منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من وراء الزجاج (قصة قصيرة)

فيحاء نابلسي

0

لم يكن هناك أي شيء غير عادي ولكن لسبب يصعب ادراكه كان يبدو أنه لا أحد على ما يرام!
لمدة لم ندرك متى وكيف بدأت، شاع في بيتنا احساس بالغربة وكأن هناك كائنات غير مرئية تعيش بيننا، تشاركنا طعامنا وشرابنا، تنام وتصحو معنا، تتنصت على أحاديثنا، تراقبنا من حيث لا ندري لتملي علينا حالة من عدم الارتياح.
كان أخي الأكبر هو أول من باح بهذا الاحساس الغريب، في احدى الليالي وبعدما أطفأنا النور وأسلمنا رؤوسنا للوسادة، أزاح أخي لحافه وقال:
” هل تشعر بشيء غريب؟”
أجبت مترددا: ” نوعا ما، ولكن لا أدري ما هو!”
فتابع أخي وكأنه يحدث نفسه:
” أشعر وكأني أشاهد أبي وأمي من وراء الزجاج!”
بدا لي كلامه غريبا وشعرت أن الاحساس الذي في داخلي أصبح أكثر غموضا وضبابية.
اختي التي كانت لم تتجاوز السادسة من عمرها بعد قالت: ” أنا أشعر بالبرد.” غطت نفسها ولم تصدر أي صوت آخر.
خيم الصمت على الغرفة، وأخذت أسترجع في بالي صوراً للأيام الماضية محاولا استحضار معنى ما لما أشعر به، غير أني غفوت قبل أن أدرك أي معنى واضح.
في الصباح عندما كانت أمي تضع لي الشطيرة في حقيبة المدرسة وتقفل لي زرار سترتي، نظرت في وجهها وأحسست بشيء كالغبار الذي تثيره المركبة عند انطلاقها فيحجب ما وراءه!
تذكرت كلمات أخي في الليلة الماضية وشعرت بما كان يعنيه.
على طريق المدرسة، كنت أشعر أن قلبي يغصّ مع كل خطوة أخطوها باتجاه البيت، أحيانا كنت أقف على العتبة للحظات، مترقبا أن يمر أحد رفاقي لأضيع معه وقتا في الكلام قبل أن أدلف إلى البيت.
في أحد الأيام وبينما كنا نتناول غداءنا وكنت أراقب والدّي حين ناولت أمي كأسا لوالدي وقال لها ” شكراً” فهزت رأسها وابتسمت ثم عاودت تناول طعامها.
في تلك اللحظة تذكرت بائعة في محل للملابس اشترينا منه مرّة أنا وأمي، وكانت البائعة تبتسم للجميع، وسألت أمي يومها: ” لماذا تبتسم البائعة للجميع مع أنها لا تعرفهم؟ ” وأجابت أمي يومها: ” هذا عملها!”
في ذلك اليوم شعرت أن ابتسامة أمي تشبه ابتسامة تلك البائعة إلى حد كبير، وبدا ذلك لي غريبا!
نظرت إلى والديّ مجددا، لم يكن هناك شيء، كان أبي يمضغ طعامه بصمت بينما أمي تزيح صحنها جانبا وتهمّ بالقيام.
في الأيام التالية لم أعد أهيم في البيت متنقلا من غرفة إلى أخرى باحثا عن شيء لا أعرفه، أنا وأخي وأختي أصابنا شيء من الركون والاستسلام ولم نعد نتساءل عن أوان انكشاف غلالة الغبار التي تملأ صدورنا انقباضا.
أصبحنا نتدبر أمرنا وكأنها شيء سيبقى على الدوام وعلينا أن نألف وجودها، تماما كما ألفنا يباس شجرة المشمش في حديقة جدي عندما أخبرنا أن دودة أصابتها وأنها لن تثمر من جديد، مرة بعد مرة أصبح يباسها أمرا معتاداً.
لم نستطع أنا وأخوتي أن نتذكر كم من الأيام مرت قبل أن ينجلي الضباب عن بيتنا. أخي قال انها كانت شهرين أو ثلاثة، وكنت أعتقد أنها خمسة أو أكثر. ولكن في مساء خميس زارنا عمي وصديق والدي ومعهما شيخ كبير، طلب منا والدي أن نلزم غرفتنا ولا نخرج حتى يغادر الضيوف.
ولكن أختي تسللت من الشرفة إلى نافذة غرفة الضيوف لتراهم وعندما عادت سألتنا:
” ما معنى عصمة؟ ”
أجاب أخي أنه لا يعرف وأنا هززت رأسي ولزمت الصمت.
فهست أختي:
” سمعت الشيخ الكبير يقول لوالدي ” قل لها أعدتك إلى عصمتي على…. ” ووقفت أختي تحاول أن تتذكر الكلمة ولكنها لم تفلح فتابعت “… شي مسمى بيننا… و”
سألها أخي: ” وهل قال أبي ذلك؟ ”
أومأت برأسها ايجابا وعادت لتسمع بقية الحديث.
في صباح الجمعة وحالما فتحنا عيوننا، بدا لنا وكأن كل شيء عاد إلى حاله، كانت أمي تجهز الفطور وأبي يسقي أصص الزرع على الشرفة وبدا الهواء نظيفا وخفيفا وكأن الشمس أشرقت على بيتنا من جديد.
كان الفطور شهيا ورائحة الخبز الساخن تبعث على الانشراح، ناولت أمي رغيفا ساخنا لأبي، تناوله وتابع طعامه، لم يقل لها شكرا، ولم تبتسم، كان كل شيء على ما يرام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.