عمل.

-لزوم الاعتدال في الطرح ومراعاة الأحوال الغالبة على الناس، وتجنب التأثر بالأحوال الشخصية كالغضب واليأس ومعانقة فكرة جديدة، والاهتمامات الخاصة كمشاريع البحث الجامعية، والقضايا الخلافية التي تثار بين الزملاء.

[1]  سورة الإسراء 11.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.