منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خصائص وسمات |أثر مناهج التعليم في ترسيخ مفهوم الاقتصاد الاسلامي

الدكتور حسن محمد أحمد محمد

0

خصائص وسمات |أثر مناهج التعليم في ترسيخ مفهوم الاقتصاد الاسلامي

بقلم: الدكتور حسن محمد أحمد محمد

يمكنكم تحميل الكتاب من الرابط التالي: 

“الاقتصاد الإسلامي وأثره في ترسيخ مفاهيم وقيم العدالة الاجتماعية”

إن ما ترمى به المجتمعات المسلمة، اليوم، من قلة الانتاج وعدم الابداع والتسيب وعدم الاتقان، والتقليد الأعمى وعدم اتباع أسس منهجية واضحة، قد يكون فيه جانب من الصدق، يعود إلى تقصيرنا وعدم استخدامنا الأمثل للإسلام كنظام جامع ومنهاج شامل للحياة تحقيقًا[1] لقوله تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الأنعام:162.

والمال ليس مذمومًا في ذاته في دين الله، ولا مبغضًا عنده، تعالى، على الإطلاق …، كما هو ظاهر نصوص بعض الأديان السابقة. فكأن الله يقول: إننا لا نأمركم بإضاعة المال واهماله، ولا بترك استثماره واستغلاله، وإنما نأمركم باكتسابه من طرق الحل، وأن تنفقوه وتستخدموه في طرق الخير والبر[2].

من هذا الباب يمكنك القول بأن مفهوم الاقتصاد الإسلامي، كما سبقت الإشارة إليه منقبل، ينبني على الحرية الاقتصادية للفرد في مجال نشاطه التجاري الخاص وحركته الاقتصادية في الإطار العام، أي أنه يجمع بين الفردية والأسس والقواعد الاجتماعية التي تقوم على مبدأ الماصالح المشتركة في ابرام الصفقات والعقود التجارية، حيث يعمل الإسلام على محاربة الفقر من خلال ضبط التشريعات والقوانين الفقهية التي ألزمت الأثرياء بدفع وإخراج الزكاة كما اقتضت تلك التشريعات أن يكون هناك بيت مال للمسلمين يرعى شؤونهم ويهتم بحقوقهم، وقد فصل الإسلام بين مالية الحاكم الخاصة وبين مالية الدولة؛ وذلك منذ أن أنشأ أمير المؤمنين، عمر، رضي الله عنه، بيت المال وخصص فيه لكل نوع من الإيرادات جزءًا خاصًا به في بيت المال فكان هناك جزء للزكاة، وجزء للفئ (الخراج والجزية والعشور) ..، وكان الغرض من تلك الخطوة هو ألا تتداخل الاخصاصات المالية من حيث الإيرادات والنفقات[3]. ويمثل بيت المال، في النظام الإسلامي، الركيزة والدعامة الأساسية للاقتصاد الإسلامي فهو الركن الرشيد والمتين الذي يأوي إليه كل محتاج، سواء أكان مسلمًا أو غير مسلم حتى، كما أن من مهام بيت المال أن يقوم بمراقبة حركة ونشاط جميع الأسواق حتى يتلافى حدوث أي ندرة في السلع الاستهلاكية، ويتمتع الاقتصاد الإسلامي بسمات وخصائص تميزه عن سواه من الاقتصادات، فنظام الاقتصاد الإسلامي يمثل السلوك الإسلامي تجاه الموارد المادية، وهو يهدف إلى إشباع حاجات الفرد والمجتمع على السواء. ولاشك في أن السلوك الإسلامي نابع من عقيدة تقوم على البر وحسن الخلق، وقد ورد في الحديث: (عن النواس بن سمعان الأنصاري قال سألت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن البر والإثم فقال البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)[4]، فالإسلام لا يدعو إلى جمع الثروات واكتناز المال بشكل فردي، وإنما يعمل الاقتصاد الإسلامي لمصلحة المجتمع بكامله، ولذلك تراه يحذر من اكتناز المال، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ التوبة: 34-35.

ويحث الإسلام على الصدقة وبذل المال في سبيل الله (عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا ما نقص مال من صدقة وما زاد الله عبدا أنفق إلا عزا ومن تواضع لله رفعه الله)[5].

وتدعو العقيدة الإسلامية الناس إلى التوسط في الإنفاق، وترفض، الافراط والتفريط، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ الإسراء:29.

والعقيدة الإسلامية تأبى وتحرم التلاعب في المقاييس والموازين:

﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ المطففين: 1-3.

وهي، كذلك، تحرم الربا والتعامل به:

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ البقرة: 275.

وفي الأحاديث النبوية الشريفة:

(إني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى)[6].

(عن أنس قال: قال، الناس يا رسول الله، غلا السعر فسعر لنا، فقال: رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال)[7].

من هنا كانت العقيدة الإسلامية هي الحادي الذي يهتدي بهديه الاقتصاد الاسلامي، الذي لا يمكن أن يعمل بمعزل عن الهدي الإلهي الخالد والسنة النبوية المطهرة.

يقول عالم الاقتصاد الاسكتلندي آدم سميث (1723-1790م)، (إننا لا نتوقع أن يتكرم علينا الجزار أو الخباز بطعام العشاء، لكننا نتوقعه من اعتبارهما لمصلحتهما الشخصية، ونحن لا نخاطب إنسانيتهما لكن نخاطب حبهما لنفسيهما، ولا نتحدث عن ضروراتنا، لكن عن مكاسبهما)، تؤكد هذه المقولة أن الاقتصاد الرأس مالي اقتصاد براغماتي (Pragmatism)، لا يعرف سوى المنفعة الآنية، في حين ينبني الاقتصاد الإسلامي على الأجر والثواب في الآخرة، قال تعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ التوبة: 103.

وفي الحديث:

(عن بن عباس قال: قال، رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والكلأ والنار)[8]. ونذكر، هنا، بعضًا من تلك المميزات، لضيق الوقت والمساحة:

1- حرم الإسلام التعاملات المالية الضارة بالنفس والمضرة بالمجتمع، قال تعالى:

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ البقرة: 188.

وفي الحديث: (عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم،  قال: إن الله حرم الخمر وثمنها وحرم الميتة وثمنها وحرم الخنزير وثمنه)[9].

2-الإسلام يحرم الغش، (عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال من حمل علينا السلاح فليس منا ومن غشنا فليس منا)[10].

3- حرم الإسلام الغَرَر وما شابهه، (عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر)[11].

4- حرم الإسلام كل تدخل غير المشروع بين البائع والمشتري، (عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: لا يتلقى الركبان للبيع ولا يبيع بعضكم على بيع بعض ولا تناجشوا ولا يبيع حاضر لباد ولا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها فإن رضيها أمسكها وان سخطها ردها وصاعا من تمر)[12].

(عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لا يسم المسلم على سوم أخيه)[13].

5- اهتم الإسلام بضبط والمقاييس، قال تعالى:

﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ﴾ الإسراء:35

6- حث الإسلام على ضمان العقود، قال تعالى: \

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ المائدة: 1.

وفي الحديث: (وقال النبي، صلى الله عليه وسلم، المسلمون عند شروطهم)[14].

7- والقاعدة الكبرى هي ألا ضرر ولا ضرار، (عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: لا ضرر ولا ضرار من ضار ضاره الله ومن شاق شاق الله عليه)[15].

لقد كان الاقتصادي البريطاني مَالتوس[16] (توماس روبرت مالتوس 1766 – 1834م)، شديد التشاؤم حينما زعم، في مقالته عن مبادئ علم السكان المنشورة سنة 1798م، أن عدد السكان يتزايد بمتوالية هندسية (1، 2، 4، 8، …)، في حين تتزايد الموارد الطبيعية بمتوالية عددية (1، 2، 3، 4، …)، وقد أوحت مقالة مالتوس المذكورة إلى تشارلز داروين بفكرة العلاقة بين التطوّر والبقاء للأصلح. وقد فشلت تنبؤات مالتوس، حيث أمكن، عن طريق وسائل الزراعة المتقدمة، إنتاج الطعام الكافي لمعظم، إن لم يكن لكل، الناس، كما أن الزيادة المطردة في السكان في القرن العشرين، وخاصة في الدول النامية، أدت إلى التنبيه إلى أفكار مالتوس[17].


[1]/ أحمد مجذوب أحمد علي: السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي، ص: 18، هيئة الأعمال الفكرية، (الخرطوم) 2002م.

[2]/ محمد عمارة: الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده، ص: 139، ج1، دار الشروق (القاهرة)، 2008م.

[3]/ أمينة أحمد إمام الشوربجي: رؤية الرحالة المسلمين للأحوال المالية والاقتصادية لمصر في العصر الفاطمي، ص: 22، الهيئة المصرية العامة للكتاب (القاهرة) 1994م.

[4]/ مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري: صحيح مسلم ج4/ص1980، دار إحياء التراث العربي، (بيروت).

[5]/ إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي: تفسير ابن كثير ج3/ص38، دار الفكر (بيروت) 1401هـ.

[6]/ صحيح مسلم ج3/ص1210.

[7]/ سليمان بن الأشعب أبو داؤود السجستاني: سنن أبي داود ج3/ص272، دار الفكر (بيروت).

[8]/ محمد بن يزيد أبو عبد الله القزويني: سنن ابن ماجه ج2/ص826، دار الفكر (بيروت).

[9]/ سنن أبي داود ج3/ص279.

[10]/ صحيح مسلم ج1/ص99

[11]/ صحيح مسلم ج3/ص1153.

[12]/ سليمان بن الأشعث أبو داؤود السجستاني: سنن البيهقي الكبرى ج5/ص346، دار الفكر.

[13]/ صحيح مسلم ج3/ص1154.

[14]/ صحيح البخاري ج2/ص794.

[15]/ محمد بن عبد الله أبو عبد الله النيسابوري: المستدرك على الصحيحين ج2/ص66، دار الكتب العلمية (بيروت) 1990م.

**/ وُلدَ مالتوس في مدينة سري ببريطانيا، وكان يرغب في أن يكون رجل دين، إلا أنه بعد تخرجه في جامعة كمبردج عمل أستاذًا للتاريخ والاقتصاد السياسي في كلية شركة الهند الشرقية عام 1805م وبقي في هذه الوظيفة إلى أن توفي. وجدير بالذكر أن نظرية مالتوس أخفقت علميًا، وهي معارضة لمبادئ الدين الإسلامي الذي يجعل حفظ النسل مقصدًا من مقاصد الشريعة التي قامت لتحقيقها وهي حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل.

[17]/ حسين عمر: مبادئ علم الاقتصاد، ص: 65، دار الفكر العربي، (القاهرة) 1989م.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.