منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لعنة الدماء الطاهرة (قصة قصيرة)

لعنة الدماء الطاهرة (قصة قصيرة) / عطية معين

0

لعنة الدماء الطاهرة (قصة قصيرة)

بقلم: عطية معين

لم تكن “ليئا ” المهاجرة من وطنها الأم نحو إسرائيل.. إلا واحدة من مئات الآلاف الذين اختاروا أن يغيروا حياتهم الكئيبة .. المملة، إلى حياة أخرى تحمل في طياتها الأمل و السعادة المُفتقدة..

فقدت والديها مذ كانت صغيرة، و عاشت في الميتم حياة بئيسة ملؤها الكآبة و الحزن .. و ما لبثت تخرج من الميتم لتستأنف حياتها من جديد في ظل ظروف جديدة مطمئنة ..

حالمة بتكوين أسرة سعيدة تضم أطفالا و زوجا محبا .. فتعوض ماضيها البئيس؛ حتى اكتشفت المفاجأة المفجعة عندما شهدت بنفسها خيانة خطيبها مع أعز صديقاتها.. و ليست المرة الأولى و طبعا لن تكون الأخيرة ..

اسودت الحياة في وجهها.. و كرهت بلدها .. بل كرهت كل الناس و اتخذت قرارها النهائي بالرحيل إلى أرض بعيدة تنسى فيها عذابات الماضي بعد أن باءت كل محاولاتها بالانتحار بالفشل ..

جمعت حقائبها و غادرت وطنها الأم ” بولندا ” نحو مدينة ” تل أبيب ” حيث بداية جديدة في وطن لطالما سمعت عن جماله، و اعتدال جوه و شمسه الدافئة التي ستنسيها مرارة صقيع ” بولندا ” و الأجرة المرتفعة التي ستنالها جراء عملها كمجندة في الجيش الإسرائيلي..
مهنة اختارتها طواعية بعد أن تلقت التدريبات المناسبة .. و لا محالة ستشفي من خلالها ذاك الغليل القابع في قلبها منذ طفولتها المبكرة ..

ما أن بدأت عملها حتى برهنت بكل قوتها عن ولائها المطلق لأوامر مرؤوسيها..
ضربت بكل وحشية المرابطات بالمسجد الأقصى.. دفعت الشيوخ والعجائز.. وسحلت الأطفال على وجوههم دون شفقة ولا رحمة كان حقدها على الفلسطينيين يزداد يوما بعد يوم ..
كانت ترى في تلاحمهم و تماسكهم و ترابط أسرهم سببا كافيا لمعاملتهم بحقد دفين و سادية مقيتة..

تعود إلى مسكنها كل يوم و هي سعيدة جراء المهمات الصعبة التي فاقت الجنود الرجال في تنفيذها..
كم مرة جردت الفلسطينيات من خُمُرِهِنَّ بفرح لا متناهي .. و كم مرة كسرت يدي طفل صغير بريء و هي تقوده نحو مخافر الشرطة …

و جاء اليوم المنتظر .. عندما اقتحم الجيش المسجد الأقصى، و انتهك حرمته و عاث فيه فسادا .. فانطلقت انتفاضات في مناطق عديدة من القدس و باقي مدن فلسطين..

فتلقت ” ليئا ” الأوامر بإطلاق النار ..
كان ذاك أقصى طموحها .. و اللحظة المنتظرة منذ سنوات ..
و كانت التوصية بقتل الأطفال خاصة .. و بعدهم الشباب …

وما أن اندلعت الاحتجاجات و خرج المنتفضون من أحياء شتى في مواجهات شرسة، حتى كشرت ” ليئا ” عن أنيابها، و قد تراءت لها كل المرارات التي مرت بها .. اليتم، الخيانة، الوحدة، اللاانتماء، اللادين.. نعم فليئا لم يكن لها دين البتة ..

دينها كان المال الوفير الذي تتقاضاه .. و العطلة الصيفية التي تتمتع بها في ” حيفا ” ..
لا وطن لها .. و لا حنين يجمعها بشيء ..
لقد كانت تزدري كل الأديان و تستحقرها..
و كانت تسم الفلسطينيين بالبلهاء.. لأنهم من أجل دينهم يتشبثون بمقدسات يدفعون ثمنها من أعمارهم و أطفالهم و أرواحهم ..

صوبت بندقيتها فتراآى لها طفل في العاشرة يجري بين أقرانه..
يختبئ هنا و هناك .. تتابعت خطواته و قصدته دون أقرانه ..
لم تثنها براءته و لا جمال محياه ولا أي مشاعر جميلة تشترك فيها الإناث فتتدفق بحنان على قلبها، مهما كانت ظروف حياتها..
لم تر سوى الحوافز و العلاوات التي ستتلقاها من الجيش، و في قلبها غليل يتسرب كالسم بين ضلوعها، فيشعل نارا تسري في جسدها ..

دون تفكير أطلقت رصاصة .. ثم رصاصتين.. فالثالثة ..
ليلتحق الطفل بمواكب الشهداء .. مضرجا في دمائه.. لافظا أنفاسه الأخيرة ..

عادت ” ليئا ” إلى مسكنها؛ متعبة ، يغمرها شعور غريب .. فقد حققت أخيرا أحد أحلامها .. و سرت في كيانها لذة الانتصار ..
و غذت روحها بالقوة المفقودة في نفسها التعيسة.. وهي التي عاشت حياتها مضطهدة و مهزومة ..
لقد انتصرت الآن .. !!
ذهبت لتغتسل بعد يوم شاق .. كانت فرحة تغمرها السعادة و هي تأخذ حمامها الساخن، لتستمتع بنوم عميق ..
أغمضت عينيها و هي تنعم بالمياه الدافئة المنسابة على شعرها ..
لتفتحهما على منظر مهيب مخيف .. كانت الدماء تتسربل من جسدها مع كل قطرة ماء ..

لم تصدق نفسها و أصابها الهلع .. تفقدت جسدها علها تجد مصدر الدماء .. لكنها لم تجد شيئا ..
خرجت مسرعة من الحمام و أعادت غسل وجهها و يديها، لكن دون جدوى، فالدماء كانت تلطخ يديها ..
أصابها الذعر.. و قامت بقياس حرارتها .. فربما أصابها الهذيان ..
لكن وجدت حرارتها عادية ..
تناولت مهدئا علها تستطيع النوم بعد ما أصابها اليوم من أحداث ..لتسيقظ صباحا و ترى مجددا دماء الطفل الفلسطيني تلطخ يديها ..

لم تعد تستطيع النوم .. و لا الأكل .. و ازدادت حالتها سوءا عندما تأكدت أن الجميع لا يرى ما ترى من دماء ..
أودعها الجيش مصحة للأمراض النفسية و العقلية، بعد أن تفاقمت حالتها، و أصبحت تغسل يديها في كل لحظة بشكل هستيري.. و تباعد عنها الجميع بعد أن اتهموها بالجنون..

و اتخذت إجراءات مشددة بعزلها عن الجميع .. و تكتم الجيش عن قصتها مع دم الطفل الف..ل..طيني، خاصة بعد أن تدخلت منظمات حقوق الإنسان، ليس تضامنا مع الطفل المق..تول بدم بارد، و إنما تعاطفا مع المجندة التي أُهْمِلت حالتها و اتهمت بالجنون، و لم تتلق الدعم النفسي الذي يؤهلها للشفاء …

و ما زال للحكي بقية ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.