منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من المقاصد الخاصة للعمل الخيري في ضوء القرآن الكريم: طهارة النفس والفوز في الآخرة

0
اشترك في النشرة البريدية

المتأمل في القرآن الكريم سيظهر له أن المنتفع الأساس من العمل الخيري هو صاحب الحاجة، لكن الحقيقة تؤكد أن المستفيد الأكبر من هذا العمل الخيري المبارك هو فاعل الخير الذي يسعى جاهدا لتقديم الخدمة للغير.

وعليه، فللعمل الخيري آثار تربوية ونفسية بليغة على الفرد، وفي هذا المقال سأحاول أن أبسط القول قدر المستطاع بخصوص هذه المسألة اعتمادا على نصوص القرآن الكريم.

ربط القرآن الكريم بين التطهير والصدقة ربطا وظيفيا بشكل واضح، مما يؤكد أن طهارة النفس من الآثام من صميم الغايات الكبرى للعمل الخيري وبذله. ومما ورد في الارتباط الوثيق بين الصدقة والتطهير في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 103]. ودلالة هذا النص تؤكد أن الصدقة تطهر وتزكي نفس المتصدق وفاعل الخير. يقول الإمام الطاهر بن عاشور: “فَالْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تُطَهِّرُ وَتُزَكِّي. فَقَوْلُهُ: تُطَهِّرُهُمْ إِشَارَةٌ إِلَى مَقَامِ التَّخْلِيَةِ عَنِ السَّيِّئَاتِ. وَقَوْلُهُ: تُزَكِّيهِمْ إِشَارَةٌ إِلَى مَقَامِ التَّحْلِيَةِ بِالْفَضَائِلِ وَالْحَسَنَاتِ. وَلَا جَرَمَ أَنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّحْلِيَةِ. فَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ كَفَّارَةٌ لِذُنُوبِهِمْ وَمُجْلِبَةٌ لِلثَّوَابِ الْعَظِيمِ[1].

ومما ورد كذلك قوله تعالى:﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [المجادلة: 12] ففي الصدقة طهارة للنفس من البخل والشح وحب المال وإيثاره، كما أن فيها طهارة من الآثام والذنوب، وعلى هذا المعنى دارت أقوال المفسرين: قال الإمام الطبري: “وتقديمكم الصدقة أمام نجواكم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، خير لكم عند الله (وَأَطْهَرُ) لقلوبكم من المآثم[2]. وفي محاسن التأويل :” خَيْرٌ لَكُمْ أي لأنفسكم، لما فيه من مضاعفة الأجر والثواب، والقيام بحق الإخاء، بالعود على ذوي بالمسكنة بالمواساة والإغناء. وَأَطْهَرُ أي لأنفسكم من رزيلة البخل والشح، ومن حب المال وإيثاره الذي قد يكون من شعار المنافقين، وكأن الأمر بالتصديق المذكور، نزل ليتميز المؤمن من المنافق، فإن المؤمن تسخو نفسه بالإيمان كيفما كان، والثاني يغصّ به، ولو في أضرّ الأوقات”[3]. وقال ابن عاشور: “وَأَمَّا أَطْهَرُ فَهُوَ اسْمُ تَفْضِيلٍ لَا مَحَالَةَ، أَيْ أَطْهَرُ لَكُمْ بِمَعْنَى: أَشَدُّ طُهْرًا، وَالطُّهْرُ هُنَا مَعْنَوِيٌّ، وَهُوَ طُهْرُ النَّفْسِ وَزَكَاؤُهَا لِأَنَّ الْمُتَصَدِّقَ تَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ أَنْوَارٌ رَبَّانِيَّةٌ مِنْ رِضَى اللَّهِ عَنْهُ فَتَكُونُ نَفْسُهُ زَكِيَّةً”[4].

ولم يكتف القرآن الكريم ببيان مقصد التطهير من فعل الخير وبذله فقط، بل رتب على العمل الخيري أيضا مقصد الفوز في الآخرة، فقال الله تعالى: قال الله تعالى:﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ﴾ [المزمل: 20]، وقال سبحانه ﴿لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].

المزيد من المشاركات
1 من 13

عنّ لي، إذن، مما سبق أن للمقاصد الخاصة للعمل الخيري أثر نفسيا وتربويا عميقا، تبدأ من النفس تطهيرا وتزكية، لا تقف هنا، بل تستمر لترقى بالعبد إلى درجة الفوز في الدنيا والآخرة.

[1] ـــــ التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى: 1393هـ)، الدار التونسية للنشر – تونس، سنة النشر: 1984 هـ، ج11، ص 23.

[2] ــــ جامع البيان في تأويل القرآن، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1420 هـ – 2000 م، ج 23، ص 248.

[3] ـــ محاسن التأويل، محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: 1332هـ)، تحقيق: محمد باسل عيون السوددار الكتب العلميه – بيروت، الطبعة: الأولى: 1418 هـ، ج9، ص 174.

[4] ـــــ التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، ج28، ص 48.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.