منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رشفة من كأس الحياة (قصة قصيرة)

رشفة من كأس الحياة (قصة قصيرة)/ محمد بوعنونو

0

رشفة من كأس الحياة (قصة قصيرة)

بقلم: محمد بوعنونو

وضعت دفترها على مائدة خشبية صغيرة، ثم شرعت تلوّن أوراقها بألوان فاتحة، تعكس نظرتها التفاؤلية للحياة، وقد أضفى عليها قبس نور منبعث من شمعة ذاب معظمها جمالا وبهاء.

في تلك اللحظة دخلت عليها الأمّ، وبصوت تخنقه العبرات قالت: “لن تحتاجي إلى ذلك بعد يا بنيتي”. لم تعر الفتاة اهتماما كبيرا لما نطقت به الأمّ، واستمرت في تلوين مجسمات وأشكال مختلفة خطّتها أناملها بدون وعي منها، وقد أينعت في باطنها أغصان الحياة وأشرقت على محياها أنوار الشباب.

ثم مضت الأيام، وبينما هي تستعد ذات صباح للذهاب إلى المدرسة، أخبرتها أمها أنها لن تخرج إلى أي مكان، وأنها قريبا ستُزفّ إلى بعلها، فوالدها وافق على خطبتها، وتلا بنفسه سورة الفاتحة.

دهشت الفتاة ذات الأربع عشرة سنة مما سمعت، وأرسلت عَبراتها الحرّى، تتخذ على وجنتيها أخدودا ورديا، دون ما يتبع الدموع عادة من زفير وشهيق…

مضت الأيام مسرعة وكابوس الزواج غير المتوقع قد أضحى مهنّدا مسنونا يُفري أديم أحلامها، ويقطع آخر أسباب الوصل بينها وبين أحلامها اللامتناهية.

ثم جاء اليوم الموعود، وزُفّت الفتاة إلى بعل عمره ضعف عمرها ثلاث مرات، وصارت بين عشية وضحاها ربّة بيت تتكسّر على يديها الناعمتين كل شؤون البيت ومشاكله، وفي المساء تتعرض لوابل من السب والشتم والإيذاء اللفظي والمعنوي، فعوض أن يحتضنها ويشكرها، ويأخذ بيدها ويساعدها، قام بإذلالها وإهانتها وممارسة أشكال من الإذاية عليها.

فما ضاقت بذلك ذرعا وأرادت الطلاق علمت أن في بطنها جنينا، فكّرت مليّا، ثم انتظرت حتى تضع مولودها، وتضع معه آخر اللمسات على مغادرة بيت العبودية الذي كانت تفنى فيه قطرة قطرة.

ثم وقع الطلاق، وانطلقت معه ألسنة الناس بالكلام اللاذع، ذلك الكلام الخبيث الذي يحرق الفؤاد ويمزق الكبد، ويسبب آلاما وجروحا لا تندمل، خصوصا عندما يكون الطلاق مبكرا كالذي حصل مع هذه الأم الصغيرة.

لكن عوض أن تستسلم لإهانات الناس ونظراتهم السلبية اتجاهها، نفضت آثار الهزيمة، والتحقت مجددا بصفوف الدراسة وهي أم في ربيعها الخامس عشر.

التجربة المرة التي عاشتها لم تنقص من حدة ذكائها ولا من جمالها وبهائها، بل زادتها خبرة في الحياة وقوة في التحمل والصبر، ونظرات طفلها كانت تحفيزا لها، لإظهار مزيد من الاجتهاد، وبعد مدة تُوِّج هذا الكفاح بنيلها شهادة الإجازة، والالتحاق بصفوف التعليم.

عينت معلّمة في إحدى قرى المغرب الشرقي، ثم كثر خطابها وطالبو يدها، لكنها أقسمت أن تكرّس حياتها لإنقاذ فتيات قد يحصل لهن ما حصل لها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.