منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دور المدرسة التليدية في حفظ السنة

عطية معين

اشترك في النشرة البريدية

قبل الحديث عن المدرسة التليدية متمثلة في مؤسسها العلامة المسند المحدث عبد الله التليدي رحمه الله، لابد من إشارة مختصرة وتعريف موجز للسنة كمصدر ثان للتشريع الإسلامي بعد القراَن الكريم.

إن السنة إذ تطلق فإنما يراد بها ما وصل إلينا من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وتقريراته، عقيدة وعبادة، ومعاملة وسلوكا، وأخلاقا، وغيرها.

جاء في حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ألا إني أتيت القراَن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكة يقول: عليكم بهذا القراَن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم من حرام فحرموه، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله “.[1]

فلولا السنة لما عرفنا أحكام العبادة على التفصيل المعلوم، ولا عرفنا باقي الأحكام التشريعية من معاملات وأحكام الأسرة والحدود و الجنايات وغيرها من الأخلاق والآداب و الشؤون الاجتماعية، والسياسية، وأحكام الاقتصاد، والحلال والحرام… وأخبار المعاد وأحوال الاَخرة وغير ذالك مما بيّنته السنة أو زادته، أو كتبت فيه عشرات الألوف من الأحاديث، ودوّنت فيه مئاَت المجلدات، ونظرا للمكانة العظيمة التي حظيت بها السنة المحمدية، أعطاها أئمتنا وعلماؤنا الأقدمون العناية الكاملة، وأعاروها اهتماما بالغا، وأنفقوا في سبيل جمعها النفس والنفيس، حتى كوّنوا لنا بجهودهم الطويلة وخدماتهم المتوالية ثروة عظيمة هامة، وأسّسوا لنا مكتبة نبوية هائلة، بل تفنّنوا في جمع الحديث النبوي وتدوينه وترتيبه حسب أهدافهم ومقاصدهم حتى وضعوا لنا الجوامع والسنن والمسانيد و المستخرجات والمستدركات والمعاجم والمشيخات والمنتخبات والتواريخ والأجزاء

والفوائد… كما جرّدوا وأفردوا لنا الصّحاح والحسان والضّعاف والواهيات والموضوعات وما لا أصل له، وألّفوا في تواريخ الرجال والجرح والتعديل والعلل والثقاة والضعفاء، ووضعوا لهذا العلم الشريف قوانين وكتبوا فيها موضوعات وأبواب شتّى، جعلوها كمفتاح لهذا العلم الشريف ومنهاج يسير عليه من أراد الاشتغال له وذالك ما يسمى بعلم المصطلح أو علوم الحديث…

المزيد من المشاركات
1 من 10

أعود الاَن للحديث عن العلامة المسند المحدث عبد الله التليدي، الذي له لا يسعفنا المجال هنا للحديث عن حياته العلمية بتفاصيلها الدقيقة والمفيدة، ولكن عودا إلى العنوان وهو ” دور المدرسة التليدية في حفظ السنة” مع ما يعيشه المسلم حاليا من فتن، وغربة الإسلام وحرب على أنصاره، كان لا بد من الانتقاء من كتب السابقين (الذين أفنوا أعمارهم في جمع السنة)، والانتخاب من مطولاتهم، في ظل تقاعس وتكاسل المعاصرين، لكن هناك قلة تنبّهت لهذا الفراغ، فاَختصروا ولخصوا، وهذّبوا واَنتخبوا، كل حسب تخطيطه قديما وحديثا…

لقد رأى العلامة عبد الله التليدي رحمه الله وهو في عنفوان شبابه الحاجة ماسة إلى تنقيح كتب السنة المطهرة وتبيين صحيحها من سقيمها خدمة للدين، ونصيحة لعامة المسلمين وخاصة أهل العلم منهم.

وألف ” بداية الوصول بلب صحيح الأمهات والأصول ” وهو موسوعة علمية جامعة تقع في اثني عشر جزءا، وكتاب ” جواهر البحار في الأحاديث الصحيحة القصار ” والذي انتقى فيه ألفا وتسعمائة وأربعين حديثا صحاحا وحسانا قصارا، بحيث لا يتجاوز كل حديث منها سطرا، وذالك تسهيلا على من يريد حفظ الحديث النبوي الشريف، وتثقيفه من نور مشكاة الوحي الإلهي المحمدي مباشرة وفي أقرب وقت.

كما اقتصر فيها على ما في الأصول وأمهات السنة المشهورة المعتمدة المتداولة كمسند الإمام أحمد والبخاري ومسلم والسنن الأربعة وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم وسنن البيهقي وغيرها.

إن موضوع الأحاديث القصار، قد ألف فيه جماعة من العلماء القدامى منهم: شهاب الدين محمد بن سلامة القصاعي المتوفى سنة 454 – له كتاب ” الشهاب “، ومنهم الحافظ جلال الدين السيوطي له كتاب ” در البحار في الأحاديث القصار “، وغيرهم كثير.

لقد خالف العلامة عبد الله التليدي منهجهم، فاَقتصر في كتابه ” جواهر البحار في الأحاديث الصحيحة القصار ” على الصحيح والحسن، مستوعبا كل الموضوعات، غير مقتصر على الاَداب والمواعظ والحكم والأمثال، كما أن أصحاب المؤلفات السابقة الذكر مزجوا كتبهم بالصحيح والضعيف… وفي ذالك حسب رأي العلامة التليدي خطر على من لا علم له بالحديث النبوي الشريف من عامة الناس.

وفي الكتاب أحاديث لها أهميتها في إصلاح الفرد والمجتمع… كما فيه أحاديث كثيرة في الفتن وأشراط الساعة والتنبؤات والمعجزات النبوية…وفيه باب خاص بالشمائل المحمدية.

باَختصار الكتاب لا يستغني عنه مسلم يريد تثقيف نفسه ثقافة دينية ملخصة في وقت قريب.

قد يقال: ما فائدة هذا الكتاب مع وجود هذه الأحاديث في أصولها، وفي كثير من مختصراتها التي لا إحصاء لها.

يجيب العلامة المحدث عبد الله التليدي بما ذكره ابوا حامد الغزالي رحم الله أوائل ” الإحياء” بقوله ما عقدوه وكشف ما أجملوه.

الثاني: ترتيب ما بدّدوه ونظم ما فرّقوه، الثالت: إيجاز ما طوّلوه وضبط ما قرّروه، الرابع: حذف ما كرّروه وإثبات ما حرّروه، الخامس: تحقيق أمور غامضة اعتاصت على الأفهام لم يتعرض لها في الكتب أصلا.

وما ذكره الخازن في خطبة تفسيره ” لباب التأويل ” حيث قال: وينبغي لكل مؤلف كتابا في فن قد سبق إليه أن لا يخلوا كتابه من خمس فوائد: استنباط شئ كان معضلا، أو جمعه إن كان متفرقا، أو شرحه إن كان غامضا، أو حسن نظم وتأليف، أو إسقاط حشو وتطويل. [2]

هذا غيض من فيض، ومازال للحديث عن ما بذله سيدي أبو الفتوح عبد الله التليدي في حفظ السنة وخدماتها، بقية من الكلام كثير إن شاء الله.


[1] رواه  أحمد ( 4/130/1310) وأبوا داود في السنة (  1460/ وغيرهم بإسناد صحيح .

[2] جواهر البحار ص 14

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت
تعليق 1
  1. هناء يقول

    ماشاء الله ورحم سيدي عبد الله التليدي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.