منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مقومات النصر من خلال غزوة بدر الكبرى

ذ. خالد البورقادي/ خريج دار الحديث الحسنية- خبير تربوي

اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:

الخطاب القرآني حين يقرأ الأحداث؛ لا يعرضها بأنها أحداثا تاريخية مضت، بل يروم استخلاص الدروس والعبر؛ واستكشاف السنن الإلهية في التغيير والبناء والنصر والهزيمة..، وتلك هي أهم مقاصد القصص القرآني.

ونحن نتفيأ ظلال ذكرى غزوة بدر الكبرى؛ في شهر رمضان المعظم؛ التي شكلت حدثا تاريخيا بارزا غير وجه العالم؛ وأعاد ترتيبه من جديد، بل إن القرآن الكريم سماها بيوم الفرقان. حري بنا أن نقف عند بعض عوامل النصر في هذه المعركة؛ في ظل ما تعرف الأمة من مخاض عسير؛ ومن تكالب الأمم عليها؛ ومن تداعي الأكلة على خيراتها ومقومات نهوضها.

1- التأييد الرباني:

المزيد من المشاركات
1 من 21

أثبت التجارب الحربية قديما وحديثا؛ أن الجيوش التي تتشكل على عقيدة قتالية؛ تحقق إنجازات عسكرية كبرى. والمسلمون وهم أهل العقيدة الصافية؛ عقيدة الإيمان بالله عز وجل وتوحيده، فعامل العلاقة مع الله عز وجل أهم عنصر في تحقيق النصر يوم بدر. هذه العلاقة تجلت في اللجوء إلى الله والتذلل بين يديه؛ وطلب النصر من عنده؛ فهو المالك الأوحد للنصر. فالدعاء أولا؛ ثم الذكر ثانيا استمدادا للثبات.

قال الله تعالى: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ… ﴾ وقال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾.

ومن ثم استجاب الله للمؤمنين؛ وأيدهم بمدد من عنده؛ وجعل أمور الغيب تتضافر مع أمور الشهادة والطبيعة والتكوين؛ لصالح المؤمنين.

ومن أنواع التأييد الرباني في هذه المعركة:

– النعاس:

قدر الله عز وجل أن يخرج المسلمون لملاقاة قافلة قريش التجارية (العير)، فوجدوا أنفسهم أمام جيش يفوقهم عدة وعددا (النفير) على غير استعداد عسكري ونفسي، فكان الخوف مسيطراً على الأغلبية الساحقة منهم، وكانوا بحاجة إلى عنصر يهبهم الاطمئنان النفسي، فتدخلت يد الغيب الإلهي لتمسح على أعين هؤلاء المرهقين، وتهدهد قلوبهم الخائفة؛ فتغدق عليهم نعمة النوم وما يبعثه من استقرار وسكينة: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ… ﴾.

يقول الإمام علي: “ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن الأسود، ولقد رأيتُنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – قائماً إلى شجرة يصلي ويدعو حتى الصبح”[1].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

– نزول المطر:

وأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرا واحد، فكان على المشركين وابلا شديدا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلا طهرهم به، وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطأ به الأرض، وصلب به الرمل، وثبت به الأقدام، ومهد به المنزل، وربط على قلوبهم[2]. فانظر إلى قدرة الله سبحانه الذي بيده ملكوت كل شيء، وبيده أزمة التكوين، لا يخذل عباده المؤمنين. فنفس المطر أرسله على الفريقين، فكان على المؤمنين تثبيتا للأرض من تحت أقدامهم، وكان على المشركين طينا لزجا تصعب معه الحركة والتنقل.

يقول الله تعالى:﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾.

وهكذا حقق المطر للمسلمين أربعة أمور:

  1. فهو ماء صالح للشرب والرّي، وطرد الظمأ والعطش.
  2. وهو عنصر طهارة ونقاء، لاسيما لأولئك الذين أصابهم ما يصيب الرجال حين ناموا
  3. وهو بشارة تهب القلب الطمأنينة بالتأييد الرّباني.
  4. وهو عنصر حيوي عسكري، قلب موازين المعركة، فثبّت أقدام المسلمين فيها، حين حوّل تلك الأرض الرملية التي تغوص فيها الأرجل، وتصعب الحركة والمناورة؛ إلى أرض ذات جهوزية عالية.

– التأييد بالملائكة:

تأييد الله عباده بالغيب مما تكرر في عدة مواطن ومواقع؛ منها موقعة بدر الكبرى، فالاقتتال بساحة الوغى بين فريقين من بني البشر أمر شهودي؛ لكن العلاقة بالله عز وجل، والارتباط به سبحانه؛ والاستغاثة به؛ تدخل شيئا آخر من عالم الغيب، فتؤثر في المعركة تأثيرا بينا. ومن ذلك الملائكة. قال الله سبحانه: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾. وقال سبحانه: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾.

“وأغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة واحدة، ثم رفع رأسه فقال: “أبشر يا أبا بكر! هذا جبريل على ثناياه النقع” (أي الغبار). وفي رواية ابن إسحق: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع”[3].

فقاتل المسلمون أشد القتال، ونصرتهم الملائكة، ففي رواية ابن سعد عن عكرمة قال: “كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدري من ضربه، وتندر يد الرجل لا يدري من ضربها، وقال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيا فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: صدقت، ذلك ملك من السماء الثالثة”[4]. وقال أبو داود المازني: إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري.

وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرا، فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق، وما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله. فقال: اسكت، فقد أيدك الله بملك كريم”[5].

فقد رحم الله ضراعة المؤمنين واستغاثتهم، وأنزل عليهم الملائكة تساعدهم في المعركة، وهذا بدوره يدلل على أثر الأمور التشريعية ـ كالتضرع إلى الله ـ في أنزال الرحمة والإمداد الغيبي، مما يوصل بين عالمي التشريع والغيب.

وجملة ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ… ﴾، ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ﴾ تفيد أمرين هامين:

أولهما: أنّ إرسال الملائكة في المعركة ليس بديلاً وتغييباً للدور الإنساني، وإنّما هو دعم ومساندة.

وثانيهما: أنّ السبب الحقيقي للنصر هو الفعل الإلهي، لا الملائكة، ولا الفعل البشري، مع أنّ هذه معاً عناصر متكاملة متشابكة لا يلغي أحدها الآخر[6].

– تقليل المسلمين والكافرين:

يقول الله تعالى: ﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾.

فقد أرى الله رسوله في المنام جيش مكة قليلا، وفي عالم الواقع أرى الله المؤمنين عدوهم قليلا في أعينهم، وبالمقابل، قلل عدد المؤمنين في أعين عدوهم، فكل طائفة ترى الأخرى قليلة. لتقدم كل منها على الأخرى[7]، ليقضي الله أمرا كان مفعولا من نصر المؤمنين وخذلان الكافرين.

فقد بعث كفار قريش عميرَ بن وهب الجمحي فقالوا له: احزر لنا أصحاب محمد، فجال بفرسه حول العسكر، ثمّ رجع إليهم وقال: “هم ثلاث مئة رجل، يزيدون قليلاً أو ينقصونه، ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أم مدد؟، فضرب في الوادي ثمّ رجع إليهم وقال: ما رأيتُ شيئاً، ولكنّي قد رأيتُ – يا معشر قريش – البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم”.[8].

ولا يخفى التأثير النفسي لهذا التقليل في الإقدام وحسم المعركة، كل ذلك بتدبير إلهي، وصنيع رباني نصرة لعباده المؤمنين.

– التأييد بالرعب:

الرعب سلاح قوي؛ لا يرى بالعين المجردة؛ ولكن يقذفه الله في قلب الطيار في طائرته فتهوي به من عل، ويقذفه في قلب الفارس الجلد فيخر من على فرسه..

والحرب النفسية تكون حاسمة في المعارك. ومن دلائل النبوة أن النبي صلى الله عليه وسلم نصره بالرعب؛ وعد ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي” ومنها: “نصرت بالرعب”.

وفي بدر أوحى الله إلى ملائكته التي أسهمت في المعركة وإلى نبيه الأكرم:﴿… سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾.

– التأييد بالتراب

ومن عناصر التأييد الإلهي التي حصلت قبيل المعركة أن أخذ الرسول الأكرم حفنة من الحصباء (الحصى)، فاستقبل بها قريشاً، ثمّ قال: “شاهت الوجوه”، ثمّ نفحهم بها، فدخل غبارها في عيونهم، وقال لأصحابه: شدوا، فكانت هزيمة الأعداء

وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾.

إن التأييد الرباني من أهم مقومات وعوامل النصر الحاسمة التي تبدت في غزوة بدر الكبرى، حتى يتيقن المؤمنون أن الفاعل هو الله سبحانه وأن النصر من عنده عز وجل.

2- الثبات:

الثبات من أهم مبادئ تحقيق النصر، وهو مستمد من الإيمان بالفكرة، والدفاع عنها بإصرار. وفي غزوة بدر، لم يكن القصد أول الأمر قتالا، بل تعرضا للقافلة التجارية لاسترجاع بعض الحقوق التي أخذها أهل مكة من المسلمين الأولين من المهاجرين. ولكن لما جد الجد، وقدر الله ما قدر، وجدت هذه العصابة من المؤمنين نفسها أمام اختبار صعب للمبادئ وقوة الإيمان. فتمسك الصحابة بالمبدأ، ولم يترددوا تحت الضغوط الرهيبة للحرب النفسية والميدانية. فكان القرار التاريخي: “امض بنا يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد”[9].

ونظير هذا ثباتهم يوم الأحزاب عندما تحالفت الأحزاب وقوى الشر، وأحاطوا بهم من كل مكان لاستئصال شأفة الإسلام والمسلمين، ثبتوا، ولم يتقهقروا، ولا بدلوا ولا غيروا. قال الله تعالى: “من المومنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا”. فقد كان وضوح سبب وعامل الثبات في رسم معادلة النصر جليا. وهذا مما يفسر لنا بعضا من أسباب الهزيمة في عصرنا، خاصة عندما نرى “قادة” الأمة ونخبها وعلمائها ومثقفيها يتلونون كألوان الطيف أمام المغريات والعقبات. مما تسبب في ضياع المبادئ، وبيع العديد ممن الأوطان، إما رغبا أو رهبا.

3- ذكر الله عزو جل:

الذكر بمفهومه الشامل من أوراد مشروعة، وحضور بالقلب، وإخلاص في عمل الجوارح، واحتساب الأجر عند الله تعالى، وتعظيم شعائر الله الذي هو من تقوى القلوب.

وفي بدر رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا يدعو ربه، ويتبتل إليه حتى أشفق عليه أصحابه. فكان منذ رجوعه بعد تعديل الصفوف يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول: ” اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك” حتى إذا حمي الوطيس، واستدارت رحى الحرب بشدة، واحتدم القتال، وبلغت المعركة قمتها قال: ” اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا” وبالغ في الاهتبال حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه الصديق، وقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك[10].

4- طاعة الله ورسوله:

هذا مما ينبغي لجند الله أن يعتزوا به ويفخروا ويرفعوا رؤوسهم عالية بذلك، فمع ما رتب الشرع على تلك الطاعة من جزاء أخروي، فإنها – الطاعة – من مقومات النصر، ويدخل في ذلك طاعة القيادة وعدم الاختلاف عليها،

قال الله تعالى في سورة الأنفال التي خلدت لمعركة بدر: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ وقال سبحانه: ﴿… يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾.

وقد مر بنا مقالة المهاجرين ومقالة الأنصار في هذا الباب، وكلها تنم عن تمام الطاعة لله ورسوله. فهذا المقداد يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم بكلمات خالدة، جميلة بليغة كلها تنضح محبة لله ورسوله، وقال: “يا رسول الله، امض ِ لما أمركَ الله، فنحن معكَ، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿… فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾، ولكن اذهب أنت وربكَ فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فوالذي بعثكَ بالحقّ لو سرتَ بنا برك الغِماد – يعني الحبشة – لجالدنا معكَ مَنْ دونه حتى تبلغه”

ولأنّ الأنصار حين بايعت الرسول في بيعة العقبة قالت: “يا رسول الله، إنا برآء من ذمامكَ حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلتَ إلينا فأنت في ذمامنا، نمنعكَ مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا”، لذلك أحبّ الرسول أن يستطلع رأيّهم في هذه الحرب التي ستجري أحداثها خارج المدينة، فقال: “أشيروا عليّ”، فقال سعد بن معاذ: “والله، لكأنكَ تريدنا يا رسول الله”، فقال الرسول: “أجل”، فقال سعد: “فقد آمنا بكَ، وصدّقناكَ، وشهدنا أنّ ما جئتَ به هو الحقّ، وأعطيناكَ على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض ِ – يا رسول الله – لما أردتَ، فوالذي بعثكَ بالحقّ، إن استعرضتَ بنا هذا البحر فخضته لخضناه معكَ ما تخلّف منّا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غداً، إنا لصُبَّر عند الحرب، صُدَّق عند اللقاء، لعلّ الله يريكَ منّا ما تقرّ به عينُكَ، فسر بنا على بركة الله”.

وفي رواية أن سعد بن معاذ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقا عليها ألا تنصرك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فوالله لئن سرت حتى تبلغ بنا البرك من غمدان انسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك[11].

فحاجة أبناء الأمة الآن ماسة أكثر من أي وقت مضى للاعتزاز بالمرجعية الإسلامية؛ والمنافحة عنها في وجه موجات العلمانية والإلحاد والتفسخ الأخلاقي والقيمي. ويقفوا بعزيمة وإرادة قوية أمام جحافل التحلل والانحراف. بما يبعث الأمل في الأمة ويبشرها بنصر قريب إن شاء الله.

5- الوحدة وعدم الاختلاف:

باستقراء غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم؛ نجده كان حريصا على الوحدة، وجمع الكلمة حول الهدف الأسمى والغاية الكبرى. وقد تجلت هذه القاعدة في غزوة بدر بشكل واضح، لما أعمل النبي صلى الله عليه وسلم دائرة الشورى، والتفاهم والتحاور، والنزول على الرأي الخبير، وتجميع القلوب.

لذلك أمر الله المسلمين يوم بدر بأن يبتعدوا عن جميع أشكال التنازع والاختلاف، والتمسك بحبال الوحدة والتآلف، فهي مربوطة إلى سفينة النصر والنجاة. قال الله تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

إنّ اشتعال نار الخلافات الداخلية في المعركة يؤدي إلى تخلخل الجبهة الداخلية وتفككها، وذاك يُنتج الفشل في المعركة ﴿… فَتَفْشَلُوا… ﴾، وتفتت القوة وتشظيها ﴿… وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ… ﴾ ؛ لأنّ النزاع – من جهة – يضعف الإرادة، ويبعث الوهن في النفس، ويسبّب فشل القلب وتوانيه وذهاب الهمة والتطلع عنه، ومن جهة ثانية، يُذهب القوة والكرامة والعزة والهيبة، وبالتالي يدمّر كلُّ فريق شخصية الفريق الثاني، ومَن تحطمت شخصيته وهانت نفسه عليه؛ فإنّه لا يحارب عدوّه، ولا يرى نفسه كفوءاً للصراع مع منافسيه[12].

فمن أعظم النعم التي أسبغها الله على المسلمين في بدر هي التغلّب على الفتن الداخلية وتجاوزها بما زرعه في نفوسهم من ألفة ومحبة: ﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾.

ولهذا عبر القرآن بقوله: “أيدك بنصره وبالمومنين”، مؤمنون متآلفون متحابون متحدون خلف قيادة رباينة حانية رحيمة رفيقة. كل ذلك من أسباب النصر ومن مقوماته.

هذا مما يسر الله الوقوف عليه من مقومات النصر من خلال غزوة بدر الكبرى، وقد حفلت سورة الأنفال بالحديث عن ذلك والتذكير به، لينتبه المؤمنون المجاهدون في كل زمان ومكان إلى ذلك، والأخذ به. وتدعو السورة الكريمة في آخر ذلك بالأخذ بأسباب النصر المادية أيضا لأهميتها وضرورتها، وأنها جوهر سنة الله تعالى الماضية. قال الله تعالى: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم، الله يعلمهم” الأنفال: 60. ويجدر التنبيه على أن مفهوم النصر ليس هو الغلبة، فالنصر مرتبط بالإيمان، بينما الغلبة تكون للأقوى بطشا وقوة[13]. يقول سبحانه: “ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو القوي العزيز.


[1] – محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري 2/ 135.

[2] – المباركفوري، الرحيق المختوم، ص: 361.

[3] – الرحيق المختوم، ص: 372-373.

[4] – روى مثل ذلك مسلم: 2/93.

[5] – الرحيق المختوم، ص: 375.

[6] – علي آل موسى، عوامل انتصار المسلمين في غزوة بدر. (موقع: مركز الإشعاع الإسلامي، بتاريخ: الجمعة 14 رمضان 1441ه/ 08 ماي 2020).

[7] – تفسير ابن كثير..

[8] – تاريخ الطبري 2/ 145- 146.

[9] – رواه الطبراني.

[10] – الرحيق المختوم، ص: 372.

[11] – الرحيق المختوم، ص: 358.

[12] – علي آل موسى، عوامل انتصار المسلمين في غزوة بدر. (موقع: مركز الإشعاع الإسلامي، بتاريخ: الجمعة 14 رمضان 1441ه/ 08 ماي 2020).

[13] – أسباب انتصار القلة المستضعفة، بسيوني نحيلة. مدونات الجزيرة: الأربعاء 17 ينوي 2017. تاريخ التصفح: الجمعة 14 رمضان 1441هـ /08 ماي 2020م.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.