منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إشكالية تدريس الشعر في التعليم المدرسي

0
اشترك في النشرة البريدية

 ظل الشعر العربي قرونا ليست بالقصيرة يتبوأ مكانة مرموقة في وجدان العرب خصوصا، والمسلمين عموما، فقد قال عمر رضي الله عنه” علموا أبناءكم الشعر فإنه ديوان العرب”.  ولأنه كذلك فإن علماء اللغة قديمهم وحديثهم اعتمدوا في جمع قاموسهم اللغوي على الشعر أساسا، كلسان العرب، والصحاح وتاج العروس…الخ.

ولأن الأمر كذلك فإن العناية بالشعر في المقررات المدرسية، كما ونوعية، ومنهجية تدريس، تعد مسألة ضرورية ومفيدة، لأننا نتعامل مع جوهر الأدب، وجنس لا كالأجناس. غير أن واقع الكتب المدرسية في ما يخص تدريس الشعر العربي تعتريه إشكالات معرفية ومنهجية كثيرة نحاول تسليط الضوء عليها من خلال مقالنا هذا.

الاشكالية الأولى: الارتباط بالمجال المعرفي.

تبدأ هذه الإشكالية منذ المرحلة الإعدادية التي اختار لها معدو المقرر الدراسي بناءها على أساس مجالات معرفية تنتظم ضمن وحدة معرفية كبرى، وهذه الوحدات هي ( المجال الديني والوطني والإنساني، و المجال السكاني والاقتصادي والفني) أما من حيث الأجناس الأدبية، فالكتاب لا يوظف إلا جنسيين أدبيين هما المقالة والشعر.

المزيد من المشاركات
1 من 52

يطرح هذا الاختيار مشاكل كثيرة، الأولى متعلقة بضرورة اختيار نص شعري ضمن المجالات المعرفية السابقة، وهو أمر قد يجد فيه المؤلف عنتا، فيختار نصوصا تغيب عنها الجدة الأدبية والطبيعة الإبداعية. ترتبط المشكلة الثانية بالأولى، إذ حِرص المؤلف على إدراج نصوص ضمن مجالات معينة أدى الى  ضعف القصائد المختارة خاصة من الناحية الشكلية. أما المشكلة الثالثة فهي  أيضا مرتبطة بالأولى، ذلك أن التقسيم المختار يفرض على المؤلف إدراج نصيين شعريين فقط في كل وحدة، هذا الإجراء يجعل من عدد القصائد المدرجة في الكتاب خلال السنة الدراسية ضئيلا ولا يفي بالمطلوب، أضف الى ذلك أن الحيز المكاني المخصص للشعر يجعله مقصيا أو مهملا، ذلك أن النصوص الشعرية لا تدرج إلا في آخر كل وحدة.

بناء على هذه المعطيات فإننا نرى أن إعداد المقرر الدراسي يجب أن يعد وفق المعرفة الخاصة بكل جنس أدبي، وتجاوز طريقة المجالات التي أساءت للمعرفة الشعرية كثيرا.

الإشكالية الثانية: مغربة الشعر.

تظهرهذه الإشكالية كثيرا في المرحلة الإعدادية ، حيث حرص الكتاب على توظيف نصوص شعرية لمبدعين مغاربة. مبدئيا لا عيب في هذا الاختيار شريطة أن تكون النصوص الشعرية تتوفر على عناصر الجدة والجودة، لكن هذا الإجراء قد يشكل عسرا على المؤلف، باعتبارالإكراهات الكثيرة التي تحد من حريته في اختيار النصوص ( الاربتاط بالمجال والموضوع…) فإذا أضفنا إليها قيد الجغرافيا، فإن خيارات المؤلف محدودة جدا، وهذا ما يفسر ضعف بعض النصوص الشعرية المغربية الموظفة في المقررات المدرسية. لذلك نرى أن الإبداع لا يعترف بحدود جغرافية، فالمهم هو المعرفة الشعرية التي ينبغي تحصيلها في مرحلة معينة، وعليه فأي نص شعري يفي بالغرض ويحقق المطلوب، بغض النظر عن جنسيته وامتداده الجغرافي وجب توظيفه كمقرر دراسي. فالإبداع لا حدود له.

الإشكالية الثالثة: هيمنة الشعر الحر.

 تلازم هذه الإشكالية كثيرا التلاميذ العلميين، الذين درسوا مادة اللغة العربية وفق المنهجية المشار إليها في الإشكالية الأولى، حيث ينتقل التلميذ من المرحلة الإعدادية إلى المرحلة الثانوية التأهيلية وهو لا يعرف إلا جنسين أدبيين؛ هما المقالة والشعر، وفي نفس المسار صار الكتاب المدرسي في المرحلة الثانوية.

مشكلتنا في هذه المرحلة هو أن الكتاب يركز أساسا على الشعر الحر، باعتبار هذا النوع من الشعر يعبر عن مواضيع معاصرة، يعتبرها الكتاب مهمة كالتواصل والتسامح والتضامن وحقوق الإنسان والحداثة…الخ.

 هذا الإجراء يجعل التلميذ لا يعرف عن شعر كان ولازال ديوان العرب إلا النزر القليل، بالإضافة الى ذلك يحرص الكتاب على إدراج نصوص شعرية بسيطة من حيث ألفاظها ومعانيها، تفتقر إلى الإحساس، تفتقر إلى التصوير،الذي قال عنه ابن جني ” الشعر ضرب من التصوير”.

الاشكالية الرابعة: الهوة الكبيرة بين المرحلة الإعدادية والثانوية بخصوص المعرفة الشعرية:

نتحدث هنا عن المقرر الدراسي الخاص بالشعب الأدبية، الذي وإن كنا نعترف له منهجيا باستحضار المعرفة الأدبية  في عموميتها، فيدرج نصوصا سردية وحجاجية وحوارية،  وشعرا عموديا وحرا. فإن الإشكال الحقيقي الذي يعترض المتعلم هو صعوبة التواصل مع القصائد الشعرية التي تتميز بعمق التجربة، وقوة الإحساس وبراعة التصوير، سواء تعلق الأمربالشعر العمودي أو شعر التفعيلة، حيث الهوة كبيرة جدا بين المستوى الشعري الذي حصله التلاميذ في المرحلة الإعدادية، والمستوى الشعري المطالب تحصيله في المرحلة التأهيلية. وعلاج هذا الإشكال مرتبط بالمرحلة الإعدادية التي تركت ثغرات كثيرة في تكوين المتعلم، لذلك ينبغي مراجعة المقرر بمعايير تجيب عن هذه الإشكاليات، عبرإيلاء أهمية كبرى لمادة الشعر كما وكيفا، وإعادة مادة المحفوظات التي كان لها أثرإيجابي كبير في تكوين المتعلم وتحصيله المعرفة الخاصة بالشعر.

ختاما نقول أن مقالنا هذا هو محاولة نابعة من وحي التجربة، هدفها لملمة جراح علمي ومعرفي يقف عقبة أمام سيرورة العملية التعليمية التعلمية، ودعوة إلى مراجعة الكتابالمدرسي، مراجعة تستحضر مكامن الخلل في الكتب الحالية، عبر استحضار المعرفة الأدبية التي ينبغي للمتعلم اكتسابها في مرحلته الإعدادية والتأهيلية. 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.