التخطيط المستقبلي وأثره على الشهود الحضاري للأمة الإسلامية

توطئة:

لاستشراف المستقبل أهمية كبيرة لزرع روح الأمل في الأمة خصوصا بعد أن تسرب اليأس إليها، ثم إنه يعد من التطبيقات العملية لعدد من القيم الإسلامية، وهذا يتماشى مع قاعدة الاستخلاف في الأرض التي هي تقويم للماضي ورعاية للحاضر واستبصار للمستقبل، ثم إن عملية الاستشراف لا تهدف إلى إصلاح الماضي ولا إلى تقليص أخطاء الحاضر، فإذن التخطيط لا يسعى إلى إصلاح  الحاضر وإنما يستفيد من أخطائه، وكذلك نجاحاته. ومن خلالها يتم التركيز على نتائج المستقبل وإمكانية تحقيقها من أجل غد أفضل، وهذا ما تؤكده الآية الكريمة “ولتنظر نفس ما قدمت لغد“.

إن السبيل لاستشراف المستقبل يتمثل في النظر في المقدمات والسنن الفاعلة، وبذلك يتأهل الناظر لاستبصار المستقبل والإعداد له حيث إن المجال الذي يمكن للإنسان أن يخطط له، هو المستقبل، ولهذا يطرح الأستاذ “المهدي المنجرة” رحمه الله مفهوم استعمار المستقبل، يقول :” إن العالم الإسلامي إذا لم يخطط لمستقبله فإنه يوشك أن يستعمر بدوره كما استعمر ماضيه وحاضره”[1]، ولعل بؤرة الرؤية المستقبلية ونقطة الانطلاق بالأساس في النهوض وإبصار المستقبل من خلال مقدماته، أو التمكين من تشكيل المستقبل والمداخلة في بنائه، إنما تتحقق من خلال اعتماد المنهج السنني، ومحاولة الكشف عنه وملاحظة اطراده في الحياة.

إن الدراسات المستقبلية مرتبطة تماما بمن لديه مشروع يريد أن ينجزه، فالذي لا مشروع له، لا يمكن له لا أن يستشرف ولا أن يستبصر.

استبصار المستقبل عمل أصيل:

إن اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بالمستقبل واستشرافه، شيء طبيعي جدا على اعتبار أنه صاحب رسالة سماوية كونية، والعناية بالمستقبل ليست أمرا جديدا، ففي اللغة العربية يوجد لفظ يحيل إلى معنى الاستشراف وهو لفظ الاستبصار، فقد كان عليه الصلاة والسلام قبل أن يبدأ عمله كل يوم يتصور الأشياء ويخطط ويستبصر، ثم بعد ذلك يتوكل على الله، فالتوكل على الله يأتي بعد التخطيط والعمل الاستشرافي، والقرآن الكريم مليء بالقصص والنماذج لعدة

رسالات وأقوام في هذا الشأن.

والدراسات المستقبلية تبنى كذلك على الماضي، وتستفيد من الحاضر القائم، الذي يحتاج إلى تغيير وتوجيه، وهنا نستحضر قوله تعالى في كتابه العزيز “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون[2]كما نجد السنة النبوية زاخرا بعدة نماذج تدعو لصناعة الغد والاهتمام بالمستقبل، ولعل الحديث المشهور بحديث” القصعة” فيه إشارة هامة إلى مستقبل الحضارة الإسلامية، قال عليه الصلاة والسلام: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها)[3]. وهذا الحديث يدرجه العلماء ضمن أحاديث الفتن والملاحم. فالحديث يحذر من مرحلة مستقبلية تكون الأمة فيها ضعيفة تتداعى الأمم عليها لاستنزاف خيراتها، لذلك فإن الحديث بقدر ما هو إخبار عن المستقبل فإنه دعوة صريحة لتوجيه المستقبل والتخطيط له بغية تجنبه التحذير النبوي. والأمثلة كثيرة جدا من القراءة المستقبلية للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، واجتهادات العلماء ومن تجلياتها، استنباط قاعدة: “اعتبار المآل”.

ويمكن القول أيضا أن السنة النبوية أصلت للمستقبلية تأصيلا تاما ورفعتها إلى درجة قيمة حضارية كبرى وأدمجتها في حياة الفرد والمجتمع. لهذا لابد من مواصلة الجهود في استنباط واستخلاص القيم الحضارية المتعلقة بالمستقبل، عبر دراسة استنباطية لأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم ومن خلال سيرته وعلاقته مع الأمم الأخرى.

التخطيط للمستقبل: معيار التقدم

إن الاهتمام بالمستقبل ودراسته دلالة واضحة على تطور الحضارة، وهو من المقومات الرئيسية في صناعة النجاح سواء على المستوى الشخصي أو على المستوى الاجتماعي أو على المستوى الحضاري. وكما هو معروف فإن الاهتمام بالمستقبل من طبيعة البشر. وتاريخه الطويل يخبرنا عن نشأته ومراحل تطوره.

وفي رأيي المتواضع فإن هذا العلم (علم المستقبليات) من آكد العلوم التي ينبغي على الأمة الإسلامية تطويرها لإعادة البناء الحضاري على قواعد الوحي بما في ذلك استدعاء التجربة النبوية والقرآن الكريم في استشراف المستقبل، ثم استحضار واستقراء السنن الكونية لكي لا تضل الأمة الإسلامية أمة غثائية خارجة عن العطاء الحضاري. كما قال مالك بن نبي رحمه الله “أن العالم الإسلامي ضل خارج التاريخ دهرا طويلا كأن لم يكن له هدف. استسلم المريض للمرض. وفقد شعوره بالألم[4].

إن ما يحز في النفس اليوم ويثير الكثير من التساؤلات هو كيف للحضارة الإسلامية أن تتخلف عن الركب الحضاري خصوصا أنه لديها ما يكفي من التجارب التي استفادت منها باقي حضارات العالم كله، لذلك فإنها عندما تنطلق في البناء الحضاري فإنها لن تنطلق من فراغ، وهذا ما ذهب اليه الدكتور حامد أبو سليمان في كتابه “أزمة العقل المسلم” إلى أن المسلمين حين يدلون بدلوهم في دائرة الإسهام الحضاري فإنهم لا ينطلقون من فراغ لأن لهم في العطاء الحضاري تاريخا مجيدا [5]، والمسلمون اليوم أصبحوا يرون هذا السباق

الحضاري تحديدا للوجود الإسلامي في هذا العصر. ويضيف” سيد قطب” أيضا “إن الإسلام عندما واجه البشرية أول مرة كان يواجه الواقع برصيد الفطرة وحده، مما أدى إلى تلك الوثبة الكبرى الفريدة في تاريخ البشرية”[6]، أما اليوم فهناك رصيد التجربة الذي ينضاف إلى رصيد الفطرة.

إن كل هذه التجارب تستفزنا إلى استشراف مستقبل حضارة أمتنا الذي بدت بشائره تلوح في الأفق. والأمة الإسلامية بطبعها أمة فريدة تأبى أن تكون أمة تابعة فقط.

 وإنما من مهامها الريادة والشهادة وتصحيح الفوضى التي يعيش فيها العالم، وهي الفكرة التي يؤكدها كتاب “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟” لكاتبه الندوي الذي يقول إنه “بالرغم من كل ما أصيب به المسلمون من علة وضعف فإنهم، هم الأمة الوحيدة على وجه الأرض، التي تعد خصيم الأمم الغربية وغريمتها ومنافستها في قيادة الأمم ومزاحمتها في وضع العالم، والتي يعزم عليها دينها أن تراقب سير العالم”.


[1]ينظر:”الحرب الحضارية الأولى، المهدي المنجرة”, دار الشروق للنشر والتوزيع 1995 ,الطبعة السادسة ص 176.

[2]سورة الحشر الآية. 18

كثيرة 1 ينظر ,السلسلة الصحيحة للشيخ الألباني ج,2 حديث. 958,وروي الحديث بصيغ

[4]شروط النهضة. مالك بن نبي. عبد الصبور شاهين. دار الفكر ص68

ينظر ,أزمة العقل المسلم ,حامد ابو سليمان,المعهد العالمي للفكر الإسلامي سلسلة إسلامية المعرفة. العدد 9الصفحة 190ومابعدها1

ينظر ,هذا الدين ,سيدقطب,الطبعة الخامسة عشرة. 2001دار الشروق القاهرة ص22[6]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: