منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لآلئ الملكة (قصة للأطفال)

فيحاء نابلسي

0

كان يا ما كان في كل زمان وفي كل عصرٍ وأوان كانت هناك مملكة جميلة تدعى مملكة الجبل الأخضر, يعيش فيها شعب طيبٌ ونشيط يحب الحياة ويحب العمل, و يحكمها ملك يعيش في قصر بناه على قمّة الجبل وأحاطه بسور عالٍ.
كان أهل مملكة الجبل الأخضر يعملون بالزراعة والتجارة وتربية الحيوانات , يبنون بيوتهم من حجارة الجبل ويزرعون مايحتاجون إليه من ثمار وحبوب وخضار , وقد كانوا كرماء يستقبلون كل من يأتي إليهم بالترحاب والمودّة .
ومع أن الملك والملكة كانوا يعيشون في قصرهم العالي بعيدا عن الناس, إلّا أن ّ ذلك لم يكن يزعج أهل المملكة لأنهم كانوا يتدبرون أمرهم بشكل جيد وكانوا يحبون بعضهم ولا يؤذي أحد أحدا , فقد كانوا منشغلين بالسعي والعمل, وفي أوقات فراغهم يلتقون في الساحات الكبيرة يعزفون على الناي ويقرعون الطبول ويرقصون في حلقات كبيرة ممسكين بأيدي بعضهم البعض في حب ووفاق.
كان الملك مولّعا بإقتناء الخيول , تعجبه الخيول الأصيلة والمهور الجميلة , ولا يكاد يسمع بفرسٍ سريعة أو حصان قوي حتى يرسل جنوده ليحضروه له.
وفي يوم من الأيّام أخبر أحد الجنود الملك بأنّه يوجد في المملكة مهر جميلٌ , أمه فرس أصيلة وأبوه حصان قوي. .
فأمر جنوده بإحضار ذلك المهر إلى قصره حالاً.
وفي اليوم التالي كان يقف في حديقة القصر مهر غايةً في الجمال, وحالما وقعت عينا الملك عليه صاح بإعجاب :
_ يا إلهي , إنه أجمل مهر رأيته في حياتي.
كان المهر أبيض اللون له بقعة سوداء على ناصيته وله ذيل أبيض كلون الثلج .
أمر الملك سائس الخيل بأن يعتني بالمهر عناية شديدة وأن يكرمه ويطعمه أفضل الطعام ويعتني بنظافته وصحته .
وفي يوم شديد البرودة, كانت الثلوج قد غطت الطرقات والأشجار وسطوح المنازل, أخبر الجنود الملك أن هناك امرأة تطلب مقابلته .
دخلت المرأة قاعة القصر وهي ترتجف من البرد فقد جعلها الجنود تنتظر طويلا خارج الأسوار العالية ولكنها كانت مصرة على رؤية الملك وعندما وقفت أمامه قالت:
– ” لقد جئتُ إليك يا مولاي طلبا للمساعدة وإني أطمع في كرمك وعدالتك”
سألها الملك :
_ ” وما ذا تريدين ؟ هل تحتاجين إلى المال؟ ”
أجابت المرأة بسرعة :
_ ” لا يا سيدي ! نا لست فقيرة !”
سألها الملك متضجراً :
_ ” وماذا تريدين إذاً ؟ قولي بسرعة , لا وقت لدي .”
أجابت السيدة :
_ ” إن جنودك يا مولاي قد أخذوا مهر ابني الوحيد , لقد كان يحبه جدا وكان يلعب معه كل يوم وكان هذا يجعله سعيدا مبتهجاً , ولكنه منذ أن فقدَ المهر أصبح حزينا وكئيبا, لم يعد يتناول الطعام ولم يعد يخرج للعب مع رفاقه , لقد أصبح مريضاً وأخشى أن يموت بسبب حزنه الشديد.”
سأل الملك المرأة :
– ” ألم يدفع لك الجنود ثمن المهر ؟”
قالت المرأة :
– ” لقد عرض علي جنودك المال ولكني أخبرتهم بأننا لانريد بيع المهر, إنه ليس للبيع يامولاي , إنه صديق ولدي الوحيد , نحن لسنا بحاجة إلى المال ياسيدي الملك , إنني أريد فقط أن تعيد المهر الذي أخذه جنودك منا.”
قهقه الملك عالياً وقال :
_ ” إنك حقا امرأة غريبة الأطوار , كيف تريدين أن أعطيك شيئا دخل قصري وأصبح ملكي , لقد رفضت المال وهذا
ذنبك أنت , إنه أجمل مهر رأيته في حياتي ولن أفرّط فيه أبدا !”
صاحت المرأة بحزن :
_ ” أرجوك ياسيدي الملك , يمكنك أن تشتري الكثير من الخيول والمهور , ولكنّ ابني مريض وهو يريد مهره أرجوك يا مولاي!”
أشار الملك بيده إلى جنوده فتقدموا نحو المرأة ليخرجوها ويلقوا بها خارج الأسوار العالية. وبينما كان الجنود يقتربون من المرأة كانت دموعها تسيل على خديها كالجداول وتنهمر إلى الأرض قطرات متلألئة .
كان الجو شديد البرودة , وكانت دموع المرأة تسيل من عينيها بغزارة وحالما تصل إلى الأرض تتجمد وتصبح كحبات اللؤلؤ الأبيض.
أخذت الملكة الجالسة إلى جوار زوجها الملك تراقب تدموع المرأة التي تتناثر خلفها وهي تغادر قاعة الملك وعندما خرجت المرأة , نادت الملكة على الجنود وأمرتهم بجمع قطرات الدموع وإحضارها لها في طبق بلوري .
نظرت الملكة إلى قطرات الدموع المتلألئة بدهشة واستغراب وقالت :
– ” إنها أجمل من جميع الآلئ التي أملكها ! إن بريقها يخطف الأبصار !”
ولكن الملكة نظرت فجأة بحزن إلى قطرات الدموع وقالت :
– ” ولكنها لابد أن تذوب , إنها دموع , كيف يمكنني أن أجعلها متجمدة للأبد ؟ ”
فكرت الملكة قليلا ثم نادت على الجنود وقالت :
– ” أحضروا لي ساحر القصر حالاً!”
وفي الحال كان ساحر القصر يقف أمام الملك والملكة ويقدم تحيته واحترامه قائلا:
– ” أمر مولاتي الملكة , إني طوع اشارتك !”
قالت الملكة :
– ” انظر أيها الساحر إلى هذه الحبّات , إنها قطرات من الدمع تجمدت في البرد , ولكني أريد منك أن تجد طريقة تبقيها صلبة على الدوام .”
فكّر الساحر قليلاً ثم قال :
-” أرجو منك يامولاتي أن تمنحيني بعض الوقت لأبحث في كتبي وأوراقي .”
أجابت الملكة :
_” حسنا ! ولكن بسرعة قبل أن تسيل , لا تضع الكثير من الوقت, وإذا نجحت فسأعطيك مكافأة كبيرة !”

انحنى الساحر وقال :
_” سأبذل جهدي يا مولاتي ! أعدك بذلك .”
انصرف الساحر إلى كتبه يبحث عن تعويذة تحقق ماطلبته الملكة, لم يكن الأمر سهلاً , ولكن الساحر عمل بجد واصرار حتى وجد الطريقة المناسبة , فأسرع متهللّا إلى الملكة وقال :
_ ” لقد وجدت الطريقة يا مولاتي !”
وضع الساحر منديلا أسود على الطبق البلوري الذي يحوي الدموع وأخذ يتلو كلمات غريبة ويحرك يديه فوقه وعندما توقف سحب المنديل عن الطبق فظهرت قطرات الدموع حبات لؤلؤ تلمع بوهج برّاق .
ابتهجت الملكة بما رأت وأمرت بمكافأة كبيرة للساحر , ثم طلبت من الجنود أن يحملوا حبات اللؤلؤ إلى غرفتها الخاصة.
أسرعت الملكة إلى غرفتها وأغلقت الباب ثمّ أخذت تقلب حبات اللؤلؤ بين أصابعها ببهجة وهي تقول :
_ ” آه ! يا للعجب ! إنها صلبة كاللؤلؤ تماما , وما أجمل بريقها ولمعانها!”
وضعت الملكة حبات اللؤلؤ في خرانة بللورية ووقفت تتأملها بسرور ولكنها ما لبثت أن عبَست وقطبت حاجبيها وقالت:
_ ” ولكنها حبات قليلة ! أريد الكثير من هذه اللآلئ ! آه … أريد ملء هذه الغرفة منها ! ولكن كيف يمكنني أن أحصل على المزيد ؟”
أخذت الملكة تدور في الغرفة وهي تفكر وعندما تعبت رقدت في سريرها وقالت :
_ ” حسنا ! غدا سأجد طريقة أحصل بها على المزيد و المزيد من هذه الدرر !”
قهقهت الملكة عالياً ثم أغمضت عينيها واستسلمت لنوم عميق .
في اليوم التالي استدعت الملكة الجنود وطلبت منهم النزول إلى البلدة ليبحثوا لها عن اطول نخلة في المملكة, وعندما يجدونها يقتلوعها من جذورها ويأتوا بها إلى حديقة القصر . واختارت الملكة أحد الجنود وهمست له بأمر سرّيٍ لم يسمعه أحد غيره.
انطلق الجنود يجوبون أرجاء المملكة بحثا عن الشجرة التي طلبتها الملكة, وبعد بحث طويل وجدوا نخلة عالية في بستان مزارع بسيط فأخذوا يحفرون الأرض حولها ليقتلعوها من جذورها ويذهبوا بها إلى الملكة.
رأى المزارع الجنود يحفرون أرضه فانطلق إليهم غاضبا وسالهم:
_ ” ما الذي تفعلونه في أرضي ؟ لماذا تحفرون هنا؟ ماذا تريدون؟”
أجاب واحد من الجنود :
_ ” مولاتي الملكة تريد هذه النخلة , سنقوم باقتلاعها ونقلها إلى حديقة القصر.”
صاح المزارع غاضا :
_ ” ولكنها نخلتي ولن أتخلى عنها , يمكنكم أن تزرعوا آلاف النخلات للملكة .”
ضحك الجنود وتابعوا عملهم, وعندما حاول المزارع ايقافهم قاموا بربطه إلى جذع شجرة قريبة, وبينما كانوا يسحبون النخلة من ترابها كان المزارع ينظر إلى نخلته بألم كبير ثم بدأ يجهش بالبكاء .
أسرع الجندي الذي همست له الملكة إلى المزارع وأخذ يمسح دموعه ويجمعها في إناء بلوري .
كان المزارع يبكي بحرقة وتنهمر دموعه على وجهه بغزارة حتى كاد الإناء البلوري يفيض بقطرات الدموع.
في قصرها العالي أمسكت الملكة إناء الدموع ببهجة كبيرة وناولته إلى ساحر القصر ليلقي تعويذته عليه ويحوله إلى لآلئ . وما أن رفع الساحر يده عن ألإناء حتى ظهرت حبات اللؤلؤ اللامعة تضيء ف الاناء بلمعان آسر.
وضعت الملكة اللآلئ الجديدة في الخزانة ووقفت تتأملها بإعجاب, ثم ضحكت ضحكة عالية وصاحت :
_” أريد ملء هذه الغرفة لآلئ , لا لا أريد ملئ هذا القصر لآلئاً , أريد المزيد , المزيد .”
وهكذا أصبحت الملكة كل يوم تفكر في حيلة جديدة تحصل بها على دموع أهل الجبل الأخضر , فترسل جنودها لينفذوا أوامرها كما تريد .
وكان الجنود مطيعين جدا لا يخالفون الملكة في أي أمر تأمرهم به .
ففي يوم من الأيام قام الجنود بإيقاف تدفق النبع الكبير الذي تشرب منه المملكة وعطش الناس وأخذ الأطفال يبكون من الظمأ , وفي مرة أخرى حرق الجنود حقول القمح ولم يجد الناس طحينا ليصنعوا خبزهم فأصبحوا جياعا ومتعبين .
وفي كل مرة كان الجنود يحملون الكثير من دموع الأطفال والنساء والعجائز ويسرعون بها إلى الملكة حيث يلقي الساحر تعويذته عليها ويحولها إلى لآلئ ثمينة .
وفي يوم من الأيام نادت الملكة على جنودها وصاحت غاضبة :
_ ” هاقد مرّت عدّة أيام دون أن تأتوني بأي دموع ! لمَ لا تفعلون ما آمركم به ؟ ”
أجاب أحد الجنود بخوف :
_ ” إننا ننفذ أوامرك بحذافيرها يا مولاتي , لقد قطعنا اشجار البرتقال من بستان العم حسن وذبحنا نعاج العجوز كريم والبارحة فقط قمنا بالامساك بثور الفلاح أمين الذي يحرث به أرضه , لقد أمسكنا ببعض الشبان ووضعناهم في السجن , لقد فعلنا ما بوسعنا يا مولاتي! .”
قالت الملكة :
_ ” ولماذالا تحضرون شيئا إذا ؟ أين هي الدموع التي يذرفها الناس في كل مكان ؟”
أجاب جندي بصوت منخفض :
_ ” لم يعد الناس يبكون يا مولاتي , إنهم غاضبون , الغاضبون لا يذرفون الدموع !”
صرخت الملكة :
_ ” ما ذا يعني هذا ؟ أنا لا أفهم هذا الكلام , تدبروا أمركم , أريد المزيد من اللآلئ , أريد دموعاً أكثر أكثر أكثر !”

صعدت الملكة إلى غرفتها وأخذت تتأمل اللآلئ التي ملئت المكان , كانت حبات اللؤلؤ مكومة في كل مكان على السرير وفوق الطاولة وفي الصناديق المكدسة من الأرض وحتى السقف ولم يعدد هناك مكان لشيء آخر . نظرت الملكة بإعجاب إلى أكوام اللؤلؤ اللامعة فشعرت بفرح كبير وأخذت تقلّب الحبات البلورية بيديها وتصيح عالياً :
_ إنني أغنى امرأة في العالم , لا يمكن لأحد أن يملك كل هذه اللآلئ ”
نامت الملكة إلى جوار زوجها الملك في الغرفة الملكية المليئة باللآلئ وفي الصباح بدأت الشمس ترتفع في السماء وتلقي باشعتها القوية على الحقول والمنازل .
كان هذا الصباح مختلفا عما قبله من الصباحات , فقد بدت الشمس تتوهج في السماء بشدة ولا تكاد أشعتها تصل إلى شيء حتى تجعله حارأ جدا .
لم يستطع الناس أن يرفعوا أبصارهم إلى السماء ولكنهم شعروا بأن هذا اليوم ليس يوما عادياً بأي حال.
لم تشعر الملكة وزوجها النائمين بشيء , كانت أشعة الشمس الحارقة تتسلل إلى قصرهم من فتحات النوافذ والشرفات وحالاً وصلت إلى غرفة الملكة الموصدة بإحكام .
لم يكن أحدٌ يعلم أن تعويذة الساحر التي ألقاها على الدموع صالحة لأجلٍ محدد , ولكن الساحر يعرف أنه لا تعويذة تبقى إلى الأبد ولو أنه لم يخبر الملكة بذلك خوفاً من العقاب, وحالما شعر الساحر بحرارة الشمس تتسلل إلى القصر عرف أنّ شيئا خطيرا سيحدث في هذا المكان ففرّ هارباً دون أن يخبر أحد .
بدأت حرارة القصر ترتفع ويصبح كل شيئا حاراً بشكل كبير وفي الحال بدأت اللآلئ تذوب وتسيل من صناديقها وعن الرفوف ومن الأواني , كان هناك الكثير الكثير من اللآلئ وحالما سالت تجمعت معاً لتصبح سيلاً كبيرا أخذ يعلو ويعلو حتى كاد يغمر الغرفة المغلقة.
استفاق الملك والملكة من نومهما مذعورين ورأيا المياه الغزيرة تتدفق حولهما من كل مكان , حاولت الملكة النهوض من سريرها لتفتح باب غرفتها وتهرب من هذا السيل الذي يتوجه نحوها ولكنها لم تستطع القيام , صاحت بزوجها الملك غاضبة تطلب منه أن يفعل شيئا لينقذها ولكنه لم يكن يقدر على الحركة فأخذا يصيحان على الجنود ليفتحوا لهما الباب ويخرجوهما من هذا المكان المرعب ولكن أحدا من الجنود لم يسمعهما و كان الجميع قد هرب ونجا بنفسه حالما رأوا السيل المتدفق من الغرفة العالية ينهمر بقوة ويحمل معه كل شيء في طريقه .
وفي آخر النهار لم يعد أحد يسمع صوت الملك أو الملكة, كانا قد غرقا في سيل الدموع الذي جمعاه من دموع الناس المظلومين وقضيا نحبهما في قصرهما العالي البعيد عن اهل المملكة .
في آخر النهار كانت أشعة الشمس قد بردت وزال توهجها الحار وتوقف السيل الكبير عن التدفق من قمة الجبل .
نظر الناس إلى اعلى فرأوا أن السيل قد هدّم بعض جدران القصر وجزءا كبيرا من السور العالي المحيط به .
لم يشعر الناس بالحزن على ملكهم وملكتهم , كانوا فرحين بخلاصهم منهم ومن ظلمهم .
صاح أحد الرجال :
– ” سنقوم بإعادة بناء القصر من جديد ”
أجاب شاب قوي :
– ” نعم ! سنعمل معا , ولكن لا حاجة لبناء السور حوله, سنتركه مكشوفا .”
” نعم ,, نعم , نعم ” تعالت الأصوات من كل الجهات .
انطلق الناس إلى أعمالهم وأشغالهم بنشاط وحيوية وعادت البهجة والفرح تغمر مملكة الجبل الأخضر السعيدة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.