منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“ظاهرة فوضى الإفتاء بالمغرب”

بنمرجان إبراهيم

اشترك في النشرة البريدية

الفتوى أقدم علم برز قبل سائر العلوم الإسلامية، لأنها سايرت أسباب النزول وعايشت واقع الناس، وبهذا تظهر أهميتها والمكانة التي حظيت وتحظى بها إلى يومنا هذا، لأنها كما قلت تخدم واقع الناس منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن التحق بالرفيق الأعلى، ساعتها توسعت الفتوحات الإسلامية ودخل العجم إلى الدين الإسلامي، فكثرت النوازل والمستجدات واحتاج الصحابة إلى الاجتهاد الذي يعد روح الفتوى حتى يسايروا واقع الناس ويخدموا مصالحهم، مراعين في ذلك عدم معارضة روح الشريعة ومبادئها، ثم التابعين الذي ساروا على نهج الصحابة فتكونت ثروة فقهية هائلة جراء هذه الفتاوى المبنية إما على النقل المجرد أو الاجتهاد، بناء على ما قاله ابن القيم في إعلام الموقعين أنه لا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى إلا بنوعين من الفهم: “أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات، والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم ينطبق أحدهما على الآخر”[1] فالمفتي في أي زمان لابد من أن يتحلى بمجموعة من الشروط سواء المتعلقة بالعلم كالعلم بالقرآن الكريم والإلمام بعلوم الحديث وأحكام الفقه والعلم باللغة العربية وغيرها إلى جانب شروط العدالة المتمثلة في الأدب والورع والشهرة بين الناس، أي أنه من الأفاضل الذين يرجع إليهم لمعرفة حكم الله في مسألة من المسائل، منفتح على قضايا مجتمعه وظروف عصره حتى يأتي بما يوافق محكمات الشرع ومقتضيات العصر، إلا أن الإشكال فيما هو حاصل في عصرنا هذا وحالنا الذي أصبحت فيه فتاوى تخرج عن النسق الديني العام وتشوه وعي المسلمين، فتزعزع أمنهم واستقرارهم، وهذا راجع بالأساس إلى تعدد مصادر الفتوى وانعدام أو ضعف الالتزام بضوابطها، فرض الحاجة إلى مناهج بديلة تستوعب التغيرات التي شملت مجالات الحياة كافة، بمعنى أن الناظر في أحكام الفقه الإسلامي يجد أنها تنقسم إلى قسمان:

الأولى: الأحكام الثابتة التي لا تتأثر بمتغيرات الزمان والمكان.

الثانية: الأحكام المتغيرة وهي كثيرة، وسبب تغيرها جاء وفق أساسها وما انبنت عليه.

وتأكيد هذا الكلام يأتي على قول ابن القيم –رحمه الله- قال:”الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة والأمكنة ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه، والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة[2]

والجدير بذكره في هذا المقام، أن عصرنا تمخض على وقائع وأحداث لم تقع في عهد السابقين، فما يعرف اليوم بظاهرة العولمة أحدثت تطورات أثرت في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية عالميا ومحليا إذ أنها تجاوزت البلدان والأقاليم مما أحدث انقلابا كبيرا في موازين الزمان والمسافات وأدوات التثاقف وأساليب التأثير والتأثر، فأخذت البرامج الإفتائية حيزا كبيرا في القنوات الفضائية والرقمية وأصبح يتصدر لها من هو أهل ومن هو غير أهل، فتشكل صراع فكري قوي أفرز سلبيات ومشكلات دينية عظيمة، وكذلك عدم تمييز عامة الناس بين الوعاظ والعلماء، وعدم تمييزهم أيضا بين الفتوى والرأي، بحيث يعتبر البعض أن وجهة نظر أحد الفقهاء في حد ذاتها فتوى تجيز الإقدام عن الشيء أو الإحجام عنه، ومن المشاكل الكثيرة التي نجدها داخل المجتمع المغربي نجد استفتاء أهل المغرب لأهل المشرق في بعض النوازل التي لها خصوصية محلية وليس لعلماء المشرق علم بحيثياتها الشيء الذي ينتج عنه في أغلب الأحيان فتاوى مخالفة لمقاصد الشريعة الإسلامية.

المزيد من المشاركات
1 من 2

بالتالي هذا هو الإشكال الحقيقي والأساسي في قضية فوضى الإفتاء بالمغرب بأبعادها الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية، على علم أن المغرب تحت أحد الثوابت الدينية وهو المذهب المالكي، وكما هو معلوم وإذا تتبعنا أثر الفتوى عند الإمام مالك نجده يتحلى بسمات وخصال عديدة في أساسها: التأني والتثبت والتريث في إنشاء أو تقديم الفتوى، مما لا نلحظه في زماننا عند بعض من يدعي أنه مفتي، الأمر الذي يتطلب إعادة ترتيب الأوراق والنظر في المسألة بنوع من العمق وتفعيل النقاش بشكل أكبر حتى لا نجعل الفتوى في أيدي من هب ودب، والجدير بذكره أن الجهات المسؤولة عن الفتوى في المغرب معروفة ومعلومة منها المجلس العلمي الأعلى الذي يترأس الهيئة العليا للإفتاء، ورابطة علماء المغرب وجمعية العلماء خريجي دار الحديث الحسنية، وأئمة الدين والقائمون بشؤونه كل هذا يدل على صرامة ومسؤولية الإفتاء بغض النظر عن أي طبقة من طبقات الإفتاء نتحدث لأن الإفتاء بزماننا بيد الفقهاء المعروفين من أهل التقليد، على اعتبار أن الطبقات الثلاث كلها مفقودة في هذا العصر لا مجتهد الفتوى ولا مجتهد المذهب، فضلا عن المجتهد المطلق، بمعنى أن المفتي ليس له إلا الإتباع والتقليد وفق الشروط العلمية كل هذا يدخل في أهلية الإفتاء التي تعتبر أمرا هاما لكل من يتصدى للفتوى.

لكن في عصرنا هذا أصبح من الصعب ضبط قنوات الإفتاء ومصادره، بل إنها أصبحت تصنع اليوم وتسوق من قبل شريحة جديدة خصوصا في القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تعمل بجد على سحب بساط الإفتاء من تحت من أسند لهم أمر الفتوى من المؤسسات السالفة الذكر وكبار العلماء، وهذا حاصل على مر التاريخ الإسلامي، بحيث يحاولون قدر المستطاع ترسيخ تقليد الإفتاء كما تأسس في التراث الإسلامي، ويؤكد هذا الكلام ما جاء في كتاب ضوابط الفتوى للمكي المالكي حيث قال:” مؤهلاتهم العلمية أكوام من الزيف ومشايخهم الآذنة بالفتيا جراء في دين الله جبناء في الدنيا وتلامذتهم رتل من السفهاء، أرادوا لفت الأنظار إليهم وسرقة الأضواء من أهلها وسلب الريادة من أربابها وطمس معالم هذا الدين ولكنهم في ميزان الأتباع أمناء، وجهلة بيد من هم في مقاييس الأغرار علماء- ولصوص في نظر الله، وفي نظر العبيد شرفاء وهذه هي الطامة الكبرى”[3] فالإفتاء منصب عظيم الخطر بعيد الأثر، لهذا كان من اللازم الوقوف عن ظاهرة فوضى الإفتاء بالعالم العربي الإسلامي وأخص بها المغرب الذي لاشك وجدنا فيه من يتطاول على الفتوى فكانت الحاجة ملحة بل إلزامية إلى النظر بعين المصلحة التي تبين للناس مواطن الخلل والزلل لمعالجتها وإيقاف كل من يتجرأ على الفتوى ويتسبب في المس باستقرار وأمن المجتمع خصوصا في الظروف الصعبة التي يمر بها المغرب والعالم جراء جائحة كورونا وخير ما أختم به كلامي في هذا الباب قول الدكتور أحمد الريسوني “في أيام السعة والرخاء: لا بأس أن يتكلم الوعاظ والخطباء، وأما عند الفتن والمحن فالكلمة للفقهاء والخبراء”.


[1] -إعلام الموقعين عن رب العالمين، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية (المتوفى: 751 هـ)، قدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، شارك في التخريج: أبو عمر أحمد عبد الله أحمد، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1423 هـ، 1/87-88.

[2]– إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ل: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)،المحقق: محمد حامد الفقي،الناشر: مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية، 1/330.

[3] -ضوابط الفتوى: من يجوز له أن يفتي ومن لا يجوز له أن يفتي، الكاتب: محمد بن علي بن حسين المكي المالكي، دار الفرقان باكوس، سوريا، 1997، ص: 5.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.