منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

……شجرة غيثة أم الغيث…(قصة قصيرة)

نورالدين النبهاني

0

كانت لصديقي بالجنوب الشرقي للمغرب عَمّة كلها هِمّة ..وكل يوم تزداد حيوية و نشاطا. كانت البشاشة لا تغادر ملامح وجهها، وكلمات الترحيب تتخلل كلامها ، حتى أصبحت كل الساكنة كبارا و صغارا تناديها عمتي، ويعود السبب في هذا الاسم إلى أبناء أخيها الذين احتضنتهم في بيتها ، و ربتهم في حضنها بعد وفاة والدتهم ، إذْ كانوا ينادونها عمتي وحين انجبت أطفالها فتحوا أعينهم على هذا الاسم، فأصبحوا بدورهم ينادون والدتهم عمتي،وهكذا أصبحت عمة الجميع.
كانت العمة غيثة أم الغيث سخية في عطائها داخل قريتها، وبمنزلها، سخاء يتحدى الألوان و الظروف ، كريمة إلى درجة يأخد منها الكرم الدروس و العبر ويوزعها على العابرين ، حتى الفقر يستحيي من كرمها فيتخلف إلى الوراء قليلا حتى تقضي للزائرات حاجاتهن .
تفتح باب منزلها من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، وأكثر الزيارات لنساء القرية في الصباح و لعاملات التعاونية في المساء ، والغاية من زياراتهن هي الدردشة ، شرب الشاي مع الفواكه الجافة ، وتحقيق مطالب وحاجات للزائرات .
الحاجة غيثة تُغيث كل من يلجأ إليها ، لا تمتنع، لا تعتذر ، لا تتخلف عن تقديم المساعدة التي تنحصر عادة في طلب خضر أو توابل أو استعارة أواني منزلية أو أدوات فلاحية وأحيانا مبالغ مالية لحل ضائقة أو أزمة خانقة حلت ببعضهن ، كما كانت تُشَغل أغلبهن ضمن تعاونية محلية وتوزع الأرباح عليهن بالتساوي.
أما زوجها فكان ينظر إليها بعين الرضى و الحمد ، لأنه يحس أن كل الخير الذي ينعم فيه و الرزق الذي يتصرف فيه من بركة سخائها وعطائها، لذلك يشجعها بابتسامته وايماءات من رأسه.
ذات صباح ربيعي قررت الحاجة غيثة السفر إلى الدارالبيضاء ، حاول أبناؤها وأحفادها منعها من السفر ، طالبين منها أن تنتظر حتى فصل الصيف ، لكنها أصرت على ذلك بحجة أن في عطلة الصيف أغلب أقاربها يحجون إليها من مدينة الدار البيضاء لقضاء العطلة في رحاب بيتها ، وبإصرارها سافرت ذلك اليوم.
قبيل صلاة الظهر جاءت الحاجة رحمة إلى المسجد تطلب مقابلة الإمام ، حين انفردت به ،أبلغته أنها رأت في منامها قبل الفجر بقليل ، المرحومة يامنة قرب منزل الحاجة غيثة تحت شجرة الزيتون .
قالت له ، وحين سألتُها عما تفعله هناك في ذلك الوقت ، أجابَتْنِي :
جئت أنتظر الحاجة غيثة لآخدها معي، سترافقني بعد أن تستحم و تغتسل.
ظل الإمام يستمع إلى حكيها باهتمام كبير ،كانت تحكي وهي مرعوبة ، و لا تدري إن كانت رؤية أم أضغاث أحلام أمِ الشيطان وَسْوَسَ لها ؟!!!..
احتار الإمام في اختيار الرأي السديد ، وطلب منها أن تبلغ زوجها ، لأنه الوحيد الذي له الصلاحية في اختيار الموقف المناسب .
اتجهت الى منزل الحاجة غيثة ، ووقفت تحت نفس شجرة الزيتون التي وقفت تحتها يامنة،في انتظار زوج الحاجة غيثة ، وعند
خروجه متجها إلى المسجد لأداء صلاة الظهر استوقفته وأبلغته الحكاية.
في البداية لم يصدق حكايتها لكن تحت إلحاحها ، اتصل عبر هاتفه المحمول بابنه رضوان وطلب منه أن يلحق به في المسجد.
بعد صلاة الظهر اجتمع الوالد وابنه مع إمام المسجد وأستاذ القرية للتداول حول الموضوع، ولتخفيف الانزعاج والقلق الذي أصاب الوالد و ابنه، اختصر الأستاذ الموضوع في جملة واحدة ، وهي إن كانت رؤية فلا مفر من قضاء الله ، وإن كانت مجرد أضغاث أحلام فلا خوف عليها و لا داعي للقلق ، ورجح الأستاذ بأن يكون ذلك مجرد كابوس ليلي عانت منه الحاجة رحمة.
ظل الأبناء والاحفاد يتّصلون بها بين الفينة و الأخرى حتى ازعجوها باتصالاتهم .
ابنها البكر رضوان كان أكثرهم انشغالا بالرؤية، لكن مرور اليوم الأول بسلام ، واليوم الثاني أعاد لهم الاطمئنان ، فتوقفوا عن ازعاجها في اليوم الثالث، وانشغلوا عنها بأعمالهم.
ظلت الحاجة تتنقل بين أقربائها ضيفة معززة ..مكرمة..والكل يتهاتف ويتسابق على استضافتها.
بعد الظهيرة بقليل، استيقظ رضوان ابنها البكر الذي كان في غرفة نومه يقضي فترة القيلولة على صراخ وعويل بكافة أرجاء البيت ، لقد ماتت الحاجة غيثة ، وانتقل صداها إلى القرية بطولها.
سافر الجميع في التو و اللحظة، وحول بيت المضيفة قريبتها تجمهروا مستفسرين ، كل ما استطاعوا معرفته، أنها بعد استحمامها في الحمّأم التقليدي وعودتها إلى البيت، استوت في جلستها ،و أسندت ظهرها على المخدة طلبا للراحة، فاسلمت روحها لباريها، ولا توجد تفاصيل أخرى.
بعد الاجراءات الطويلة و المعقدة، تم نقل جثمانها إلى مسقط رأسها، حيث تقيم، لتدفن هناك.
تسللت الحاجة رحمة إلى المقبرة بعد ساعات من دفن جثمان غيثة أم الغيث، كم كانت صدمتها مفجعة وهي ترى قبر غيثة بجوار قبر يامنة، فارتفع بكاؤها إلى درجة العويل والصراخ، متسائلة لماذا اختارتها الرؤية دون نساء القرية ؟..وما الغاية من تلك الرؤية؟..أهي شريرة و سلبية إلى هذا الحد، أن ترى الرؤية وتظل مشلولة الفكر و الإرادة؟.

أصيبت في عقلها ونفسها و جسدها، واعتزلت الناس، أصبحت تصوم نهارا و تقيم الليل، ولا تأكل إلا قليلا، ولا تنطق إلا بما قل و دل، وأغلبه مبهم وغامض.
ذات صباح عثرت عليها الساكنة ميتة تحت شجرة الزيتون التي كانت ملتقاها بيامنة، عيناها جاحظتان ، وضغط شديد على شفتها السفلى ، واصبع السبابة على خدها لهول ما رأت، ولا أحد يدري ماذا رأت؟..لتدفن بجوار قبرَيْ غيثة و يامنة ،وكأن الرؤية كانت تنذرها بالاستعداد للرحيل.
أما منزل الحاجة غيثة حلّت به الوحشة ودخل في عزلة ، وأصبح بابه لا يُفتح طول النهار إلا لخروج أحد أفراد الأسرة أو دخوله، كما أصبحت القرية تعج بالغرباء النازحين إليها من الجبال ، والجفاف بدأ يضرب حقول القرية ، ويتحالف مع الفقر ضد الساكنة..التي هاجر شبابها الى المدن بحثا عن مصدر رزق جديد.
كل عجائز القرية أصبحن يجتمعن تحت ظل تلك الشجرة، شجرة الزيتون، عصر كل يوم جمعة، في أمسيات الربيع و الصيف، يستعدن تحت ظلها ذكريات الحاجة غيثة، رحمة،يامنة وكل نساء القرية الفاضلات، ويتبركن من الشجرة التي أصبحت تحمل اسم ” شجرة غيثة أم الغيث “.
شجرة الزيتون بحقلها تعود ملكيتها الى صديقي الذي ورثها عن والده ..وكلما فكر في بيعه بسبب الجائحة التي ضربت الاقتصاد والعباد ، تذكر عمته غيثة أم الغيث وتراجع عن قرار البيع.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.