منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مداخل ممكنة لقراءة رواية “رحّال: حجر الواد” ليوسف النويني

مداخل ممكنة لقراءة رواية "رحّال: حجر الواد" ليوسف النويني/د. عبد القادر الدحمني

0

مداخل ممكنة لقراءة رواية “رحّال: حجر الواد” ليوسف النويني

بقلم: د. عبد القادر الدحمني  (روائي وباحث في السرديات)

عرفت الأستاذ يوسف بنطاهر النويني أول الأمر كاتبا لمقالات الرأي في الثقافة والشأن العام، ومنها مقالات في النقد السينمائي، وقد أتيحت لي فرصة الاحتكاك به في مجال الكتابة السردية أخيرا عبر روايته الموسومة ب“رحال: حجر الواد”، التي تعدّ باكورة أعماله الإبداعية في مجال الرواية، كما جنّس مكتوبه ضمن واجهة الغلاف. وسأحاول هنا تسليط بعض الضوء على مجموعة من المداخل الممكنة لقراءة هذه الرواية، فربما قد تشكل مساعدة على الولوج السليم إلى أعماق عوالمها وإسهاما في تفكيك بعض مقوماتها السردية والجمالية.

فكرة الكتابة ووظيفتها في الرواية:

يعد إخراج الكتاب الأول امتحانا عسيرا، لا من حيث القدرة على مواجهة المتلقي، أو مواجهة الذات في صورتها “المكتوبة” أمام “الرأي العام” فحسب، بل من حيث القدرة على الانتماء الفعلي الكامل لجنس ما نكتب فيه، ولذلك، ينتظر الكُتّاب آراء النقاد والمهتمين فيما كتبوه، ويظلوا متوجّسين من كل “تقييم” قد ينكر عليهم الانتماء ابتداء إلى “حوزة ما”، وهو أمر قد يبالغ في تقديره البعض، لكنه هاجس يتلاشى رويدا، بعد كل اعتراف يحوزه الكاتب، وبعد كل كتاب ينضاف إلى سجله.

وهذا الأمر بالتحديد هو ما دفعني للبحث عن هواجس الكتابة في رواية “رحّال: حجر الواد”، في سعي مني إلى استكناه مجمل التخوفات التي قد تبرز مفصحة عن هاجس الانتماء الجنسي للكتابة، وحضور أسئلته القبلية في وعي الكاتب بالضرورة، وهي من المؤشرات الدالة لتأمل الكتابة ذاتها، وهي تخوض مسارها الخاص لوعي نفسها، ومن ثمة إدراك وظيفتها، وتطوير أدواتها.

لقد صرح السارد في رواية “رحال: حجر الوااد” بأن الرهان كان صعبا منذ البداية، من خلال تساؤلاته عن مدى قدرة الرواية على التقاط كل تلك التفاصيل والسنوات والأجيال التي يريد أن يكتب عنها: “فكّر في أن ينقّح ويعيد الحياة لتلك المخطوطات التي يحتفظ بها حول حياته وحياة عائلته الشهيرة. كيف يدوّن أحداثا بطول قرن في رواية أو كتاب؟ كيف يحيي أبطالا أو يقتلهم بين دفّتي كتاب ويخلّد بطولاتهم بحروف عاجزة” (ص: 202). وقد كان مُدْرِكا منذ البداية لصعوبة النقل التام والكلي والشفّاف لكل ما جرى ضمن سيرورة سيرية، بالتأكيد تتضمن الحلو والمر، والطَّيِّب والمستبشَع، والمستلطَفَ والمستقبَح، ولذلك قرر الاكتفاء بالإشارة والتلميح في لعبة تستّرية تقودها لغة المواربة والإيحاء لا الإفضاء والكشف والتصريح، يقول السارد: “كيف سيكبر أطفال صغار بين ثنايا صفحات كتابه ويعودوا للحياة رجالا يعيدون رسم نفس الدوائر المتسعة لكن بألوان مختلفة؟ كيف ستتحمّل عباراته الكليلة آهات وأنّات ثقيلة لإنسان مثقل وحيد وغريب ومحقور. سينقلها بالإشارات المكتومة وسيتستّر عليها بلعبة اللغة إلى قراء من نسل المهضومين أو من ورثة أبرياء جلادين تاريخيين” (ص: 202)، كما أن من وظائف الكتابة حسب تصريح السارد (ومن ورائه الكاتب بالضرورة)، الإضمار والإخفاء، إلى جانب الإعلان والإظهار: “الكتابة ترجمة للقسوة كما هي إعلان للحب وخيباته، إخفاء لبقع سوداء مظلمة في حياة من سيتجاورون ما بين دفتي كتاب أو رواية يحلم بكتابتها” (ص: 202).

وتنضاف حيرة التعاطي مع الواقع في الكتابة السردية، إلى التساؤل عن مدى قدرة الذاكرة ذاتها على الاحتفاظ بكل تلك التفاصيل، وقدرة اللغة على نقلها والإحاطة بها. فهل كان الارتكاز على الذاكرة إذا بغاية الاستناد إلى المنجز التاريخي بوصفه سلوى وتعويضا عن الفقد والعجز والخيبة في الحاضر، أم كان رهانا هوياتيا، يسعى إلى تجذير الذات في التاريخ، قبل أية رهانات أخرى؟ أليس تذويب الفرد في الجماعة (العائلة والسلالة) والاستعاضة عن “الأنا” ب”النحن” يزكي هذا التفسير؟! ألا يحمل هذا الخيار محاولة للعودة إلى قوة الانتماء الجماعي و”القَبَلِي” عندما تصطدم الذات في “فردانيتها” بصلابة الواقع وقسوته، وهو الأمر الذي يحتاج إلى مستند يتم الارتكاز عليه في تلك المواجهة، وليس ثمة حينها إلا قوّة الحميّة والاحتماء ب”الانتماء الأوسع والأعمق”؟!

إشكالية التجنيس ومطبّات العتبات:

  • “العتبة الضرورية”:

نتساءل في البداية: إلى أي حد ظل الكاتب وفيا لميثاق التجنيس، أي لما أعلن عنه من أن الأمر يتعلق برواية على ظهر غلاف المؤلَّف؟ فهل يتعلق الأمر فعلا برواية أم بسيرة ذاتية أم بسيرة غيرية؟ وفي جميع الحالات، هل يتعلق الأمر بكتابة تخييلية أم بمحاولة “تأريخ” و”توثيق” واقعية؟ في هذا الصدد، وبعيدا حتى عن افتحاص هندسة الرواية، وشكل بنائها، يمكن للعتبات أن تكون كافية لإعطاء نظرة حقيقية عن الوضع، فالتصريح ببعض الآراء، أو الإشارة إلى بعض الأفكار، أو إظهار الميل إلى التوجيه أو التحفظ، أو أية إشارات أخرى، تشبه كثيرا تلك الكلمات التي قد يتفوّه بها متّهمٌ ما لحظة توقيفه والقبض عليه، وبالتالي فهي قد تستخدم ضده، ولذلك يتم تحذير أولئك المقبوض عليهم من التفوّه بأية كلمات أو شروح قد تستخدم ضدهم، وتُلْحَقُ من ثمّة بمحاضر الضابطة القضائية.

فمنذ البداية يقدم لنا الكاتب نفسُه وعودا مختلفة ضمن فقرة أسماها “عتبة ضرورية”، لكنها تؤدي في المحصّلة إلى الخروج برأي واحد، فالكاتب يصف روايته بكونها “ليست واقعا ولا كتاب تاريخ لحياة عائلة أو نسب أو شخصيات مقربة” (ص: 5)، لكنه يستدرك بأنها تضم الواقع أيضا، فهي قد “ضمّت بين دفّتيها الخيال والواقع فتلا أحداثها بعيدا عن أي تخوّف أو إحراج..” (ص: 5)، والحديث هنا عن الخوف والإحراج قد يفسِّرُ جزءا مهما من هذا التردد، ذلك أن الكتابة عن العائلة، او السيرة العائلية غالبا ما تثير عددا من المشاكل، خاصة في ظل وجود أحياء قد يكونوا شهدوا الوقائع ولهم روايات مختلفة أو مناقضة كليا، أو رافضة لنشر السيرة أساسا، ولذك يخاطب من سيقرأ عمله من مقربيه قائلا: “أنوه القارئين المحترمين من ذوي قرابتي أن أي تشابه لأسماء واقعيين مع شخوص الرواية هو محض صدفة ولا علاقة له بالواقع، وأي مطابقة للأحداث هي محض خيال ولا تعدو أحداثا نسجها قلم لا يحمل أي مشاحنة أو سوء ظنون لأي أحد” (ص: 5).

لكن محاولة التنكّر لذاكرة مشتركة أمر صعب للغاية، بل يكاد يكون مستحيلا، ولا يمكن بالمطلق تقريبا التبرّؤ من تبعاته، ولذلك يعود مرة أخرى إلى نوع من الطمأنة، مع نصف اعتراف قائلا إن “أغلب شخصياتها من محض الخيال وأي تشابه بينها وبين أي واقع مفترض قد يكون أملته التجربة وبقايا الصور في الذاكرة لا غير” (ص: 5). بمعنى أن هناك أشخاصا حقيقيين وآخرين متخيّلين، وبناء على هذا يذهب الكاتب في اتجاه وصف روايته بأنها شهادة، أي أنها في جزء منها تجربة معاشة ينبغي تقديم شهادة بخصوصها: “روايتي شهادة من تجربة صورت حياة عائلة كبيرة جدا من زاوية صغيرة جدا أيضا، رأت ما أمكن أن تراه، وأزاحت اللثام عن جزء من قصتي من الحقيقة التي تبدو للآخرين غير ذلك. فليكتبوا روايتهم إن شاءوا” (ص: 5).

إن الكاتب هنا يضع أصبعا في موضع مهم من إشكاليات الكتابة عن شجرة العائلة، ذلك أن النظر الواحد لا يمكنه الإحاطة بحقيقة ما، وزاوية رؤية الفرد الواحد، لا يمكنها بتاتا أن تقدم صورة مكتملة وصحيحة تماما عن “الحقيقة”، يضاف إلى هذا المشكل، مشكل الذاكرة، في رهان تذكُّرِها وقدرتِها على استرجاع التفاصيل والوفاء لتلك “الحقيقة”، إضافة إلى إشكالية اللغة، التي تظل عائقا حقيقيا أمام تَغَيِّي تلك المطابقة المتعذّرة بين الواقع والمحكي، ولهذا يصرح  قائلا: “مدين لذاكرتي الكليلة ولغتي العاجزة أن أسعفتاني كي أكتب. يقال إن القدرة على التذكّر أصعب من أن تعيش الذكرى نفسها فبالأحرى أن تكتبها اللغة غير منقوصة ولا زائدة” (ص: 7).

وفي النهاية يضطرّ  إلى الاعتراف بأن الأمر يتعلق برواية سيرية، تتأسَّسُ على أرضية واقعية حقيقية، وتوظف التخييل لملأ الثغرات وتوضيب المعنى كما تستند إلى المعرفة العامة المشتركة بين عموم القراء في جيله، أي إلى ثقافة الكاتب وقراءته الخاصة للأحداث وتأويلاته لها: “روايتي سيرة موضوعية فيها القليل من الذاتي والكثير مما ينصرف إلى عامة القراء المنتمين إلى تلك الحقبة وتلك الجغرافيا”(ص: 5).

إن انفكاك الرواية عن السيرة الذاتية بشكل كلّي أمر متعذِّر في عمومه، مهما تم شحذ حاسّة  التخييل، لكن ذلك لا ينبغي أن يتجاوز نقطة الارتكاز اللازمة على الذات بوصفها منطلَقًا للرؤية وخزَّانا للتجربة ومَصْهَرًا لكل ما يُقرأ ويعاش ويُسمع ويُتخيّل أيضا، فهل يتعلق الأمر في هذه الرواية باستراتيجية واعية مخطط لها، أم أن قدر الرواية المغربية أن تظل رهينة السيرة الذاتية كما يقول عبد الكبير الخطيبي؟

  • الإضاءات والنصوص الموازية:

تتكون الرواية من فصلين، الأول بعنوان “الجذور والمسارات”، والثاني بعنوان “على جناح التجارب”، وتمتد الرواية (الصادرة عن مطبعة بطنجة فولك، سنة 2022) على طول مائتين وثلاث صفحات من القطع المتوسط، تبدأ بالإهداء، ثم عتبة ضرورية (توضيحية)، ثم شكر وعرفان.

يتضمن الفصل الأول من الرواية 31 جزءا سرديا، ولكل جزء إضاءة ميتاسردية موجِّهة، عبارة عن فكرة أو  حكمة، أو عبارة شاعرية، أو دعاء، أو شذرة، أما الفصل الثاني فإنه يتضمن 22 جزءا فقط. وبقدر ما تعطي تلك الإضاءات إشارات مهمة تكثف المعنى وتوجِّه الدلالة وتمكِّن المتلقي من مفاتيح بعض أقفال النص، فإنها يمكن أن تشكِّل تحدّيا أو تضليلا كذلك. إن وجود 53 نصا ميتاسرديا، يعد بحق إرهاقا كبيرا للمتن الأصلي، وخرقا كبيرا لدلالة النص المستقلة، وإن كانت الإضاءات في أغلبها مزكية ومحرّضة على نفس المنحى العام لدلالة الجزء، لكن الأمر يعد بحق تشويشا على مقصدية النص من جهة، وعلى حرية المتلقي في تأويله الحر لما يقرأه، وأعتقد شخصيا أن أغلب فصوص الإضاءات المختارة هي من تدبيج الكاتب نفسه وليست اقتباسات إلا فيما نذر، إلا ما كان اقتباسا بالمعنى فقط أحيانا.

وإن سلّمنا بمشروعية التوظيف وجماليته، فإننا نؤكد على وجوب الاعتدال فيه، سواء على مستوى الكم ،أو على مستوى الكيف، أي أنه لا بد من النظر في طبيعة وخصائص الإضاءات الفكرية أو الفلسفية أو الشعرية، فلا يجب أن يركب الكتّاب مركب التحدي في الإلغاز والشَّعرنة غير اللازمة، بشكل يجعل الإضاءات والعتبات تطغى على قوة المعنى في النص ذاته، بل تغطّيه أحيانا وتشوش عليه.

التأريخ للسلالة وخصائص السرد في رواية “رحال: حجر الواد”:

  • من يسرد الرواية؟

يتنقل السارد في رواية “رحّال: حجر الواد” بين دورين اثنين، فهو عالم بكل شيء، وفي نفس الآن سارد مصاحب ومشارك في الأحداث، فالسرد في الرواية، ذو منطق إسنادي قائم على روح العنعنة ذات البعد المنهجي الإسلامي، الذي يسعى إلى الإثبات والتثبُّت، أي إلى تمحيص “الرواية”، وإظهار واقعيتها، وهو أمر يعاكس منطق الجنس الروائي القائم أساسا على التخييل والاختلاق، فإن كان النفس الإسنادي قد حضر سعيا إلى كسب المتلقي وطمأنته من خلال مخاطبته من إزاء أطره الثقافية والفكرية المرجعية فذاك، وإلا فإن الأمر قد يتم تفسيره بمقتضى الحرص على التأريخ والتوثيق، خاصة في ظل إمكان الاحتمال القاضي بوجود روايات مختلفة “للوقائع”، أو حتى تلك التي قد تطعن في “صدقيتها”. والأمر لا يهمنا هنا إلا بالقدر الذي يتصل بقدرة السارد على المراوغة وتدعيم تخييله بأبعاد واقعية، حقيقية أو مُدّعاة، فلئن كان من تخييل في رواية “رحال: حجر الواد” فإنه يتأسس على أرضية واقعية، من معطيات تاريخية وأخرى جغرافية حقيقية، يقول السارد مثلا: “سمع “سعيد بنّاصر شيخ قبيلة الولي الصالح الشاذلي “سيدي أبو زيد عبد الرحمن بن إلياس الرجراجي برحّال وخصاله فبعث إليه برسالة يطلبه فيها” (ص: 102).

لقد ارتبط السرد في الرواية أساسا برحلة الجد الأكبر رحّال، وأساس الحكي جاء شفهيا بالضرورة، ولذلك اعتمد منطق الإسناد وروح العنعنة كما قلنا، إن السارد يحكي عن رحّال الذي يحكي، فالسارد يعيش في عصرنا الحالي، وهو يحكي عن أبيه، وعن آمنة والطاهر، وعن الجد العربي (وإخوته صالح وقدور والجلالي وأخواته فنيدة ووقيدة وعايشة وحليمة)، وعن الجد الأكبر رحّال، وعن الجد الأعلى عمر أيضا. والجيلالي أيضا كان حكّاء وتم استدعاؤه للمشاركة في سرد الرواية: “كنا ونحن نستمع إلى جدّنا الحاج الجيلالي وهو يسرد تاريخ رحلتهم وترحالهم قبل أن يستقروا بقريتنا “دوار رحال” تصيبنا من الحماسة ما يجعلنا مستعدين لخوض الرحلة من جديد” (ص: 105).

وقد تم نقل حكايات عديدة جزئية متفرعة عن كل شخصية من هذه الشخصيات، فالجيلالي مثلا كان يحكي أيضا قصة مشاركة أخيه صالح في الجهاد ضد البرتغال والناجي منها بعد تيه امتد لسنة كاملة. كما توجد أحيانا حكاية داخل الحكاية (حكاية مجون القايد مرجان الذي اخطف واغتصب قهرا كواكب بنت دحمان”، إلى أن نصل إلى السارد المعاصر الذي كتب ما كتب وهو ابن الأربعين: “كانت ذكرى السوق، كل ما تذكرتها تدغدغ في ذاكرتي روائح وأحداثا وقصصا لا تزال عالقة بي إلى الآن رغم بلوغي سن الأربعين” (ص: 122). كما تمت الإشارة إلى ظروف كتابة الرواية ذاتها، بحيث تمت الإشارة إلى أنها خرجت بعد معاناة طويلة، وكانت نتيجة سرقة أوقات وتحايل على فرص من بين زحمة الاشغالات وتضارب الأولويات، فهي “رواية انتظرت عشر سنوات طويلة وثقيلة لتخرج إلى الوجود وتكتمل أخيرا، ليس لأنني أتمهّل إتقانا واستحسانا كي تخرج أنيقة المبنى والمعنى، بل ذلك نابع من كسل وتراخٍ، وكذا التعرض لسرقة وقت موصوفة من طرف رغيف خبز لا ينتظر” (ص: 7).

وإضافة إلى السرد بضمير المتكلم الفرد، فإن السارد كان يتبنى أحيانا لسان الضمير الجمعي: “النحن”، متحدثا باسم العائلة الكبيرة، أو بالأحرى، باسم “السلالة”، أي أنّه يعتنق الهوية الجماعية وهو يسرد حكاية “النحن”، وهو أمر يتكرّر كثيرا في الرواية، ومن ذلك مثلا: “دعا رحال بهذه الدعوات التي ورثناها من أصلنا الشريف كما قيل لنا نحن ما تبقّى من سلالتنا الطيبة. بقيت سلالتنا ترددها في كل مناسبة” (ص: 60). “ذلك الهروب التاريخي الذي شاء الله أن يعيد انتشار نسلنا ونسبنا، فكانت سلالتنا المنسوبة إلى جدّنا رحّال تسير إلى أرض أخرى ستحتضن أمجادها وكرمها وأخلاقها الفاضلة في مجد وعزة” (ص: 77). “تلك الرحلة الشجاعة التي قادها بطلنا وجدنا الشجاع رحّال وكأننا بتلك الدعوات البسيطة نجدد العهد بترحالنا ورفضنا للظلم أينما حللنا وارتحلنا” (ص: 60).

  • التأريخ للسلالة:

تحكي رواية “رحال: حجر الواد” قصة سلسلة أجداد تمتد عبر أجيال متعددة، حيث الأجداد، والآباء، وأبناؤهم، وأحفادهم، وأحفاد أحفادهم، وصولا إلى أيامنا المعاصرة، وتبدأ الحكاية، بل الحكايات بالأحرى، بقصة الجد رحّال الذي يشتغل عند القايد المتسلّط عبد المعطي، مكلفا بشؤون إحصاء المحاصيل وجمع العسل والسمن.. وبشؤون الخمّاسة والربّاعة، وشؤون العسس والحصادين وعمال الحقول وسائسي الأحصنة والدواب، والذي هرب بعدما انتقلت السلطة إلى الخادم مرجان، حيث أظهر هذا الأخير فجورا وغطرسة أكبر من سابقه، وهو الأمر الذي جعل رحال، الذي يتصف بالطيبة والجدية والنزاهة، يرحل عن تلك القبيلة ويقصد أحواز مراكش، للنجاة من الظلم والبطش والمشاركة فيه، ومن هناك ستتعاقب الأجيال وتتناسل الحكايات بسراد مختلفين، يجمعهم سارد عالم بكل شيء يحيط بباقي السراد، ويحكي الحكايات التي تناهت إليه، ويعلق ويستدرك، وهو السارد المعاصر والأخير الذي يسرد الرواية وتتحقق فيه نبوءة جده البعيد رحال القاضية بمضاءِ قَدَرٍ أن يخرج كاتب من عَقِبِه، يؤرخ لرحلته الخطيرة ويجعلها معلومة ومشاعة لكل الناس.

وتجدر الإشارة إلى أن مجمل الحكي في رواية “رحال: حجر الواد” هو حكي خارجي وصفي، وتقريري، يحمل يقينية ثابتة في الغالب، لا يتسرب إليها التناقض والاضطراب إلى النفوس، إلا فيما ندر. وأعتقد أن هناك مأزقا خلقه تعدد الرواة، والبعد الزمني الذي يضاعف طول “العنعنة”، وهو ما قد يخلق ارتباكا في ضبط وتحديد الجهة الساردة، كما يخلق ارتباكا لدى المتلقي في تعدد السرّاد بشكل يفيض عن الحاجة القاصدة إلى إظهار نوع من “ديموقراطية” السرد، وإتاحة تعدد المنظورات، ووجهات النظر: “من هنا بدأت آمنة حكايتها يرويها عنها والدي نور الدين” (ص: 111).

عن موضوعات الرواية وانشغالاتها:

تركز الرواية في حكاياتها المتناسلة على مسألة القيم، والأصول الاجتماعية والدينية لتوارث تلك القيم والتنشئة عليها، فباستثناء بعض فقرات الحب الناصعة، تدور حكايات الرواية في مجملها حول الفساد السلطوي، القائم أساسا على انحراف النفوس، وطمعها وجشعها وحبها للرئاسة والتحكم والسيطرة واستعباد الناس. كما تتوقف الرواية طويلا عند العلاقة الزوجية التي تتسم غالبا بالمحافظة، والاستمساك بالأعراف، وتمجيد قيم الوفاء والتعاون، وتنتصر لقوامة الرجل وأدواره في قيادة بيت الزوجية على مستوى الكفاية المادية والحماية وتدبير العلاقات الاجتماعية الكبرى، بينما تتكفل المرأة بتفاصيل الحياة اليومية، وترعى أدوراها داخل المنزل أو خارجه بنفس القوة والاقتدار، لكن سقف طموحاتها لا يتعدى في عمومه سقف الزوج، ولا يتخطى توجهاته وإمكاناته.

كما عملت الرواية على تصوير البادية المغربية بعمق ونوستالجيا واضحة، مركزة على اللغة الواصفة، وساعية إلى ترسيم تسميات الأشياء والأفضية ووسائل الحياة بمسمياتها التداولية المرسخة بالدارجة المغربية، مع ميل إلى التقاط التفاصيل بدقة، يقول السارد مثلا: “كان الجوُّ خانقا وحارّا وآثار خطى أقدامهما الصغيرة تثير غبارا فاترا، تنحّى عنهما كلبٌ يلهثُ جانب جدار بيت الجيران وكأنّ له همًّا أكبر من همّهما” (ص: 168)، ويقول في موضع آخر: “نيران الموقد قد خمدت، أصوات حيوانات الدار الكبيرة تتعالى: ثغاء وخوار ونهيق ونباح، بدا دخان الصباح المنبعث من مدخنة البيت الطيني أشبه بثعبان ينسلّ مبتلعا معه كل ما أحسّت به من ضياع تلك الليلة الحارقة” (ص: 135).

وقد سعت الرواية بشكل جلي إلى الاهتمام بالصور الحية للثقافة المغربية الأصيلة، خاصة فيما يتعلق بالمطعم والمشرب، وطقوس الاستضافة والاحتفال، وهو اهتمام يتجاوز الاحتفاء الفلكلوري إلى محاولة استكناه طبيعة العلاقات الإنسانية، وخصائص التصور الحضاري، كما تفصح بعض اللوحات السردية عن نوع متفرّد من التلاقح الحضاري الخصب في الثقافة المغربية، جاء على لسان السارد في وصف إحدى أمسيات القايد: “قربت منه الصينية الفضية المنقوشة بنقوش دقيقة بأيدي صناع مراكشيين مهرة، وصففت فيها الكؤوس من النوع التركي، قدمت له من طرف تاجر مراكشي جلبها من الحج العام الماضي وبجانبها وضعت صينية نحاسية متوسطة الاستدارة وضعت فيها لوازم إعداد الشاي من السكر والأعشاب المختلطة التي عصفت روائحها الغنّاء بأنوف الضيوف. نعناع حر بوري قطفت أغصانه الطرية للتوّ من بستان القلعة وحديقتها المجاورة. وحبوب شاي جيد مجلوب من جنوب الصين عبر صحراء الجزائر غير مشكوك في مذاقه وجودته” (ص: 19).

ويمكن كذلك الإشارة إلى أن الأرضية المعرفية والتصورية التي تتأسس عليها أسئلة القيم في رواية “رحال: حجر الواد”، تنبني أساسا على معطى التصوّف والنسب الشريف، وهما أصلان حاسمان شكّلا خزّانا قيميا لا ينضب عبر مختلف الأجيال المغربية، وقد صورت الرواية، صفحات من هذه القيم والأخلاق والأصول، ولذلك نراها قد أسهبت أحيانا في إبراز تلك الأبعاد العرفانية وسعت إلى الوقوف على بعض تمظهراتها، خاصة جانب  مفهوم البركة والكرامات، إلى درجة أن هذا النفس العرفاني الطاغي في الرواية قد يحمل أحيانا بعدا تنبئيا تبشيريا واضحا: “البركة لا تخطئنا نحن آيت رحال، ورقابنا ليست لعدوّ أو حتّى صديق يتصرف فيها، سفينتنا سائرة تمخر عباب الموج الهادر ولا تنكسر بإذن الله” (ص: 106). ولعل طغيان الاهتمام بهذا الجانب، جعل من كتابة هذه الرواية ذاتها، مجرد استجابة علوية، لنداء قديم، وقدر ماضٍ وناجز بشّر به الجد رحاّل والد السارد في المنام: “حكى لنا جدنا الحاج أنه رأى مناما يخبره فيه أبوه رحّال أن رحلتنا ستغدو كتابا يقرأه الناس، ويعجبون ببطولاتنا، وسيأتي من ينشر ذكرها وستكتب بقلم من عَقِبِنا” (ص: 110).

إضافة إلى البادية، وأسئلة القيم، والأسرة، والتصوف، تحضر تيمة الذات في فردانيتها الخاصة وجوانيتها الحميمية، وهو الأمر الذي يصبح معه السرد أكثر إمتاعا وسلاسة بدروه، سواء انصب الحكي على مرحلة الطفولة في جماليتها وعذوبة فطرتها الصافية، أو سعى إلى استغوار الذات الساردة في شقاوة اليفاعة وتوثّب الشباب والنضج، حيث يحس المتلقي بانسيابية السرد وجماليته التي تثير الحنين، خاصة عندما يتعلق الأمر باسترجاع مشاهد الطفولة، ومن ذلك مثلا، مشهد لعبة التوقُّف عن التفكير: “عاتبني بقوله: إياك والفراغ. واستمرّ في سياقة دراجته بتمهُّل اعتدته منه كلما أردفني معه عليها قاصدين قريتنا أو مغادرين لها. واستمريت أنا في ممارسة لعبتي المفضلة: التوقُّف عن التفكير، التوقُّف عن كل شيء” (ص: 160).

كما يحضر مشهد آخر أكثر شاعرية وعمقا من دهشة الطفولة وشقاوتها وتفكيرها خارج إواليات التكريس وصندوق التنميط: يقول السارد: “اعتقدت أنا ورفيق طفولتي “هشام” أن حبّات المسبحة يمكن أن تزرع وتنبت ولم نتردد في فكّ حبّاتها وزرعها في حديقة الدويرية بكل حماسة طافحة. كنا نسقيها على مدار أيام آملين أن تنبت وأن نفاجئ جدنا بسبحات كثيرة نتيجة حصادنا” (ص: 148). ترى ! هل نبتت حبات السبحة تلك؟ أليس الأمر صحيحا تماما؟ أليست السبحة تُنبِتُ إن تمَّ تعهُّدُها بالسَّقي كل يوم، بِدَأْبٍ وإلحاحٍ وَطَمَعٍ وصِدْقٍ طفوليٍّ لم يخالطه الغش ولا التعالم والادِّعاء؟!

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.