منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المهارة (2): ضبط اللسان

المهارات التربوية لبناء الشخصية الإيمانية القوية من خلال السنة النبوية- مصطفى بوهبوه

0
اشترك في النشرة البريدية

المهارات التربوية لبناء الشخصية الإيمانية القوية من خلال السنة النبوية

المهارة (2): ضبط اللسان

خلق الله تعالى الإنسان وأنعم عليه نعماً كثيرة منها ما ظهر ومنها ما بطن، ومن أجلّ هذه النعم خِلْقَةً وألطفها غرابةً؛ نعمة اللسان وهو سلاح ذو حدين: فإن استُعمل في طاعة كان هذا خيرا لصاحبه وشكرا لله على هذه النعمة العظيمة، وإن استُعمِل في معصية كان هذا شرا لصاحبه وكفرانا لهذه النعمة الجليلة.

ومن هذا المنطلق فلابد أن نعلم أن خطر اللسان عظيم، ولا نجاة من خطره إلا بضبطه وإلزامه باب الصمت، وبذلك فقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم الصمت وحثَّ عليه لما فيه من خيري الدنيا والآخرة، ففي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت”. قال ابن عبد البر: ” وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ آدَابٌ وَسُنَنٌ مِنْهَا التَّأْكِيدُ فِي لُزُومِ الصَّمْتِ وَقَوْلُ الْخَيْرِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ لِأَنَّ قَوْلَ الْخَيْرِ غَنِيمَةٌ وَالسُّكُوتَ سَلَامَةٌ وَالْغَنِيمَةُ أَفْضَلُ مِنَ السَّلَامَةِ وَكَذَلِكَ قَالُوا قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ وَاسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تسلم[1].

قال عمار الكلبي:

المزيد من المشاركات
1 من 25

وَقُلِ الْخَيْرَ وَإِلَّا فَاصْمُتَنَّ فَإِنَّهُ مَنْ لَزِمَ الصمت سلم

 فما هي خطورة اللسان؟ وكيف نضبطه؟ وما فضل ضبطه وحفظه؟

خطورة اللسان

  1. إدخال النار

أخرج الترمذي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ [ص:12] وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ، قَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ» ثُمَّ قَالَ: ” أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ ” قَالَ: ثُمَّ تَلَا {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ} [السجدة: 16]، حَتَّى بَلَغَ {يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ»؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ» ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ»؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»[2]، قال الإمام الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ».

ففي قول النبي صلى الله عليه وسلم: وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ، تشبيه دقيق يبين مدى بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم وفصاحته، يقول المباركفوري: “وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: “حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ” أي محصوداتها، شبّه ما يتكلم به الإنسان بالزرع المحصود بالمنجل، وهو من بلاغة النبوة، فكما أن المنجل يقطع ولا يميّز بين الرطب واليابس، والجيد والرديء، فكذلك لسان بعض الناس، يتكلّم بكل نوع من الكلام حسنا وقبيحا”[3].

وأخرج البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ»[4].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 20

وجه الدلالة في الحديث أنه ينبغي للإنسان أن يتفكّر في كلامه قبل التلفظ به، قال الإمام النووي مؤكدا هذا المعنى: “اعلم أنه ينبغي لكلّ مكلفٍ أن يحفظَ لسانهُ عن جميع الكلام إلا كلاماً تظهرُ المصلحةُ فيهِ، ومتى استوى الكلامُ وتركهُ في المصلحةِ فالسنّة الإمساكُ عنهُ، لأنهُ قد ينجرُ الكلامُ المباحُ إلى حرامٍ أو مكروهٍ، بل هذا كثيرٌ أو غالبٌ في العادةِ، والسلامةُ لا يعدلُها شيء”[5].

وأخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ ما يتبين فيها، يَنهوي بِهَا فِي النَّارِ، أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»[6]. قال ابن حجر العسقلاني: “قَوْلُهُ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا أَيْ لَا يَتَطَلَّبُ مَعْنَاهَا أَيْ لَا يُثْبِتُهَا بِفِكْرِهِ وَلَا يَتَأَمَّلُهَا حَتَّى يَتَثَبَّتَ فِيهَا فَلَا يَقُولُهَا إِلَّا إِنْ ظَهَرَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي الْقَوْلِ”[7].

  1. إحباط العمل

من خطورة اللسان أنه يحبط الأعمال ودليل ذلك ما أخرجه مسلم من جُنْدَبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَدَّثَ ” أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ”[8].

  1. قسوة القلب

قال الفُضيل رضي الله عنه: “خَصْلتَانِ تُقَسِّيَانِ القَلْبَ: كَثْرَةُ الكَلاَمِ، وَكَثْرَةُ الأَكلِ”[9].

كيف نضبط لساننا؟

 إن ضبط اللسان يكون بحفظه بأن لا نتلفظ بكلمة حتى ننظر: هل فيها خير وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن ذلك أمسك لسانه من النطق بها. قال النووي: “وينبغي لمن أراد النطق بكلمة أو كلام، أن يتدبره في نفسه قبل نطقه، فإن ظهرت مصلحته تكلم، وإلا أمسك”[10].

وقد ذكر ابن القيم هذا المعنى في كتابه ” الداء والدواء” حيث يقول: “وأما اللفظات، فحفظها بأن لا يُخرِجَ لفظةً ضائعةً، بل لا يتكلّم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه. فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا؛ فإنْ لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر: هل يفوته بها كلمة هي أربح منها، فلا يضيّعها بهذه”[11].

أخرج الإمام أحمد عن أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: عِظْنِي وَأَوْجِزْ، فَقَالَ: ” إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ غَدًا”[12].

فضل ضبط اللسان وحفظه

 

  • ضبط اللسان دليل على كمال الإيمان، وحسن الإسلام

فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت”[13]

وأخرج البخاري من حديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ”[14].

  • ضبط اللسان دليل على سلامة القلب

أخرج الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل رجل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه”.

يقول يَحْيَى بْنَ مُعَاذٍ: ” الْقُلُوبُ كَالْقُدُورِ فِي الصُّدُورِ تَغْلِي بِمَا فِيهَا وَمَغَارِفُهَا أَلْسِنَتُهَا فَانْتَظِرِ الرَّجُلَ حَتَّى يَتَكَلَّمَ فَإِنَّ لِسَانَهُ يَغْتَرِفُ لَكَ مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ بَيْنِ حُلْوٍ وَحَامِضٍ وَعَذْبٍ وَأُجَاجٍ يخْبِرُكَ عَنْ طَعْمِ قَلْبِهِ اغْتِرَافُ لِسَانِهِ”[15].

  • ضبط اللسان دليل على فضل صاحبه

فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أَبِي مُوسَى، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: “مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ”[16]. ورُيَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: “كَانُوا يَجْلِسُونَ فَيَتَذَاكَرُونَ، فَأَطْوَلُهُمْ سُكُوتًا، أَفْضَلُهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ”[17].

  • ضبط اللسان سبيل للفوز بالجنة، والنجاة من النار

أخرج البخاري من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: “مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ”[18]. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمُرَادُ بِمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ: الْفَمُ بِتَمَامِهِ فَتَنَاوَلَ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا، وَالْأَكْلَ وَالشُّرْبَ، وَسَائِرَ مَا يَتَأَتَّى بِالْفَمِ، أَيْ مِنَ النُّطْقِ وَالْفِعْلِ كَتَقْبِيلٍ وَعَضٍّ وَشَتْمٍ، قَالَ: وَمَنْ يَحْفَظُ مِنْ ذَلِكَ أَمِنَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا السَّمْعُ وَالْبَصَرُ. قَالَ الْحَافِظُ: وَخَفَى عَلَيْهِ أَنَّهُ بَقِيَ الْبَطْشُ بِالْيَدَيْنِ، وَإِنَّمَا مَحْمَلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ النُّطْقَ بِاللِّسَانِ أَصْلٌ فِي حُصُولِ كُلِّ مَطْلُوبٍ، فَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ إِلَّا فِي خَيْرٍ”[19]. و قال ابن بطال: “دل الحديث أن أعظم البلاء على العبد في الدنيا اللسان والفرج، فمن وقى شرهما فقد وقى أعظم الشر”[20].

وأخرج والإمام الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ صَمَتَ نَجَا”[21]. قال الإمام الغزالي: “ومن تأمل جميع ما أوردنا من آفات اللسان علم أنه إذا أطلق لسانه لم يسلم وعند ذلك يعرف سر قوله صلى الله عليه وسلم “من صمت نجا” لأن هذه الآفات كلها مهالك ومعاطب وهي على طريق المتكلم فإن سكت سلم من الكل وإن نطق وتكلم خاطر بنفسه إلا أن يوافقه لسان فصيح وعلم غزير وورع حافظ ومراقبة لازمة ويقلل من الكلام فعساه يسلم عند ذلك وهو مع جميع ذلك لا ينفك عن الخطر فإن كنت لا تقدر على أن تكون ممن تكلم فغنم فكن ممن سكت فسلم فالسلامة إحدى الغنيمتين”[22].

  • ضبط اللسان من أفضل ما يتجمّل به الإنسان

أخرج أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عليك بحسن الخلق وطول الصمت فوالذي نفسي بيده: ما تُجمل الخلائق بمثلهما”[23].

  • ضبط اللسان دليل على الحكمة

التحلي بالصمت عما لا فائدة من ورائه، سبيلا إلى اكتساب الحكمة، فعَنْ وُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ: ” الْحِكْمَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ: فَتِسْعَةٌ مِنْهَا فِي الصَّمْتِ، وَالْعَاشِرَةُ عُزْلَةُ النَّاسِ”[24]. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: “إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يُطِيلُ الصَّمْتَ وَيَهْرُبُ مِنَ النَّاسِ فَاقْرُبُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلَقَّى الْحِكْمَةَ”[25].

وأختم كلامي بقول أحد الحكماء: “في الصمت الخير الكثير، وقد اجتمع هذا الخير في سبع كلمات:

أولها: أن الصمت عبادة من غير عناء، والثانية: زينة من غير حلي، والثالثة: هيبة من غير سلطان، والرابعة: حصن من غير حائط، والخامسة: الاستغناء عن الاعتذار إلى أحد، والسادسة: راحة الكاتبين، والسادسة: ستر لعيوبه، كما قيل: “الصمت زين للعالم، وستر للجاهل”.

ولِتعلِّم الصمت فهذا يحتاج إلى جهد ووقت من أجل تدريب النفس على ذلك. فعن عبد الله بن أبي زكريا قال: “عالجت الصمت ثنتي عشرة سنة، فما بلغت منه ما كنت أرجو، وتخوفت منه فتكلمت”[26]. وعن أرطأة بن المنذر رضي الله عنه قال: “تعلّم رجل الصمت أربعين سنة: بحصاة يضعها في فمه، لا ينزعها إلا عند طعام أو شراب، أو نوم”[27].

فاللهم علمنا ما ينفعنها، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، والحمد لله رب العالمين


[1] ــ التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ)، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، الناشر: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية – المغرب، عام النشر: 1387 هـ، ج21، ص 35.

[2] ــ سنن الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (المتوفى: 279هـ)، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر (جـ 1، 2) ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ 3)، وإبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف (جـ 4، 5)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، الطبعة: الثانية، 1395 هـ – 1975م، ج5، ص 11.

[3] ــ تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، أبو العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (المتوفى: 1353هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، ج7، ص 306.

[4] ــ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الرقاق، باب: حفظ اللسان، رقم: 6478، ج 8، ص 101.

[5] ــ الأذكار للنووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)، الناشر: الجفان والجابي – دار ابن حزم للطباعة والنشر، الطبعة: الطبعة الأولى 1425هـ- 2004م، ج1، ص 529.

[6] ــ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الزهد والرقائق، باب: التكلم بالكلمة يهوي بها في النار، رقم: 2988، ج 4، ص 2290.

[7] ــ فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، الناشر: دار المعرفة – بيروت، 1379، ج11، ص 310.

[8] ــ صحيح مسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله، رقم: 2621، ج4، ص 2023.

[9] ــ سير أعلام النبلاء، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: 748هـ)، تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثالثة، 1405 هـ / 1985م، ج8، ص 440.

[10] ــ المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت

الطبعة: الثانية، 1392، ج17، ص 117.

[11] ــ الداء والدواء = الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)

تحقيق: مُحَمَّد أجمل الإصْلاَحي، ج1، ص 363.

[12] ــ مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ)، تحقيق: أحمد محمد شاكر، الناشر: دار الحديث – القاهرة، الطبعة: الأولى، 1416 هـ – 1995م، ج38، ص 484.

[13] ــــ أخرجه البخاري في كتاب الأدب (6018)، ومسلم في كتاب الإيمان برقم (172 و174)

[14] ـــ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الإيمان، باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، رقم: 10، ج1، ص 11.

[15] ـــ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: 430هـ)، الناشر: السعادة – بجوار محافظة مصر، 1394هـ – 1974م، ج10، ص 63.

[16] ــ أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: أي الإسلام أفضل، رقم 11، ج1، ص 11. ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: بيان تفاضل الإسلام، وأي أموره، رقم: 42، ج1، ص 66.

[17] ــ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: 430هـ)، الناشر: السعادة – بجوار محافظة مصر، 1394هـ – 1974م، ج4، ص 224.

[18] ــ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الرّقاق، باب: حفظ اللسان، رقم: 6474، ج8، ص 100

[19] ــ شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المصري الأزهري، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية – القاهرة، الطبعة: الأولى، 1424هـ – 2003م، ج4، ص 646.

[20] ــ شرح صحيح البخاري لابن بطال، ابن بطال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك (المتوفى: 449هـ)، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، دار النشر: مكتبة الرشد – السعودية، الرياض، الطبعة: الثانية، 1423هـ – 2003م، ج10، ص 186.

[21] ــ سنن الترمذي، رقم الحديث: 2501، ج4، ص 660.

[22] ــ إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505هـ)، الناشر: دار المعرفة – بيروت، ج3، ص 162.

[23] ــ صحيح الجامع الصغير وزياداته، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420هـ)

الناشر: المكتب الإسلامي، ج2، ص 748.

[24] ــ الصمت وآداب اللسان، ابن أبي الدنيا، ج1، ص 62.

[25] ــ التبصرة لابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1406 هـ – 1986م، ج2، ص 289.

[26] ــ الصمت وآداب اللسان، أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281هـ)

تحقيق: أبو إسحاق الحويني، الناشر: دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة: الأولى، 1410، ج1، ص 260.

[27] ــ الصمت وآداب اللسان، لأبي الدنيا، ص 223.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.