منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سياق الإسراء والمعراج

سياق الإسراء والمعراج/ عبد الرحمان المالكي

0

سياق الإسراء والمعراج
بقلم: عبد الرحمان المالكي

ما أن تحل علينا أواخر أيام شهر الله الحرام، شهر رجب، حتى تستحضر الأمة إحدى أكبر المعجزات بعد القرآن الكريم ألا وهي معجزة الإسراء والمعراج، فما من الدعاة إلا سارد لوقائعها وأحداثها التاريخية أو مستخلص لبعض الدروس منها أو واقف عند بعد العظات، وهو على كل حال عمل مأجور ومبارك، بيد أنه قلما تجد من يعرض لسياقها ومجريات الأحداث التي صاحبتها، أو قل النفق الدعوي المسدود الذي عايشه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع الصحب الكرام رضي الله عنهم، وهي مواقف قل فيها النصير وعز فيها الظهير وتنكر فيها القريب والبعيد وحتى الغريب لدعوة الحق وكلمة الحق.

ومن الإشارات القوية أن العام الذي وقعت فيه سياحة الإسراء والمعراج سمي عام الحزن، بعد فقد الزوجة رفيقة الدعوة، ومشاركة هموم حملها، ووزيرة الصدق والحق، السيدة خديجة رضي الله عنها، وكذا رحيل العم الذي كان سندا وعونا، وأبا حانيا، وجامع كلمة بني هاشم الذين وافقوه في ميله لابن أخيه حتى ولو لم يتبعوه دعوة، وبرحيلهما تتابعت الأحزان وترادفت المحن ونزلت بساحة الفئة المؤمنة كل البلايا والرزايا، فضاقت الأرض بما رحبت واشتد الخطب واتحدت قوى الشر بخيلها ورجلها على الفئة المستضعفة المحاصرة المضطهدة، ويا له من مشهد وما أعظمه من كرب.

في غمرة هذا الضيم الذي آلم بالمستضعفين جن جنون العدوان الغاشم الظالم الذي لم يعد يكتفي بتعذيب وتنكيل من قالوا ربنا الله، بل امتدت يده الأثيمة بكل صفاقة ووقاحة وخسة ونذالة إلى الشخص الكريم الذي ما عرف بينهم إلا بالصادق الأمين صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، فخلصوا له بكل ما لم يكونوا يطمعوا به في حياة من خيم الحزن على دعوة الحق برحيلهما، ولنا أن نتصور مدى انسداد الافق وانحسار الدعوة والترهيب والحصار ومساومة سوء العذاب لزمرة الفئة المؤمنة التي لا حول ولا قوة لها.

ومع كل هذه الصورة القاتمة والوضع المتأزم على كل الجبهات، لم يفقد المعصوم صلى الله عليه وسلم الأمل في التبليغ وإسماع الناس الحق ولو كلفه ذلك تجشم عناء الخروج إلى الطائف مع وعورة التضاريس وامتداد المسافة، وكان المعهود عند العرب أن يكرموا الوافد مهما كانت دعوته، واستقبال القادم كيفما كان قصده ما دام دائرا حول الفضيلة والمروءة لم يتعداها، وما أن قدم عليهم ودخل حماهم، ودعاهم إلى دعوة الاولين والآخرين، وفطرة الإسلام والحنيفية المسلمة والمشترك لدى الإنسانية، حتى أغروا به سفهاءهم ومجانينهم وبلطجيتهم ليضربوه ضربا مبرحا ويقذفوه بالحجارة فإذا سقط أقاموه بين سماطيهم منتشين بهذا الفعل الطائش الارعن، فكانت مفاجأة فاقت كل التوقعات ولم تكن أبدا في الحسبان، أو قل إنها شدود عن كل القيم والمبادئ التي كانت تتعارف عليها قبائل العرب من الكرم والنجدة والشجاعه واكرام الضيف ونصرة المظلوم، ويا له من مشهد مؤثر ووصمة عار في جبين العرب أجمعين.

لنا أن نتصور هذه الصورة التي يعجز الإنسان عن وصفها، لكن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان لديه أفق آخر ينظر منه، وملجأ آخر يلوذ به رغم لأواء التكذيب وهجير الجحود وتنكر أهل الأرض جميعا، ربما لا يتمثله كثير من الدعاة، إنه باب الدعاء، ورفع الشكوى إلى الله، ورد الأمور إلى أهواء النفس وحظ الدنيا وهو ما لا يجوز في حق سيد الدعاة عليه أفضل الصلاه والسلام، فكان دعاء الطائف، دعاء المضطر، سؤال المظلوم، شكوى الجفاء وتنكر الجميع وحصار الدعوة وبث التيئيس والقنوط، خاصة إذا كان الداعي نبينا الأكرم، وهو من هو صلى الله عليه وسلم.

وما أن توجه شاكيا إلى مولاه المجيب الناصر حتى انفرجت العقد وانحلت العسرة وانكشف الكرب، فجاء لدعوته خلائق من غير جنس البشر، وسارع إليه الانصار، وانجلى له الافق الرحب بضيافة الإسراء والمعراج، مؤذنة بعروج الروح كل يوم في ملكوت الله عبر الصلوات الخمس في يوم المؤمن وليلته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.