منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أحوال الخطيب

اشترك في النشرة البريدية

أولا- أحوال موضوعية:

يمكننا الحديث عن ثلاثة أحوال موضوعية تميز شخصية الخطيب هي: الورع، والخوف من تبعات الرأي، وانقباض الشخصية:

1-الورع

الورع فضيلة في المفتي والقاضي وكل من يزاول خطة دينية، والعلماء الراسخون في العلم لا يوصون تلامذتهم بخصلة أكثر ما يوصونهم بالورع. والارتزاق بالدين، وبيع الفتاوى للعوام، وتفصيلها على مقاس الأهواء أمر واقع في التاريخ، ولم يزل الحكام والتجار وأرباب النفوذ يقربون العلماء ويكرمونهم رغبة في استصدار الفتاوى المناسبة لمصالحهم وأغراضهم. لذا فالفقيه يضع نصب عينه ألا يكون فيما يفتي به نصيب للهوى، والناس ميالون للرخص، فيحمل على ظهره أوزار الناس. غير أن أن الخطيب وهو يضع نصب عينيه موقفه بين يدي الله تعال، عليه أن يستحضر أن الله سائله عما استرعاه من أحوال المكلفين، فإن لجأ إلى أسهل الحلول  في خاصة نفسه ومصيره الفردي، وترك الناس للعنت فقد فرط فيما كلف به، كما أن الله تعالى لن يسأله عن الصواب والخطأ، بل هو مأجور في الحالين ما دام قد استفرغ وسعه، والحكمة  أن يرخص الخطيب عن تقى وعفة، دون طمع في مقابل دنيوي، وهو مقتضى مقولة سفيان الثوري: “إنما الفقه رخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد”.

2-الخوف

المزيد من المشاركات
1 من 2

والخطيب اليوم يخاف من جهتين: الأنظمة السياسية، وجماهير الأتباع:

أ- الخوف من الأنظمة السياسية

فالأنظمة السياسية في البلدان العربية لا ترغب فيمن يقول برأي يخالف ما درج عليه الواقع الرسمي، والخطيب حين لا يملك الشجاعة الكافية للخوض في تفاصيل الموضوع، يجمله ويبقيه على المقتضيات العامة للنصوص، أو يعلل الحكم بالخوف من الفتنة. قال الدكتور أكرم ضياء العمري في أهمية مراعاة الموقف السياسي للمؤلفين: “معرفة دافع المؤلف إلى تأليف كتابه، وهل قصد به خدمة حاكم ما، أو جماعة أو مذهب ديني أو سياسي، فإن دافع المؤلف للتأليف يؤثر على كتابتها ووجهتها، وكذلك معرفة الحرية التي أتيحت له، في ظروف الكتابة، وهل خشي من التصريح ببعض الحقائق، فاكتفى بالتلميح أو سكت عنها، دون تصريح ولا تلميح”[1]

ب-الخوف من جماهير الأتباع

وليس الخوف من جماهير الأتباع بأقل خطرا على سمعة الخطيب وعرضه وحياته بأقل من خوفه من الحكام، فالدهماء مجبولون على الآراء التي سبقت إلى عقولهم، واستيقنتها أنفسهم، ولا يملكون من الملكة الفقهية، والورع التربوي ما يحملهم على مراعاة حرمة العالم حين يخالف ما درجوا عليه، ويزيد هذا الأمر خطرا ما يقوم به بعض المشايخ من تحريض الأتباع على المخالف حتى لا يقبل منه صرف ولا عدل، سوى التراجع عن الرأي أو يلوذ بالصمت ويتقي الفتنة التي لا رأس لها ولا ذنب.

3-المزاج الشخصي

ليس كل ما يصدر عن الفقيه راجعا لما تحصل لديه من نتائج النظر في الأدلة الشرعية، بل إن شخصية الفقيه يصعب أن تغيب عن آرائه الفقهية، وحيث إن الناس فيهم المنبسط بطبعه، ذا فكاهة ودعابة وميل إلى الفسحة، وفيهم العصبي الشديد الذي لا يتهاون في شؤون حياته، قليل الابتسامة سريع الغضب، شديد على المخالفين له في الرأي، فإن الخطيب لا يتجرد من طبعه وإنسانيته كلية عند تقليب النظر في الأحكام الفقهية، ويدخل في عنصر الشخصية الأساليب التربوية التي نشأ عليها الفقيه، والظروف النفسية والاجتماعية التي يعيشها في حياته الخاصة “ومما يتعلق بذلك أيضا معرفة سلامة عقل المؤلف وحواسه المؤثرة في صحة التحمل والأداء معا”[2]، كما يعد من خصائص الشخصية ما يتعلق بفترة الشباب فكثير من العلماء في فترة شبابه تكون له آراء متشددة لا تستوعب إكراهات المكلف، فتجد للعالم رأيا في فترة الشباب ورأيا آخر بعد تقدم العمر وقد صرح الشوكاني رحمه الله بهذا في معرض حديثه عن ابن عربي الحاتمي قال: “وقد أوضحت في تلك الرسالة (رسالة في الرد على غلاة المتصوفة سماها:الصوارم الحداد القاطعة لعلائق مقالات أرباب الإتحاد) حال كل واحد من هؤلاء، وأوردت نصوص كتبهم وبينت أقوال العلماء في شأنهم، وكان تحرير هذا الجواب في عنفوان الشباب، وأنا الآن أتوقف في حال هؤلاء، وأتبرأ من كل ما كان من أقوالهم وأفعالهم، مخالفا لهذه الشريعة البيضاء الواضحة التي ليلها كنهارها، ولم يتعبدني الله  بتكفير من صار في ظاهر أمره من أهل الإسلام[3]. وهذا يشبه ما قيل عن ابن حزم في سلاطة لسانه، وشدته على مخالفيه حتى قال الذهبي بعد الإفاضة في الثناء عليه: “رأس في علوم الإسلام، متبحر في النقل، عزيز النظير على يبس فيه”[4]. وقالوا: “إنه لا يلازم الأخذ من الشيوخ ولم يتأدب بآدابهم، حتى قيل في لسانه: كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين”[5]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

        ثانيا- أحوال ذاتية:

وهناك أسباب ذاتية، تتعلق بما كسبت يد الخطيب، وهي في مجملها منقصة في حقه، ولا ينبغي أن يتسم بها، وأراها في سببين: الأول: الالتزام الطائفي والمذهبي، و الثاني: فقدان الرؤية الواضحة، وتصور النازلة:

  • الالتزام الطائفي والمذهبي

كثيرا ما يعمي الانتماء الطائفي والمذهبي الفقيه عن رؤية الواقع كما هو، بل يحمله ذلك الانتماء على تعمد مخالفة خصومه حتى لو كانت آراؤهم سليمة الاستدلال، والخطيب يحكمه الدليل، والفعل الإيجابي لا رد الفعل، والمذاهب الفقهية قديما وإن كان أعلامها يلتزمون أصول المذهب إلا أن تلك الأصول نفسها تتيح للفقيه أن يأخذ برأي المذهب المخالف عندما يكون وجيها، ويكفي أن نستحضر أصلين عند المالكية يدلان على اعتبار آراء المذاهب الأخرى هما: مبدأ الخروج من الخلاف، وأصل مراعاة الخلاف وهناك خاصيتان تميزان الانتماء في العصر الحاضر لم تكونا لدى الفقهاء قديما: هما الانتماء السياسي للفقهاء، والانتماء الجغرافي للدولة الوطنية:

أ-الانتماء السياسي

ذلك أن الانتماء السياسي يفرض على صاحبه التعاقد مع الجمهور عبر مشروع مكتوب يكون وسيلة للتنافس على مقاعد البرلمان والبلديات، فكل ما يتعلق بالمشاركة السياسة من الفقه يتأثر بموقف الفقيه من الواقع السياسي ببلده، وليس عيبا أن يدافع الفقيه عن خيار سياسي معين ظهر له صوابه، ولكن العيب هو أن يدور مع الحزب حيث دار.

    ب-الانتماء الجغرافي

الانتماء الجغرافي يعبر عن واقع خاص بصاحبه، وعرف خاص، وظروف خاصة، ومع هذا الانفتاح الإعلامي فإن كثيرا من الفقهاء يصدر فتاويه بناء على ما تقرر عنده داخل حدود دولته، وعلى قدر المتاح من الإمكانيات، والظروف الاقتصادية والسياسية، فيخرج الفتوى على شاشات التلفاز وعلى مواقع الشبكة العنكبوتية، مخرج الغالب،  وتشدده راجع لعدم شعوره بالحرج والضيق الذي يعيشه المكلفون في بيئة أخرى غير بيئته، ويمكن أن نمثل لذلك بأمثلة منها:

*تشدد بعض العلماء في تعامل الناس مع الأبناك الربوية، راجع في غالب الحال للرخاء الاقتصادي الذي يعيشه الفقيه في بيئته تلك، ومهما حاول المستفتون أن يشرحوا الوضع في البلدان الأخرى فما راء كمن سمع.

                 2-  غياب الرؤية

يستهين بعض الفقهاء بمجريات الواقع، والاتجاهات العاملة فيه، ويزهدون ويزهِّدون أتباعهم عن متابعة أحداث الواقع، وهذا يفقد الفقيه الامساك بحبال الواقع، والقدرة على فهم سياقات النوازل، وكثيرا ما غرر بعض الأتباع ببعض الفقهاء وزين له أمورا غير صحيحة، ليستصدر منه فتوى يرمي بها في وجه المخالفين. ولا شك أن هذه منقصة في حق العالم الذي يفرض منصبه العلمي أن يكون أعرف الناس وأوعاهم بالواقع الذي تنزل إليه أحكامه، ونتوقف عند هذا النموذج:

       فتوى السلام مع اليهود:

أصدر هذه الفتوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله[6] مفتي السعودية، وجاءت جوابا عن سؤال حول إمكانية عقد اتفاق صلح مع كيان اليهود في فلسطين، يقول رحمه الله: “تجوز الهدنة مطلقة ومؤقتة إذا رأى ولي الأمر مصلحة في ذلك، لقول الله سبحانه: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) الأنفال/61. ولإن النبي صلى الله عليه وسلم فعلهما جميعا، كما صالح أهل مكة على ترك القتال عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، وصالح كثيرا من قبائل العرب صلحا مطلقا، فلما فتح الله عليه مكة نبذ إليهم عهودهم، وأجل من لا عهد له أربعة أشهر،  كما في قول الله سبحانه (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) التوبة/1-2. وبعث صلى الله عليه وسلم المنادين بذلك عام تسع من الهجرة، بعد الفتح مع الصديق لما حج رضي الله عنه، ولأن الحاجة والمصلحة الإسلامية قد تدعو إلى الهدنة المطلقة، ثم قطعها عند زوال الحاجة، وقد بسط العلامة ابن القيم رحمه الله ذلك في كتابه: (أحكام أهل الذمة) واختار ذلك شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم”[7]. وفي تعليقات له رحمه الله حول ردود الأفعال حول هذه الفتوى لم يتجاوز التأصيل النظري للعلاقة المطلقة مع اليهود، فتركز جواب الشيخ رحمه الله على ما علمه من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يحسم في القضية بل وكل إلى منظمة التحرير والرئيس الفلسطيني[8]، النظر في مصلحة ذلك الصلح، لكنه رفع الحرج عن العرب جميعا إذا شاءت مصلحة بلدانهم عقد اتفاق سلام مع إسرائيل[9] والناظر في هذه الفتوى يأخذ عليها غياب التأصيل الرصين، والتنزيل الحكيم في آن واحد، نجمل تلك المؤاخذات فيما يلي:

أ-من حيث التأصيل

  • قياس الصهاينة على يهود المدينة أو على مشركي قريش لا يستقيم، لأن هؤلاء ليسوا كفارا محاربين وحسب، بل يحتلون أرضا، ويمارسون بشاعات يندى لها الجبين.
  • النبي صلى الله عليه وسلم حاسب اليهود حسابا شديدا عندما بدا منهم ما يسيء إلى اتفاق سلام، فعاقب بني قينقاع عندما هتكوا عرض امرأة من الأنصار في السوق. وعاقب بني النضير عندما هموا بقتله غدرا، وعاقب بني قريظة عندماتمالئوا مع الأحزاب ضد المسلمين. كما عاقب كفار قريش عندما نقضوا العهد وأوقعوا بأحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة. فالهدنة مع أولئك كانت لضمان عزة المسلمين، وتشتيت جبهة الأعداء،وتوفير الجو للمسلمين لنشر الدعوة في البلاد التي دخل أهلها في الهدنة مع المسلمين.

ب-من حيث التنزيل

  • العرب الذين –يحق لنا الشك أنهم ورطوا الشيخ في هذه الفتوى- عقدوا علاقات عميقة مع إسرائيل، وهم يبحثون عن أي حجة ترفع عنهم الحرج وتمهد الرأي العام في البلدان الإسلامية لقبول إسرائيل، ليرتموا في أحضانها تاركين لها تسيير شؤون المسلمين. ولعل ما أفصح عنه بعض العرب هذا العام فيما يتصل بمشروع “صفقة القرن” التي هي صفعة قوية لأمة الإسلام دليل على أن تلك الفتوى آتت أكلها لدى كثير من التوجهات الإسلامية، وبعض الأنظمة العربية مقتنعة بأن الوقت مناسب ليزيلوا عقدة إسرائيل لدى الشعوب.
  • منظمة التحرير الفلسطينية والرئيس الفلسطيني لا يمثلان سوى حركة فتح، ذات التوجه اليساري، فلا يستقيم تسمية الرئيس الفلسطيني ولي الأمر لأنه لا ينطلق في حكمه من منطلقات شرعية، بل يعتبرها رجعية متخلفة لا حاجة لها، ومن جهة أخرى فالقوى الإسلامية المقاومة للعدو الصهيوني، وبعض القوى الوطنية الأخرى غير ممثلة في منظمة التحرير، فأي مصلحة يمكن أن تقررها منظمة التحرير، لقد أعطت الفتوى الحجة لمنظمة التحرير لبيع الحقوق الفلسطينية، مقابل الرفاه الذي تغدقه إسرائيل على عملائها وأهاليهم. داخل فلسطين وخارجه.
  • إن الفتوى جاءت متساوقة تماما مع سياسات الاحتلال، التي تستفز الفلسطينيين ليبحثوا لهم عن وطن بديل غير فلسطين. ولعل الشيخ لم يعلم بمخططات التوطين، والوطن البديل وغير ذلك.

[1] دراسات تاريخية أكرم ضياء العمري ص 25.

[2]دراسات تاريخية أكرم ضياء العمري ص 25.

[3] البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع. محمد بن علي الشوكاني 2/37.

[4] سير أعلام النبلاء للذهبي 18/148.

[5] تكوين الملكة الفقهية محمد شبير ص99.

[6]  توجد فتوى الشيخ ربيع بن هادي المدخلي في الصلح مع اليهود، تراجع في موقع الشيخ:  www.rabee.net  تاريخ الزيارة: 25-1-2020.

[7]  حكم الصلح مع اليهود في ضوء الشريعة الإسلامية، عبد العزيز بن باز منشورات رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء الطبعة الأولى 1996م، ص: 3-4.

[8]  في تسجيل صوتي للشيخ موجود على اليويتيوب يكل أمر الصلح لحركة فتح صراحة.

[9]رد على هذه الفتوى الشيخ يوسف القرضاوي، وبين تهافتها وبعدها عن مجريات الأمور في واقع فلسطين، مع احترام وتقدير للشيخ ابن باز، ثم عقب ابن باز على رد القرضاوي وأكد على وجهة نظره من حيث النظر، ولم ينتبه إلى أن ما يراه حقا بالنظر لأدلته سوف يستخدم لتصفية القضية رأسا، ويعطي الذريعة للخونة للهرولة نحو إسرائيل. ينظر تعقيب الشيخ على القرضاوي في موقع: الرئاسة العامة للبحوث والإفتاء. وانظر فتواه حول الصلح مع اليهود في موقع الشيخ: binbaz.org

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.