قراءة في غلاف المجموعة القصصية: تيغيلت-أنين الجنوب-
حفيظ الشتاوي
قراءة في غلاف المجموعة القصصية: تيغيلت-أنين الجنوب-
حفيظ الشتاوي
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أصدر الأديب الأريب الحبيب الأستاذ لحسن شعيب، بعد عمله الأول في أدب الرحلة الموسوم “في مناكبها – ما وراء بحر الروم”؛ مولوده الأدبي الجديد في فن القصص، وهو عبارة عن مجموعة قصصية اختار لها عنوان “تيغيلت – أنين الجنوب”، وقد ضمت المجموعة عشرين نصا قصصيا قصيرا، توزع في 192 صفحة، وصف فيها الكاتب بلغة سردية جميلة مزجت بين السخرية والعاطفة، في قالب أدبي بديع، صورا متعددة من الصراع الذي يعيشه إنسان الجنوب الشرقي.
واختار الكاتب لوحة للفنان التنغيري محمد الزياني لتكون صورة لغلاف مجموعته، حيث تعبر اللوحة عن التيمة الغالبة على القصص وهي الصراع والتدافع، وتعد عتبة بصرية بليغة تختزل الرؤية الفلسفية والأنثروبولوجية التي تنبض بها نصوص المجموعة القصصية العشرينية.
سأحاول في هذه الورقة المختزلة تسليط الضوء على غلاف المجموعة القصصية؛ لنستجلي دلالته العميقة، ونتلمس هذه الرؤية الفلسفية؛ من خلال عتبتين: العنوان واللوحة.
عتبة العنوان: (تيغيلت.. أنين الجنوب)
يتكون عنوان المجموعة القصصية من جزئين:
- العنوان الرئيس: (تيغيلت): الكلمة الأمازيغية التي تعني حسب الكاتب رياضة المصارعة على الطريقة الأمازيغية؛ اختيارها عنوانا رئيسا يمنح النص هوية جغرافية وثقافية واضحة من البداية، تربط القصص بالهوية الأمازيغية لأهل الجنوب، كما أنها تحيل على أنواع الصراع الذي يعيشه أبطال قصص المجموعة. وفي هذا الصدد يقول الكاتب في مقدمة مجموعته القصصية التي عنونها ب”قصةٌ هي الحياة”: تيغيلت الذي اخترته عنوانا للمجموعة معناها رياضة المصارعة بالطريقة الأمازيغية، والمصارعة رياضة نقوم بها بملء إرادتنا، لكن مصارعة الحياة في الجنوب مفروضة: في الجنوب يصارع الإنسان للبقاء، يصارع قسوة الطبيعة، وقسوة أخيه، يصارع لينال حقه من ثروة سرقها المركز، يصارع الدسائس والمؤامرات..”
- العنوان الفرعي: ضمن الكاتب للعنوان الرئيس عنوانا فرعيا مثيرا “أنين الجنوب”: وهو عنوان مفسر يضفي مسحة من الألم والشجن، ويحيل على هذا الصراع، ويشي بمعاناة ممتدة بصوت خافت ومستمر، فكلمة “أنين” تحول الجغرافيا (الجنوب) من مجرد مكان إلى “كائن حي” يتألم، ورغم ذلك يصارع ولا يستسلم، مما يوحي بأن القصص ستتناول قضايا من قبيل: مرارة التهميش، والفقر والمعاناة، وقسوة الطبيعة، ومصارعة الحياة.
يلاحظ أن العنوان الرئيس قد كُتب بخط أبيض واضح وكثيف، والعنوان الفرعي بخط صغير ورفيع، مما يدل على أن الصراع واضح وغالب أما الأنين فمخفي وصامت، واختيار اللون الأبيض للعنوان قد يرمز إلى الأمل أو النقاء وسط “الأنين”، وأما الكتلة اللونية الداكنة التي يتوسطها العنوان والظلال المحيطة به فترمز إلى محاولة البعض سحق النقي الطيب بسبب نقائه وطيبوبته. يقول الكاتب معبرا عن هذا المعنى: “في الجنوب كثير من المعاناة والألم، وكثير من المروءة والشهامة. وحين يذكر أهل الجنوب، تظهر القولة المأثورة والعبارة المشهورة (الله يعمرها دار). ومقصود هذا المنطوق عند البعض: أنت طيب وصبور دعنا نطحنك، يمكنك أن تتحمل أكثر”.
عتبة اللوحة: أنسنة الأرض:
المتأمل في الغلاف يجد أن مركزه البصري يظهر شجرة عارية من الأوراق، تشكل أغصانها العارية المتشابكة ملامح وجه إنسان ينظر نحو الأفق، هذا التداخل السريالي يعكس بعمق فلسفة الكاتب الذي يرى أن الإنسان في الجنوب الشرقي المغربي هو “ابن بيئته” بامتياز؛ فملامحه وتجاعيد وجهه هي امتداد لتضاريس الأرض وقسوتها.
تجسد هذه اللوحة شجرة جرداء وحيدة صامدة في صحراء قاحلة رغم شدة العواصف، في إشارة رمزية قوية إلى تشبث الإنسان بأرضه رغم الظروف الصعبة التي يعيشها، والطبيعة القاسية التي يسكنها وتسكنه، حيث تبدو اللوحة عند تأملها كوجه إنسان قطعت يده، وشعره في مهب الريح تدفعه بقوة في اتجاه واحد بلا رحمة، مما يوحي بأن الرياح ليست عابرة بل مستمرة تضغط على الأغصان بقوة لكنها صامدة لاتنكسر.
نلاحظ أيضا أن الأغصان التي تشكل الوجه ليست عشوائية؛ فالعينان تنظران بأسى نحو الأفق، والأنف والذقن يبرزان بوضوح، والشجرة(الوجه) تقف بشموخ وتحد، تواجه الرياح رغم قوتها، بوجه مكشوف ويد مقطوعة.
هذه “الأنسنة” للشجرة تشير إلى الارتباط العضوي بين الإنسان والأرض؛ فجفاف الأرض هو جفاف للروح، وصمود الشجرة هو صمود للإنسان. فالغلاف لا يقدم الجنوب كمكان جغرافي، بل كـ “كيان بشري”، مما يشي بأن الطبيعة والإنسان يتقاسمان نفس المعاناة والمصير، وأن الألم ليس بيئيا بل وجوديا.
هذا الأمر يوحي بأن قصص المجموعة ليست مجرد وصف لأحداث ووقائع، بل تتجاوزه ذلك إلى الغوص في سيكولوجية الإنسان الجنوبي الذي صار هو والأرض متماهيان؛ يقف هذا الإنسان شامخا في وجه الظروف القاسية ونوائب الدهر،كما تقف الشجرة شامخة رغم جفاف الأرض وقسوة الظروف، وقوة الرياح العاتية، ومما يزيد المشهد قسوة أن اليد التي يمكن أن يتق بها الإنسان هذه الظروف ويدافع بها عن نفسه قد قطعت.
كما نستشف من تجرد الشجرة من أوراقها إشارة إلى “الحقيقة العارية” أو “المكاشفة”. فمعظم القصص التي تقاسمها الكاتب تبتعد عن التجميل اللغوي والخيال الفني -رغم ما فيها من إبداع أدبي ولغة جزلة بليغة- لتواجه القارئ بواقع صلب وقاسٍ قسوة المناخ الذي تعيش فيه بقايا هذه الشجرة، إذ تحكي قصصا واقعية لا خيالية، يقول الكاتب: “هذه المجموعة تضم قصصا واقعية، سمعتُ بعضها من أصحابها، أو ممن عاشوا وقوعها..”
يزكي هذا الطرح الأرض المتشققة التي تظهر في النصف السفلي من اللوحة إذ تعاني من جفاف حاد، وهي رمز صريح لـلظروف القاسية التي يعيشها الإنسان في الجنوب، فالأرض ليست مجرد رمال، بل هي قطع متكسرة أشبه ب”فسيفساء حزينة”، هذا التكوين يوحي بتفتت الذات أو تفتت المجتمع القروي/الجنوبي أمام زحف الجفاف والتهميش.
والامتداد الشاسع للأرض المتصحرة القاحلة؛ يعطي شعورا بامتداد القسوة والألم والشعور بالعزلة وانتظار المجهول، كما أنه يرمز إلى رحلة الاغتراب والبحث عن الذات؛ الثاوية في ثنايا قصص المجموعة.
بالإضافة إلى الشق الذي يقسم الأرض إلى نصفين ويمتد إلى الأفق، والذي يبدو كأنه “جرح غائر” في جسد الأرض (الإنسان)، هذا الشق يجر عين القارئ إلى نقطة التلاشي في الأفق، مما يعطي شعورا بأن الأنين المذكور في العنوان ليس لحظيا، بل هو أنين ممتد زمنيا ومكانيا. وأن أهل الجنوب يصارعون لِلَأْم الجراح ومواجهة قسوة الطبيعة والحياة والناس، يقول الكاتب: “أرجو أن يكون ما خطه يراعي مرهما وبلسما لجراح كثيرة أثخنتنا وأرهقتنا، لكن البعض لا يرونها إطلاقا، لذلك تراهم يرقصون فوقها”.
أما بخصوص الألوان فنلاحظ انفصالا لونيا واضحا يحمل في نظري دلالة درامية:
فاللوحة تهيمن عليها الألوان الترابية (البني، البرتقالي المحروق، الأسود..)، وهي لون “التراب” و”العطش” و”القسوة” و”الكدح”. كما أنها استحضار للبيئة الطبيعية للجنوب الشرقي (الجبال، التربة، والقصبات).
والسماء في الخلفية أيضا تظهر بألوان قاتمة وسحب كثيفة فوق الشجرة مباشرة، مما يوحي بجو من الترقب أو العاصفة، وهو ما يعزز صورة “الأنين” وعدم الاستقرار الوجودي الذي يعاني منه إنسان الجنوب.
لكن كلما نظرنا نحو الأفق نجد أن السماء أصبحت صافية، والألوان زاهية (الأصفر والبرتقالي) وهي ألوان توحي بوقت الغروب، وهو وقت يحمل دلالات الوداع، والتأمل، أو نهاية مرحلة.
هذا التضاد يشير إلى أن أبطال القصص، رغم انغراسهم في “طين” الواقع المتشقق، وتلبد سمائهم بالغيوم السوداء؛ إلا أن أرواحهم تحلق في سماء من الأحلام والبحث عن الذات، ومحاولة الانعتاق من قسوة الطبيعة والظروف.
ختاما:
غلاف المجموعة القصصية”تيغيلت” غلاف “درامي بامتياز”، لا يبيع “الوهم” للقارئ، بل يضعه في الصورة العامة والتيمة الغالبة على القصص التي سيقرؤها ويعيش أحداثها بفكره، فالكتاب يَعِدُ القارئ من البداية برحلة شاقة وممتعة في آن واحد؛ رحلة تنبش في تجاعيد الأرض وتتلمس ثنايا وجوه أهل الجنوب، وتنكأ جروحهم النازفة، وتحاول نقل معاناتهم، وإسماع أنين أرواحهم، الغلاف يقول لنا: “في تفاصل هذه القصص، ستجدون معاناة إنسان الجنوب كملحمة صبر في مواجهة مناخ لا يرحم، وجغرافيا تفرض العزلة، وتهميش من المركز، وواقع اجتماعي يتطلب جهدا بدنيا مضنيا للبقاء. ستجدون الأرض تتكلم، والبشر متجذرون في أرضهم وهويتهم وثقافتهم كالأشجار، والجنوب يئن في عزلة ويطلق صرخته مدوية في الآفاق، متحديا الألم، وباحثا عن الأمل”.