منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رحلة نحو المجهول (قصة قصيرة)

محمد فاضيلي

0

أخذ القارب يجري لمستقر له، متجها نحو الشمال الذي يغري بكل جميل، تاركا وراءه عالما ، لم يتسع لأبنائه وذويه..كان الوقت ليلا دامسا، والبرد القارس يلسع الوجوه، ولا يسمع سوى حركة القارب، وهو يشق مياه البحر، وهمهمات بعض الراكبين الذين يحلمون مثله بغد أفضل.. القلق يؤرقهم، والخوف ترتسم ملامحه على وجوههم.. الخوف من الموت الذي يحيط بهم، ومن المستقبل الذي يراودهم مع قليل من الأمل.
هو وحده غارق في التأمل، لا يدري ما الذي دفعه للمخاطرة بحياته، وركوب المجهول..عالم لا يعرف عنه سوى أنه يحترم الإنسان ولا يذله.. سرح به الخيال بعيدا، حيث ترقد الحبيبة.. أمه، التي ضحت بكل غال ونفيس من أجل تنشئته واسعاده.. أمه، ذات القوام النحيل، والوجه الأسمر المجعد، والعينين الغائرتين، تحمل في نفسها نكسة الجنوب بكامله.. فقر وجهل وبؤس ومذلة.. تستيقظ قبل طلوع الفجر، لتبدأ رحلة العذاب والشقاء، طبخ وكنس وحلب وحطب وسقي ورعي، وأحيانا عمل في الضيعات مقابل دريهمات زهيدة، لا تعين على نوائب الدهر، مع الصبر على قسوة الزوج وجبروته…
سيعود بعد الحصول على رخصة الإقامة، بنقود كثيرة، وهدايا متنوعة..سيعوضها عن سنين الحرمان والضياع التي عاشتها، سيعود راكبا سيارة فخمة، مرتديا بذلة أنيقة، ذات رباط عنق، وحذاء ملمعا، ونظارات سوداء، سيتحدث عنه كل أهالي القرية ، وبناتها..سيتزوج من شقراء فاتنة، ويتحدث لغة حية.
س…
بقي غارقا في أحلامه وتأملاته، إلى أن نبهته صرخة زلزلت القارب كله، حين اصطدم بجثث تطفو على السطح..
كان مشهدا رهيبا، ارتعدت منه فرائصه..
قريبا منه، سمع أحدهم يقول: أنا شاب مغربي على مشارف الأربعين من عمري، مجاز في الحقوق، كنت أحلم كغيري بوظيفة محترمة، وسكن وزوجة وأولاد، وسيارة، وحياة كريمة، لكن أحلامي تحطمت على صخرة واقع مرير.. اجتزت مباريات عديدة باءت كلها بالفشل، اشتغلت في التجارة، الا أن أرباحي استنزفتها أجرة الكراء والضرائب والديون.. سنوات التعليم حرمتني من تعلم صنعة أعيش منها، فاضطررت للهجرة..
مسكين أنت أيها الشاب وأمثالك، ما أتعسكم ، عسى الله أن يفتح لنا ولكم!
قالتها فتاة في مثل سنه ، قد أخذ الزمن منها كل مأخذ، ثم أضافتِ: أما أنا ومثيلاتي، فمشاكلنا تنوء بحملها الجبال! نحن ضحايا مجتمع قاس لا يرحم..أبي فظ غيور، حرمني من التعليم كي لا أختلط بالذكور، وسرعان ما رحل الى دار البقاء، تاركا على عاتقي مسؤولية صبية لم يبلغوا الحلم..اشتغلت خادمة في أحد البيوت، أستيقظ قبل طلوع الشمس ولا أنام حتى منتصف الليل. أنام وأتغذى على الفتات في المطبخ..ربة البيت قاسية، وزوجها عيناه زائغتان، والأبناء لا تنتهي طلباتهم..اشتغلت في معمل للملابس الجاهزة، شغلها أقل شقاء من البيوت، لكن الأجرة لا تكفي لتوفير أدنى مستوى من العيش،كما أن الفتاة العاملة، قلما تستطيع الحفاظ على شرفها.. تعرفت على شاب طيب، وحلمنا بعش دافئ يضمنا معا، لكن غلاء الأسعار وأزمة السكن، وارتفاع فواتير الماء والكهرباء جعلته يتهرب من المسؤولية..
ما أصعب الحياة في هذا الزمن، زمن الذئاب المسعورة، التي لم تترك للأيتام حظا من الرحمة والشفقة!
هناك في زاوية أخرى من القارب، صرخ كهل قد أنهكته التجارب: لا تحسبوا أن الشمال جنة في الأرض، وأن المغاربة أسياد هناك، إنهم مواطنون من الدرجة الثانية، يعيشون على الهامش، ويبيتون في العراء.. إن العامل مستغل، والتاجر مرفوض، والمهرب مطارد، والكل متهم بتهمة الإرهاب حتى تبتث براءته.. إن منهم من يعمل في الممنوع، فيبيعون شرفهم وكرامتهم وانسانيتهم.. إن الجميع يحن لبلده، ويغبط أهله، ولا يجد السعادة والطمأنينة الا بين أحضانه..
أحس بدوار في رأسه، أخذ ضميره يؤنبه.. ترى، لماذا لم يصبر كما صبر اخوانه، ويواجه التحديات بقلب من حديد!؟ لماذا لم يناضل كغيره من أجل إصلاح بلده وتحريره من الغرباء!؟ تذكر المثل القائل”قطران بلادي ولا عسل البلدان”
فكر في العودة، لكن ذلك لم يعد ممكنا ، فاستسلم للقدر..
لاحت لهم الأضواء من بعيد، معلنة قرب نهاية رحلة من العذاب، فتملكه شعور غريب.. ترى، هل سيقبله هذا البلد،أم سيرفضه، كما رفضه بلده من قبل…
وبينما هم يستعدون للنزول إلى الشاطئ، إذا بهم يفجؤون بحرس الحدود، الذين حملوهم للتو إلى السجن، ثم إلى المطار..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.